فقه الأسرة

المقدمة

بــسـم الله الرحــمن الرحــيم

الحمد الله الذّي جعل لِلزواج السعيد معياراً واضحاً نطلبه ونبحث عنه ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)).

والصلاة والسلام على الشفيع بأمته الحريص علينا، من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم وعلى أله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وبعد.

إن الناظر لأوضاع العالم المعاصرة، المشفق من طول الليالي الحالكة الباحث عن مخرج وفرج من بين هذه الأزمات، يذكر كلام من قال: “لم يبق لنا إلا الأسرة أو تمتد ليالي العسرة”

يعرف أن البداية لابدَّ أن تكون من إصلاح بيوتنا ومن ثم مجتمعاتنا لينصلح بعدها حال أمتّنا جمعاء، فبحثنا عن الطرق والوسائل التي تجعل بيوتنا سعيدة وصالحة، لتكون منها الانطلاقة وفكّرنا في السبيل إلى جعل بيوتنا قرة عين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فوجدنا أن البيوت التي تؤسس على التقوى والدين، وتقيم شعائر الله وتلزم حدوده هي حقّا البيوت السعيدة، فاعتمدنا سلسلة

أسرار البيت السعيد

  • بجزئها الأول: فقه الأسرة
  • وجزئها الثاني: التربية والإرشاد
  • وجزئها الثالث: آداب وأخلاق

لنصل حقاً إلى البيت السعيد الذي يحبه الله ورسوله ويبني أسرة تحب الله ورسوله، ونسأل الله أن يّوفقنا ويعننا على هذه المهمة

وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين

الدرس الأول:

نظرة الإسلام إلى الزواج

 خلق الله الإنسان ليستخلفه في الأرض ويستعمره فيها، ولكي يتم ذلك رَكَّبَ الله في الانسان مجموعة من الغرائز والدوافع، منها الغريزة الجنسية التي بالاستجابة لها يبقى نوعه.

وكان لابد للإنسان لان يقف أمامها أحد المواقف الثلاثة:

  1. أن يطلق لها العنان تسبح أين شاءت وكيف شاءت، كما هو الشأن في المذاهب الإباحية التي لا تؤمن بالدين، وفي هذا الموقف انحطاط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان.
  2. أن يصادمها ويكبتها، كما هو الشأن في مذاهب التقشف والحرمان والتشاؤم كالمانوية والرهبانية ونحوها، وفي هذا الموقف وأد للغريزة، وتعطيل لعملها.
  3. أن يضع لها حدوداً تنطلق في داخلها، وضمن إطارها، دون كبت مرذول، ولا انطلاق مجنون، كما هو الشأن في الأديان السماوية، وخصوصاً الإسلام الذي اعترف بالغريزة، وهذا الموقف هو العدل والوسط.

ولا عجب إذ رأينا أن الأديان السماوية كلها مجتمعة على تحريم الزنا ومحاربته، وآخرها الإسلام الذي شدد على النهي عنه والتحذير منه، قال تعالى ((وَلا تَقرَبُوا الزِّنا إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبيلًا)).

ولم يبح الإسلام في ارتباط واتصال الرجل بالمرأة من غير محرم إلا عبر طريق واحد وهو الزواج وتكوين أسرة يستمر بها النسل البشري.

وعليه دعا الإسلام إلى الزواج، ونهى عن التبتل، فلا يحل للمسلم أن يعرض عن الزواج مع المقدرة عليه بدعوى التبتل لله أو التفرغ للعبادة والترهيب والانقطاع عن الدنيا.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أرادوا أن يرفضوا الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا، فقالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلظ فيهم المقالة، ثم قال: (إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الأديار والصوامع، فاعبدوا الله ولا تشركوا به، وحجوا واعتمروا واستقيموا يُستقم بكم).

قال: ونزلت فيهم الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، ووجه عليه السلام نداءه للشباب عامة فقال: (يا معشر الشباب…من استطاع منكم الباء فليتزوج، فإن أغض للبصر، وأحصن للفرج).

ومن هنا قال بعض العلماء: إن الزواج فريضة على المسلم لا يحل له تركه ما دام قادراً عليه ولا يليق بالمسلم أن يصد نفسه عن الزواج خشية ضيق الرزق عليه أو ثقل المسؤولية على عاتقه، قال تعالى: ((وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حقّ على الله عونهم: الناكح الذي يريد العفاف والمكاتب الذي يريد الأداء -أي العبد الذي يريد أن يحرر رقبته ببذل مقدار من المال يكاتب عليه سيده- والغازي في سبيل الله).

أحكام الحلال والحرام في الزواج وحياة الأسرة

إن الإسلام إذا حرم شيئاً سدّ الطرق الموصلة إليه، وحرم كل ما يُفضى إليه من وسائل ومقدمات، فما كان من شأنه أن يستثير الغرائز الهاجعة، ويفتح منافذ الفتنة على الرجل أو المرأة، ويُغرى بالفاحشة، أو يُقَرَّبُ منها، أو يُيَسِّر سبيلها، فإن الاسلام ينهى عنه ويُحرِّمه، سداً للذريعة ودرءاً للمفسدة.

ومن هذه الوسائل التي حرمَّها الإسلام:

  • خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه، وهي التي لا تكون زوجة له ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه زواجها حُرمة مؤبدة كالأم والأخت والعمة والخالة.

وليس هذا فقداناً للثقة بهما أو بإحداهما، ولكنه تحصين لهما من وساوس السوء، التي تتحرك عند التقاء فحولة الرجل وأنوثة المرأة ولا ثالث بينهما، وفي هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَخلُوَنَّ بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان}.

ويحذر الرسول تحذيراً خاصاً من خلوة المرأة بأحمائها (أقارب زوجها) كأخيه وابن عمه، لما يحدث عادة من تساهل في ذلك بين الأقارب، ومثل ذلك أقارب الزوجة من غير محارمها، كابن عمها وابن خالها وابن خالتها، فلا يجوز لأحد منهم الخلوة بها. قال عليه الصلاة والسلام {إياكم والدخول على النساء} فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله..  أفرأيت الحمو؟ قال: {الحمو الموت} وحمو المرأة: أقارب زوجها.

ومما حرمه الإسلام في مجال الغريزة الجنسية:

  • إطالة النظر من الرجل إلى المرأة، ومن المرأة إلى الرجل، فإن العين مفتاح القلب، والنظر رسول، وبريد الزنا، وقديماً قال الشاعر:

كل الحوادث مبدأها من النظر        ومعظم النار من مستصغر الشرر

وحديثاً قال آخر:

نظرة، فابتسامة، فسلام        فكلام، فموعد، فلقاء

لهذا وجَّه الله أمره إلى المؤمنين والمؤمنات جميعاً بالغض من الأبصار، مقترناً بأمره بحفظ الفروج: ((قُل لِلمُؤمِنينَ يَغُضّوا مِن أَبصارِهِم وَ يَحفَظوا فُروجَهُم ذلِكَ أَزكى لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما يَصنَعونَ * وَقُل لِلمُؤمِناتِ يَغضُضنَ مِن أَبصارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُروجَهُنَّ وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنها وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعولَتِهِنَّ أَو آبائِهِنَّ أَو آباءِ بُعولَتِهِنَّ أَو أَبنائِهِنَّ أَو أَبناءِ بُعولَتِهِنَّ أَو إِخوانِهِنَّ أَو بَني إِخوانِهِنَّ أَو بَني أَخَواتِهِنَّ أَو نِسائِهِنَّ أَو ما مَلَكَت أَيمانُهُنَّ أَوِ التّابِعينَ غَيرِ أُولِي الإِربَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفلِ الَّذينَ لَم يَظهَروا عَلى عَوراتِ النِّساءِ وَلا يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِنَّ لِيُعلَمَ ما يُخفينَ مِن زينَتِهِنَّ..)).

ويلاحظ أن الآيتين أمرتا بالغض من البصر لا بغض البصر، ولم تقل (ويحفظوا من فروجهن) كما قالت (يغضوا من أبصارهم) فإن الفرج مأمور بحفظه جملةً دون تسامح في شيء منه، أما البصر فقد سمح الله للناس بشيء منه رفعاً للحرج ورعاية للمصلحة.

فالغض من البصر ليس معناه إقفال العين عن النظر، ولا إطراق الرأس إلى الأرض، فليس هذا بالمراد ولا بالمستطاع، كما أن الغض من الصوت في قوله تعالى: ((وَاغضُض مِن صَوتِكَ)) ليس معناه إغلاق الشفتين عن الكلام، وإنما معنى الغض من البصر خفضه.

ولهذا قال الرسول الصلاة والسلام لعلي بن طالب: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك وليست لك الآخرة).

وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام النظرات الجائعة الشرهة من أحد الجنسين إلى الأخر زنا للعين، فقال: (العينان تزنيان وزناهما النظر)، وإنما سماه -زنا- لأنه ضرب من التلذذ والإشباع للغريزة الجنسية بغير الطريق المشروع.

ويطابق هذا ما جاء في الانجيل عن المسيح عليه السلام: (لقد كان من قبلكم يقولون لا تزن، وأنا أقول لكم: من نظر بعينه فقد زنى).

ومما يجب غض البصر عنه العورات، فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النظر إلى العورات، ولو كان من رجل إلى رجل، أو من امرأة إلى امرأة بشهوة أم بغير شهوة، قال عليه السلام: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد).

وعورة الرجل التي لا يجوز النظر إليها من رجل أو امرأة تحدد ما بين السرة والركبة، ويرى بعض الأئمة كابن حزم وبعض المالكية أن الفخذ ليس بعورة.

وعورة المرأة بالنسبة للرجل الأجنبي عنها هي جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها، أما عورتها بالنسبة لمن كان محرم عليها كأبيها أو اخيها فسنأتي عليه لاحقاً.

وما لا يجوز النظر إليه من العورات لا يجوز أن يُمَس باليد أو بجزء من البدن، أما في بعض الحالات كالإسعاف أو العلاج فقد زالت الحرمة.

وخلاصة القول إن النظرة البريئة إلى عورة الرجل أو المرأة حلال ما لم تتخذ صفة التكرار والتحديق الذي يصحبه غالباً التلذذ وخوف من الفتنة، ومن سماحة الإسلام أنه عفا عن النظرة الخاطفة التي تقع من الإنسان فجأة حين يرى ما لا يتاح له رؤيته، فعن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله عن نظر الفجاءة فقال: (اصرف بصرك) يعني: لا تعاود النظر مرة ثانية.

بالمقابل فإن الإسلام يبيح للمسلم الطالب للعفاف المقدم على الزواج جملة وسائل شرعية وعدد من الأحكام الفقهية التي لابدّ للمسلم من معرفتها منها:

حكم النظر إلى المخطوبة:

ويشرع للمسلم إذا عزم على الزواج، واتجهت نيته لخطبة امرأة معينة أن ينظر إليها قبل بدء في خطوات الزواج.

روى مسلم عن أبي هريرة قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول صلى الله عليه وسلم: (أنظرت إليها؟) فقال: لا، قال: (فاذهب إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً).

وروى المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (انظر إليها أحرى أن يؤدم بينكما).

ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة ولا للرجل آخر المقدار الذي يباح لهما رؤيته من المخطوبة. وقال العلماء: هو الوجه والكفان، وقد حدده البعض بأن يراها في الملابس التي تظهر بها لأبيها وأخيها ومحارمها بلا حرج، وأن يصحبها مع أبيها أو أحد محارمها -وهي بزيها الشرعي- إلى ما اعتدت أن تذهب إليه من الزيارات والأماكن المباحة لينظر عقلها وذوقها وملامح شخصيتها.

وله أن ينظر إليها بعلمها وعلم أهلها، كما له أن ينظر إليها دون تعلم هي أو يعلم أحد من أهلها ما دام ذلك بنية الخطبة، وقد قال جابر بن عبد الله عن امرأته: كنت أتخبأ لها تحت الشجرة لأراها.

لا يباح للأب المسلم أن يمنع ابنته أن يراها من يريد خطبتها صادقاً، باسم التقاليد، كما لا يحل للأب وللخاطب ولا للمخطوبة أن يتوسعوا في الرخصة فيلقوا الحبل على الغارب للفتى والفتاة -باسم الخطبة- يذهبان إلى الملاهي والمنتزهات والأسواق بغير حضور أحد من المحارم.

الخطبة المحرمة:

ولا يحل للمسلم أن يتقدم لخطبة امرأة مطلقة أو متوفى عنها زوجها في عدتها ويحرم عليه أن يخطب على خطبة أخيه، إذا كان قد وصل إلى اتفاق مع الطرف الآخر، فإذا صرف الخاطب الأول نظره عن الخطبة، أو أذن بنفسه للخاطب الثاني فلا حرج حينئذ عليه.

روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له).

البكر تستأذن ولا تجبر:

والفتاه هي صاحبة الشأن الأول في زواجها، فلا يجوز لأبيها أو وليها أن يهمل رأيها أو يغفل رضاها قال عليه الصلاة والسلام: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صمتها)، وجاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن أباها زوجها من ابن أخيه وهي كارهة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها، فقالت: قد أجزتُ صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء).

ولا يحل للأب أن يؤخر زواج ابنته إذا خطبها كفء ذو دين وخلق، قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يؤخرون الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفء) وقال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

الدرس الثاني:

ومن الأحكام الفقهية المتعلقة بفقه الأسرة أن المسلم حين يبحث عن زوجة مناسبة فإنه يبتعد عن عدّة أصناف من النساء وتسمى:

المحرمات من النساء

حيث ويحرم على المسلم أن يتزوّج واحدة من النساء الآتي ذكرهن:

  • زوجة الأب (سواء طلقها او مات عنها)، لأن زوجة الأب لها منزلة الأم بعد زواجها بأبيه.
  • الأم ومثلها الجدة وأن علت من قبل الأب أو الأم.
  • البنت ومثلها بنت ابنه أو ابنته مهما امتدت الفروع.
  • الأخت شقيقة كانت أو لأب أو لأم.
  • العمة أخت الأب شقيقة أو لأب أو لأم.
  • الخالة أخت الأم شقيقة أو لأب أو لأم.
  • بنات الأخ.
  • بنات الأخت.

وهؤلاء النسوة القريبات هُنّ يطلق عليهن في الإسلام اسم (المحارم) لأنهن محرّمات على المسلم حرمة أبدية لا تحل في وقت من الأوقات، ولا بحال من الأحوال كما يسمَّى الرجل (محرماً) بالنسبة إليهن أيضاً.

والحكمة في تحريم زواج هؤلاء القريبات ظاهرة:

  • أن الإنسان الراقي تنبو فطرته عن الاشتهاء الجنسي لمثل أمه أو أخته أو ابنته.
  • إن الشريعة لو لم تجئ بقطع الطمع فيهن لكان الخطر متوقعاً على العلاقة بين الرجل وبينهن، لوجود الخلوة وشدة الاختلاط.
  • الأولى أن يتوجه حبه إلى الأجنبيات عنه عن طريق المصاهرة، فتحدث صلات جديدة، وتتسع دائرة المحبة والمودة بين الناس ((وجعل بينكم مودة ورحمه)).

المحرمات من الرضاعة:

  • ويحرم على المسلم أن يتزوج التي أرضعته في صغره، فقد صارت بإرضاعه إياه في حكم الأم.

وقد اشترط لتأثير هذا الرضاع أن يكون في الصغر أي قبل إتمام السنتين للرضيع، وألا يقل عدد الرضعات عن خمس مشبعات، والرضعة المشبعة هي التي يدع الطفل فيها الثدي من تلقاء نفسه لشعوره بالشبع، وتحديد الرضعات الخمس هو أرجح وأوسط ما جاءت به الروايات.

  • الأخوات من الرضاعة فكلما أن المرأة صارت بالرضاع أماً للرضيع فكذلك بناتها صرن له أخولت من الرضاعة، وكذلك أخواتها صرن لها خالات من الرضاعة وهكذا سائر أقاربها وفي الحديث النبوي: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فكما يحرم النسب العمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت فكذلك يحرم هؤلاء من الرضاع.

المحرمات بالمصاهرة:

  • أم الزوجة، وهذه يحرمها الإسلام بمجرد العقد على ابنتها ولو لم يدخل بها، لأنها تصبح للرجل بمنزلة أمه.
  • الربيبة: وهي بنت الزوجة التي دخل بها، فإن لم يكن دخل بالأم فلا جناح عليه أن يتزوج البنت.
  • حليلة الابن: ومعنى الابن هو الابن من الصلب لا الابن المتبنى، فقد أبطل الإسلام شريعة نظام التبني قال تعالى: ((وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ)).

الجمع بين الأختين:

  • ومما حرمه الإسلام على المسلم (وكان مشروعا في الجاهلية) الجمع بين الأختين.

وقد صرح القرآن بتحريم الجمع بين الأختين وأضاف الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك قوله: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) كما في الصحيحين وغير هما، وقال: (إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم).

المتزوجات:

  • والمرأة المتزوجة ما دامت في عصمة زوجها لا يحل لها الزواج بآخر ولا تحل لزواج آخر لابد من شرطين:
    • أن تزول يد الزوج عنها بالموت أو طلاق.
    • أن يستوفي العدة التي أمر الله بها، وجعلها وفاء للزوجة السابقة وسياجاً لها، ومدة هذه المدة:

للحامل أن تضع حملها وإن قصر الزمن أو طال وللمتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال.

وللمطلقة ثلاث حيضات، وإنما جعلت ثلاثاً، للتأكد من ضمان براءة الرحم.

قال تعالى: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)).

وقال: ((وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)).

وقال: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)).

وهذه الأصناف الخمسة عشر من المحرمات من النساء ذكر القرآن الكريم منها أربعة عشر في آيات ثلاث من سورة النساء قال عز وجل: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ).

وأما تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها فقد جاءت به السنة النبوية الشريفة.

المشركات:

  • ومن المحرمات المشركة وهي التي تعبد الأوثان كمشركات العرب، أو الذين يعبدون غير الله كالبوذيون والسيخ والصابئة وغيرهم.

قال تعالى: ((وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ)).

زواج الكتابيات:

الكتابيات من اليهود والنصارى فقد أجاز القرآن الزواج منهن، فكما أباح مؤاكلتهم أباح مصاهرتهم بزواج المسلم من نسائهم.

قال تعالى: ((الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ)).

ولكن يجب مراعاة الأمور التالية:

  • إن الإسلام إنما أباح الزواج من الكتابية، أي التي لها في الأصل دين وكتاب سموي، فأما التي لا دين لها أصلاً كالشيوعية الملحدة فالزواج منها باطل بيقين.
  • إن الإسلام إنما أباح الزواج من الكتابية (المحصنة) أي الحرة العفيفة، أما التي تبيع جسدها لكل رجل فلا يباح الزواج منها.
  • إن الكتابية التي يعادي قومها الإسلام والمسلمين فلا يجوز الزواج منها لأن الزواج ارتباط بأهلها ومودة لهم فلا يجوز كما أنها بحكم ولائها لدينها وقومتيها، وعلى هذا لا يجوز زواج المسلم من إسرائيلية.
  • إن المسلمة المتدينة الحريصة على دينها أفضل للمسلم من مجرد مسلمة ورثت الإسلام عن أبويها، والرسول صلوات الله عليه يعلمنا ذلك فيقول: (اظفر بذات الدين تربت يداك”).
  • ثم إذا كان المسلم يخشى من مثل هذه الزوجة على عقيدة أولاده أو توجهاتهم، فالواجب أن يستبرئ لدينه ويتجنب هذا الخطر.
  • وإذا كان عدد المسلمين قليلاً في بلد (كالجالية من الجاليات مثلاً) فالراجح هذا يحرم على رجالهم زواجهم بغير المسلمات، لأن زواجهم بغيرهن في هذا الحال قضاء على بنات المسلمين.

زواج المسلمة من غير المسلم:

ويحرم على المسلمة أن تتزوج غير المسلم، كتابيا أو غير كتابي، ولا يحل لها ذلك وقد ذكرنا قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا).

والإسلام قد ضمن للزوجة الكتابية (في ظل الزوج المسلم) حرية عقيدتها، وصان لها بتشريعاته وإرشاداته حقوقها وحرمتها. ولكن ديناً آخر (كالنصرانية أو اليهودية) لم يضمن للزوجة المخالفة في الدين أي حرية، والمسلم يؤمن بأصل اليهودية والنصرانية دينين سماويين، فالمرأة الكتابية تعيش في كنف رجل يحترم أصل دينها وكتابها ونبيها.

الزانيات:

  • والمراد بالزانيات هنا: البغايا اللاتي يجاهرن بالزنا ويكسبن به.

أن مرثد بن أبي المرثد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بغيا كانت له بها علاقة بالجاهلية واسمها عناق فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنه حتى نزل قوله تعالى: ((الزاني لا ينكح إلا الزانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين))، فتلا النبي صلى الله عليه وسلم عليه الآية وقال له (لا تنكحها).

الدرس الثالث:

ومن الأحكام الفقهية التي قررها الإسلام لبناء البيت السعيد:

أحكام زينة المرأة

ما يجوز إبداؤه من زينة المرأة وما لا يجوز:

  1. ((وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنها)):

زينة المرأة: كل ما يزينها ويجملها، سواء أكانت زينة خِلقية كالوجه والشعر ومحاسن الجسم، أم مكتسبة كالثياب والحلى والأصباغ ونحوها، وفي هذه الآية الكريمة أمر الله من النساء بإخفاء زينتهن، ونهاهن عن إبدائها (إِلّا ما ظَهَرَ مِنها).

فعن ابن عباس أنه قال في تفسير (إِلّا ما ظَهَرَ مِنها): الكحل والخاتم، وروى مثله عن أنس.

وإباحة الكحل والخاتم يلزم منها إظهار موضعيهما كذلك وهما الوجه والكفان، وهذا ما جاء صراحة عن سعيد بن جبير وعطاء والأوزاعي وغيرهم، وعن عائشة وقتادة وغيرهما، إضافة للسوارين إلى ما ظهر من الزينة، وهذا يعني استثناء بعض الأذرع من الزينة المنهى عن إبدائها، واختلف في تحديده من قدر قبضة إلى نصف ذراع.

وهذا بخلاف الأصباغ والمساحيق التي تستعملها المرأة في عصرنا للخدين والشفتين والأظافر وغيرها، فإنها من الغلو المستنكر، والذي لا يجوز أن يستعمل إلا داخل البيت.

وإنما سمح في الوجه والكفين، لأن سترهما فيه حرج على المرأة، قال القرطبي: لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، صَلُحَ أن يكون راجعاً إليها، وفي قوله (قُل لِلمُؤمِنينَ يَغُضّوا مِن أَبصارِهِم) ما يشير إلى أن وجوه النساء لم تكن مغطاة، ولو كانت المرأة مستورة الجسم والوجه جميعاً، ما كان هناك مجال للأمر بالغض من الأبصار، إذ ليس ثمة ما يُبصر حتى يُغَض عنه.

  1. ((وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ)):

والواجب على المرأة المسلمة أن تغطي رأسها بخمارها وأن تستر به صدرها ونحوها وعنقها حتى لا ينكشف شيء من هذه المفاتن، وهذا التوجيه يتضمن نهي المساء المؤمنات عن كشف الزينة الخفية -كزينة الأذن والشعر والعنق والصدر والساق- أمام الرجال الأجانب الذين رُخِّصَ لها أمامهم في إبداء الوجه والكفين.

وقد استثني من هذا النهي اثنا عشر صنفاً من الناس:

  • بعولتهن: أي أزواجهن.
  • آبائهن: ويدخل فيهم الأجداد من قِبَل الأب والأم.
  • آباء أزواجهن: فقد أصبح لهم حكم الآباء بالنسبة إليهن.
  • أبناؤهن: ومثلهم أبناء ذريتهم الذكور والإناث.
  • أبناء أزواجهن: لضرورة الاختلاط الحاصل، ولأنها بمنزلة أمهم في البيت.
  • إخوانهنّ: سواء كانوا أشقاء من الأب أو الأم.
  • بنو إخوانهنّ: لما بين الرجل وعمته من حرمة أبدية.
  • بنو إخوتهن: لما بين الرجل وخالته مم حرمة أبدية.
  • نساؤهنّ: أي النساء المتصلات بهنّ نسباً أو ديناً أما المرأة غير المسلمة فلا يجوز لها أن ترى من زينة المسلمة إلا ما يراه الرجل – على الصحيح
  • ما ملكت أيمانهنّ: أي عبيدهن وجواريهن لأن الإسلام جعلهم كأعضاء في الأسرة.
  • التابعون غير أُولى الإربة من الرجال: وهم الأجراء والأتباع الذين لا شهوة لهم في النساء لسبب بدني أو عقلي.
  • الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء: وهم الصغار الذين لم يثر في أنفسهم الشعور الجنسي.

ولم تذكر الآية الأعمام والأخوال لأنهم بصفة الآباء عرفاً، وفي الحديث: (عم الرجل في صنو أبيه).

عورة النساء:

ومما تقدم نعلم أن كل ما لا يجوز للمرأة إبداؤه من جسدها فهو عورة يجب سترها، ويحرم كشفها.

فعورتها بالنسبة للرجال الأجانب عنها -وكذلك النساء غير المسلمات- جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين، إذ ابيح كشفهما كما قال الرازي للحاجة في المعاملة والأخذ والعطاء، فأُمِرنَ بستر ما لا تؤدي الضرورة إلى كشفه ورُخِّصَ لهنَّ في كشف ما اعتيد كشفه.

وعورتها بالنسبة للأصناف الاثني عشر المذكورين في آية النور تتحدد فيما عدا مواضع الزينة الباطنة من مثل الأذن والعنق والشعر والصدر والذراعين والساقين، فإن إبداء الزينة لهؤلاء الأصناف قد أباحته الآية.

وما عدا ذلك من مثل الظهر والبطن والسوأتين والفخذين، فلا يجوز إبداؤه لامرأة أو لرجل إلا للزوج.

ولهذا أمر الله نساء المؤمنين أن يستترن عند خروجهن بجلباب سابغ كاسٍ، يتميزن به عَمَّنْ سواهن من الكافرات والفاجرات، قال تعالى: ((يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤمِنينَ يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ ذلِكَ أَدنى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ)).

والجلابيب جمع جلباب، وهو الثوب واسع كالملاءة تستتر به المرأة، والواضح من الآية أن هذا الأمر هو الخوف على النساء من أذى الفُسَّاق ومعاينة المُجَّان، وليس خوفاً منهن ولا فقداناً للثقة بهن، وهذا مصداق للآية الكريمة: ((فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ)).

وقد شَدَّدَ الإسلام في أمر التستر والتصون للمرأة المسلمة، ولم يُرخص في ذلك إلا شيئاً يسيراً خفف به عن عجائز النساء، قال تعالى: ((وَالقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتي لا يَرجونَ نِكاحًا فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُناحٌ أَن يَضَعنَ ثِيابَهُنَّ غَيرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزينَةٍ وَأَن يَستَعفِفنَ خَيرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَميعٌ عَليمٌ)).

والمراد بالقواعد: النساء الاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن، فلا يطمعن في الزواج، ولا يرغبن في الرجال كما لا يرغب الرجال فيهنّ.

وقد قَيَّدَ القرآن هذه الرخصة بقوله: ((غَيرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزينَةٌ))، ومع هذه الرخصة، فالأفضل والأولى لأن يستعففن عن ذلك، طلباً للأكمل وبُعداً عن كل شبهة ((وَأَن يَستَعفِفنَ خَيرٌ لَهُنَّ)).

ومن أجل عناية الإسلام بحفظ العورات وسترها، حَذَّرَ الرسول عليه الصلاة والسلام من دخول المرأة الحمامات العامة، وتعرية جسدها أمام غيرها من النساء.

كما حَذَّرَ عليه السلام من دخول الرجال الحمام إلا بمئزر يستره عن أعين الآخرين، فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمَّام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمَّام).

وعن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن دخول الحمَّام ثم رَخَّصَ للرجال أن يدخلوها بالمآزر)، وعنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت السِترَ بينها وبين ربها).

وعن ام سلمة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيت زوجها خرق الله عنها ستره). 

التبرّج المحرم:

ومعنى التبرّج: التكشف والظهور للعيان، وقال الزمخشري: حقيقة التبرّج: تكلّف إظهار ما يجب إخفاؤه، إلا انه اختُصر بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها، وإظهار محاسنها.

وللتبرّج صور ومظاهر عرفها الناس قديماً وحديثاً، وقد ذكر المفسرون بعضها في تفسير قوله تعالى لنساء النبي: ((وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأولى)).

وقال قتادة: كان لهن مشية تكسّر وتغنّج.

وقال مقاتل: التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيداري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها.

ما يخرج المرأة عن حد التبرّج:

  • غض البصر، قال تعالى: ((وَقُل لِلمُؤمِناتِ يَغضُضنَ مِن أَبصارِهِنَّ)).
  • عدم الاختلاط بالرجال اختلاط تلاصق وتماسك، فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمسّ امرأة لا تحل له).
  • أن تكون ملابسها موافقة لأدب الشرع الإسلامي، وذلك بأن يكون:
  • أن يُغطى جميع الجسم، عدا ما استثناه القرآن في (إِلّا ما ظَهَرَ مِنها)، وأرجح الأقوال: أنه الوجه والكفان.
  • ألا يشفّ ويصف ما تحته، فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من أهل النار (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)، ومعنى كاسيات عاريات، أن ثيابهن لا تؤدي وظيفة الستر فتصف ما تحتها لرقتها وشفافيتها.

دخلت نسوة من بني تميم على عائشة رضي الله عنها وعليهن ثياب رقاق، فقالت عائشة: (إن كنتن مؤمنات فليس هذا بثياب المؤمنات).

  • ألا يكون بما يُختص به لبس الرجال كالبنطلون في عصرنا، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لعن المتشبهات من النساء بالرجال، كما لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ونهى المرأة أن تلبس لبسة الرجل، والرجل أن يلبس لبسة المرأة.
  • ألا يكون لباساً اختص بلبسه الكافرات من اليهوديات والنصرانيات والوثنيات، قال عليه الصلاة والسلام: (من تشبه بقومٍ فهو منهم).
  • ألا يُحَدِّد أجزاء الجسم، ويبرز مفاتنه، وإن لم يكن رقيقاً.
  • أن تلتزم الوقار والاستقامة في مشيتها وفي حديثها، وتتجنب التكسّر والميوعة فهو ليس من خُلُق المسلمات، قال تعالى: ((فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ)).
  • ألا تتعمد جذب انتباه الرجال إلى ما خفي من زينتها بالعطور أو الرنين أو نحو ذلك، قال تعالى: ((وَلا يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِنَّ لِيُعلَمَ ما يُخفينَ مِن زينَتِهِنَّ))، وفي حديث: (المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا، ويعني: زانية).

وفِي الختام، لا بدّ أن نؤكد على الآتي:

أولاً: من فضل الله علينا أننا نتعلّم أحكام الدين والفقه لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يردِ اللهُ به خيراً يفقّه في الدين).

ثانياً: مسؤوليتنا كآباء وأزواج أن نتعلّم ونتفقه ثم نعلّم أسرتنا ونحببهم بهذا الشرع الحنيف والدين العظيم الذي فيه سعادة البشرية جمعاء، كما قال ربنا: ((فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)).

ثالثاً: نتعلّم من ديننا مبدأ هام جداً، وهو التدريج في فرض الأحكام، لكن هذا لا يعني أن نحلل ما حرّم الله، فنعرف في قرارة أنفسنا أن الاصح فعل كذا ولكن للوصول الى تلك المرحلة نتدرّج بكذا ثم كذا، مثل: الاقلاع عن المخدرات، لا يكون بين يوم وليلة، إنما يتم عبر تدرّج مدروس وصولاً الى الاقلاع الكامل المنشود، لكن لا نقول عن تناول المخدرات انه مباح وصولاً لمرحلة الاقلاع المطلوب.

رابعاً: أول خطوات نقل المعرفة لمن هم حولنا:

  • التحبيب
  • ثم الترغيب
  • ثم الترهيب

ويجب ان نتبع هذا الاسلوب مع أسرنا.

خامساً: هناك أحكام فقهية درسناها، وجدناها سهلة معروفة ونستطيع الالتزام بها، فنحمد الله أن أعاننا عليها، وهناك أحكام تحتاج منا مزيد مجاهدة لأنفسنا وأهوائنا وتدريب على قبولها ومحبتها وهذا كله يحتاج دعاء كثير، مصداقاً لقوله تعالى: ((وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)).

جعلنا الله وإياكم من الراشدين المهديين، والحمد لله رب العالمين.

الدرس الرابع:

عقد الزواج

عقد الزواج من أقدس العقود التي شرعها الله سبحانه وتعالى، لذلك فقد عني الإسلام به عنايةً خاصّة، وأولاه أهميّة مقطوعة النظير، حيث وصف الله عقد الزواج في كتابه بالميثاق الغليظ؛ وذلك بقوله في سورة النساء: ((وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)).

وقد شرع الإسلام منظومةً متكاملة من القوانين والأحكام لضمان ذلك، وبناءً على هذا فقط وُجِدت لعقد الزواج مجموعةٌ من الشروط والأركان التي لا يصحّ إجراء عقد الزواج بدونها.

معنى الزواج لغةً واصطلاحاً:

الزواج لغةً: مصدر زَوَّجَ، وزوَّج الشيء وزوّجه إليه أي ربطه به، وهو بمعنى الاقتران والارتباط، ويُطلق على كلّ واحد من الزوجين اسم زوج إذا ارتبطا بعقد نكاح.

عقد الزواج اصطلاحاً: هو عقدٌ يتَضَمَّن إِبَاحَة وَطْءٍ بِلَفْظ إنكاح أَو تَزْوِيج أَو بترجمته.

أركان عقد الزواج:

لعقد الزواج مجموعةٌ من الأركان التي لا يُنعقد إلا بها، ومن تلك الأركان:

  • صِيغَة العقد: وهو الرُّكنُ الوحيد المُجمَع عليه بين فقهاء المذاهب بما فيهم: أبو حنيفة، وتَتَكوَّنُ الصّيغة من الإيجاب والقَبول، فالإيجاب: هو ما يَصدر من العاقد الأول سواء كان الزوج أو الزوجة أو وليّيهما أو وكيليهما، والقَبول: هو ما يصدر من العاقد الثّاني كذلك وهما فيهما سواء، ويتحقّق الإيجاب والقبول باللّفظ، أي الكلام الذي به يَدلّ ويُعبّر فيه العاقد عن رغبته من إجراء العقد.
  • المَهر أو الصَّداق: وهو رُكنٌ من أركان عقد النّكاح عند الجمهور وشرطٌ له عند الحنفيّة، والدّليل عليه القرآن والسُّنة النبوية والإجماع، ودليله من القرآن قوله تعالى: ((وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ))، وأما السُنّة: فقول الرّسول عليه الصّلاة والسّلام: (الْتمسْ ولَو خاتماً مِن حديدٍ)، وذلك يَدُلُّ على اشتراطه، كما قال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام: (لا يحلُّ نكاحٌ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ)، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فلا يَجوز التَّراضي على إسقاط المهر من العقد.

  • العاقِدان: وهما الزَّوج والزّوجة، وكلٌ منهما ركنٌ مُستقلّ بذاته، فلا ينعقد الزّواج بأحدهما فقط إلا إن وُجِد الآخر، ويُشتَرَطُ في الزّوجة أن تكون خاليةً من مَوانِع الزواج الشرعيّة، ومنها مثلاً أن تَكون مُتَزَوِّجَة بغيره، أو مُعْتَدَّة من طلاق لغيره، أو مُطلَّقة منه ثلاث طلقات ما لم تُحَلَّل، أو مُرتَدة، أو مَجوسية، أو وثَنِيَّة، أو أَمَة (عَبْدَةً) والنَّاكِحُ حُر، أو تَكونَ مَحْرَماً له، أو زوجةً خامِسَة، أو يَكونُ مُتَزوِّجاً بأخِتها وغيرها ممّن لا يجمع بينه وبينها، أو تكون مُحْرِمَةً بحجّ أو عمرة.
  • الشُّهود: فلا يَنْعَقِدُ النِّكاح إلا بِحُضُور شاهدين من الرجال أو بحضور رجلٍ وامرأتين، ويشترط فيهما أن يكونا مُسلمين بالِغَين عاقِلين حُرَّيْن عَدلَين سَميعَيْن بَصيرَين عارِفَين لِسان المُتَعاقِدَيْن.

الوَلِيّ: فَلَا يَصح النِّكاح إِلَّا بولِي، لقَوْله تَعَالَى: ((فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ))، وقيل إن هذه الآية سبب نزولها: (أن أختَ مَعقِلِ بنِ يَسارٍ طلَّقَها زوجُها، فتَركها حتى انقَضَتْ عِدَّتُها فخطَبها، فأبَى مَعقِلٌ، فنزَلَتْ: ((فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ))، وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم قَالَ: (أَيّمَا امْرَأَة نَكَحَت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثاً). فَلَا تَصِحُّ عبارَة الْمَرْأَة فِي عقد الزواج سواءً كان ذلك إِيجَاباً أم قبولاً، فَلا يجوز للمرأة البكر أن تزوّج نَفسهَا بنفسها حتى إن أذن لها الولي بذلك، وَلَا يجوز أن يزوّجها أحد غير وليها لَا بِولَايَة وَلَا بوكالة، بينما يَرى أبو حنيفة أنّ عقد الزواج إن خلا من الولي فهو عقدٌ صحيح بشرط أن تُجريه المرأة البالغة العاقلة على الرجل المكافئ لها، فإن لم تكن المرأة بالغةً، أو كان الزوج غير كفؤ لها فالعقد باطلٌ عند الحنفية كذلك، وإن جَرى عقد الزواج بحضور الوليّ والإعلان والصيغة والمهر، ثمّ خلا من الشهود فعند جمهور الفقهاء إنّ العقد باطلٌ لاشتراط الشهود وحضورهم أثناء العقد، وخالف المالكيّة فأجازوا إتمام عقد الزواج من غير حُضور الشهود واكتفوا بإعلان الزّواج وإشهاره.

شُروط عقد الزواج:

تَنقسم الشُّروط في عقد الزواج إلى أربعة أقسامٍ وهي:

  • شُروطُ الانعقاد.
  • شُروطُ الجَواز.
  • شُروط النَّفاذ.
  • شروط الصحّة.

شرائط الانعقاد: هي التي يلزم توافرها في أركان العقد مجتمعةً أو منفردة، أو في أسس العقد وركائزه، وإذا تخلّف شرط واحد منها كان العقد باطلاً باتفاق المذاهب الأربعة.

وشرائط الانعقاد نوعان: نَوعٌ يرجِعُ إلى العاقِد نفسه الزوج والزوجة وهو العَقْلُ: فلا يَنْعَقِدُ نِكاح المَجْنون والصَّبي الذي لا يَعْقِل؛ لأنّ العقل من شرائط الأهليّة، فإذا كان أحد العاقدين فاقد الأهليّة للعقد بأن كان مجنوناً أو صغيراً غير مميّز فلا ينعقد الزواج بعبارته كما لا ينعقد منه أي عقدٍ أو تصرفٍ آخر؛ لأنّ فاقد التمييز ليس له إرادة ولا يُتصوَّر منه رضا يعتمد عليه في العقد.

ونَوعٌ يرجِع إلى مَكان العقد وهو اتّحاد مجلس العقد: والمقصود باتحاد مجلس العقد أنّ الايجاب إذا صدر من أحد العاقدين فلا يجب أن يوجد من أحدهما ما يدلّ على الإعراض عن إتمام العقد صراحةً أو ضمناً، وألا ينشغل أحدهما بأمرٍ خارجٍ عن موضوع عقد الزواج أثناء إجرائه حتى يصدر القبول؛ لأنه إن وُجِد ذلك يُعدّ فاصلاً للإيجاب فلا يوافق القبول.

فموافقة القبول للإيجاب ولو بشكلٍ ضمني حتى يتحقق اتفاق الإرادتين الصادرتين من العاقدين على شيء واحد محدّد، فإذا خالف القبول الإيجاب لم ينعقد الزواج، إلا إذا كانت المخالفة تؤدّي إلى جلب خير للموجب فإنّها تكون موافقة ضمنيّة.

سماع كل من العاقدين كلام الآخر مع علم القابل أنّ قصد الموجب بعبارته إنشاء الزواج وإتمام العقد، وعلم الموجب كذلك أنّ قصد القابل الرضا به والموافقة عليه.

شرائط الصحة: وهي التي يجب أن تتوفّر في العقد حتى يترتب عليه الأثر الشرعي بعد تمامه، فإذا تخلّف شرطٌ واحدٌ منها، كان العقد عند فقهاء الحنفيّة فاسداً، وعند جمهور فقهاء المالكيّة والشافعيّة والحنابلة باطلاً.

وشرائط الصحة اثنان، هما: أن تكون الزوجة غير محرّمة على من يريد الزواج منها بأي سبب من أسباب التحريم المؤبّد أو المؤقّت؛ ومنها مثلاً كما مرَّ سالفاً في ذكر ركن العاقدين أن تَكون مُتَزَوِّجَة، أو مُعْتَدَّة لغيره لم تنتهِ عدّتها الشرعيّة، أو مُطلَّقة منه ثلاث طلقات ما لم تُحَلَّل، أو أن تكون مُرتَدّة، أو غير كتابيّة، أو وثَنِيَّة، أو أَمَة (عَبْدَةً) والنَّاكِحُ حُر، أو تَكونَ مَحْرَماً له، أو زوجةً خامِسَة، أو يَكونُ مُتَزوِّجاً بأخِتها وغيرها ممّن لا يجمع بينه وبينها، فمن عقد على واحدة من هؤلاء ممّن لا يحل له العقد عليهن فزواجه غير صحيح.

أن يحضر عقد الزواج شاهدان: وهذا الشرط اشترطه الحنفيّة في حين اعتبره غيرهم ركناً، ويُشترط في الشهود أن يكونا رجلين أو رجلاً وامرأتين؛ لأنه عقد له شأنه ولما يترتب عليه من آثار وحقوق، ولتعلّقه بالأوضاع التي كان الأصل فيها التحريم، ولأنّه يترتب على عدم إعلانه بحضور الشهود أن يشك الناس ويسيئوا الظن إذا رأوا رجلاً يتردد على امرأة بشكلٍ مستمر من غير أن يكونا قد أعلنا زواجهما وشهد على ذلك الناس، وقد ذُكرت شروط الشهود في باب الأركان.

شروط النفاذ، ومنها: أن يكون العاقِد بالِغاً؛ أما نِكاح الصَّبي العاقِل وإن كان مُنعَقداً إلا أنه غَير نَافِذ، بل نَفاذُهُ يَتَوَقف على إجازَة وَليِّه، ولا يتوقّف على بُلوغِ الصغير، حتى إذا بَلَغ قَبل أن يُجيزَهُ الوَليُّ فإنه لا يَنفَذ بمجرد البلوغ إلا إذا أجازه الصغير بعد بلوغه هو أو وليّه.

شروط اللزوم: وهي التي ينبني عليها استمراريّة العقد من عدمها. فإذا تخلّف شرط واحدٌ من هذه الشروط كان العقد جائزاً قابلاً للنفاذ والفسخ، أو غير لازم: وهو الذي يجوز لأحد العاقدين أو لغيرهما فسخه أو طلب فسخه بسبب ذلك الشرط، وشروط لزوم الزواج يجمعها شرط واحد، وهو ألّا يكون للزوجين أو غيرهما طلب فسخ أو فسخ العقد بعد انعقاده ووقوعه تاماً صحيحاً، أما إن كان لأحد حق فسخه كان العقد صحيحاً نافذاً غير لازم، فلو تزوّجت المرأة ووجدت بزوجها عيباً لا يمكنها أن تعاشره بوجود ذلك العيب إلا بضرر فإنّ زواجها غير لازم؛ لأنّ لها الحق في طلب فسخه، سواء أكان العيب قبل الزواج ولم تعلم به أم حدث بعده ولم ترضَ به.

وفي حال فَقْد واحد من هذه الأركان والشروط، يظهر لنا أنواع أُخرى من عقود الزواج، منها:

الزواج العرفي:

الزواج العرفي هو اسمٌ يُطلق على نوعٍ من أنواع الزواج، وهو يختلف عن بقيّة أنواع الزواج الشّرعي المُعتبر بأنّه لا يُسجَّل في المَحكمة أو لدى الجهة المتخصّصة بذلك، أو يكون غير مكتمل الشروط أو الأركان التي ينبغي توافرها لإتمام عقد الزواج الشرعي بشكلٍ صحيح؛ حيث إنّ النّكاحُ كان مُتعارَفاً عليه حتى قبل الإسلام، إلا أنَّ تفاصيله وجُزئياته كانت تختلف في كل عصرٍ من العصور عن العصر الذي يليه، فالزواج العرفي هو عقد الزواج الذي جرى على العُرف والعادة دون إتمام مُتطلّبات عقد الزّواج الصحيح.

يَختلفُ حُكمُ الزّواج العرفي بحسب ما جرى عليه من خللٍ أو نقص، فإن فُقدت أحد أركان العقد الرئيسيّة كان العقد ناقصاً واحتيج إلى إتمام ذلك النقص إن كان النقص لا يؤثّر في صحة إتمام العقد، وإن كان النقص في أركان العقد فذلك يؤدّي إلى بطلان العقد وحرمته على الإطلاق، مما يعني ضرورة الفسخ والتفريق بين الزوجين العاقدين.

وقد كانت الأنكحة في الجاهلية تجري بعدّة طرق، منها ما هو مشروعٌ صحيح، ومنها ما هو مُحرّمٌ باطل لفقدانِ ركنٍ من أركان الزواج الشرعية أو أكثر، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الفرق بين أنواع الزواج السائدة قبل الإسلام وما يوافق الشريعة الإسلامية منها مما يُخالفها.

المقصود بالزواج العرفي:

يَختلف معنى الزواج العرفي باختلاف صورته، والمُراد منه؛ حيث إنّه يَنقسم في الحقيقة والتطبيق إلى قسمين أحدهما:

  • أن يكتب رجلٌ بينه وبين امرأةٍ ورقةً يُثبت فيها أنها زوجته، ويُشهد عليها رجلين عدلين، ويُسلِّم المعقود عليها نسخةً منها، ويكون ذلك مقابل مهرٍ معلومٍ يتم تثبيته في ورقة العقد التي يكتبها الزوج، إلا أنّ هذا النوع من الزواج يخلو من مُوافقة الولي ومن الإعلان للملأ.
  • أمّا النوع الثاني: فهو عقد زواجٍ شرعي كامل الشروط والأركان، إلا أنّه خلا من التوثيق رسميّاً لدى الجهات المختصة، وكلا النوعين يُسمّى عقد زواجٍ عرفي؛ إلا أن بينهما اختلافٌ شاسعٌ في الحكم.

حكم الزواج العرفي:

إنّ حُكمَ الزّواج العُرفي بناءً على قسميه اللذين تمّت الإشارة إليهما هو كالآتي:

عقد الزواج العرفي مكتمل الشروط والأركان إنّ هذا النوع من الزواج إنّما هو عقدُ زواجٍ شرعيٍ صحيح باتّفاق الفقهاء، يجوز أن يجري فيه التناسل، وتَنطبق عليه جميع جُزئيّات عقد الزواج وتفاصيله، فيجري فيه التّوارث وحرمة المُصاهرة ويثبت فيه النسب والمهر، فهو عقدُ زواجٍ شرعيٍ يوافق الشّريعة الإسلامية ولا يُخالفها، وذلك لكونه محتوٍ على جَميع الأركان والشروط المطلوب توافرها في عقد الزّواج الصحيح، أمّا عدم تسجيله رسميّاً لدى الجهات المختصّة والمحاكم الشرعية فذلك لا يؤثّر في صحة العقد، ولا يؤدّي إلى بطلانه أو تَرتُّب الإثم على العاقدين إن لم يوثقا العقد، ولكن يعدّ التوثيق خاصّةً في هذه الأيام من ضروريّات العقد وذلك من باب حفظ الحقوق، خصوصاً حفظ المهر للمرأة، ولإتمام المُعاملات الرسميّة المتعلّقة بتسجيل المَواليد ومُراجعة المستشفيات، وغير ذلك، ويعتبر ذلك أمراً إجرائياً، فإن قصّر فيه الزوج يأثم لتقصيره بحقّ زوجته وأبنائه لا لإجراء العقد دون توثيق، كما أنّ الذِّمم في هذا العصر قد فسدت ممّا قد يَترتّب عليه ضَياع الحُقوق أو نسيان تفاصيل العقد من قبل الشُّهود، مما يجعل التوثيق ضروريّاً في الزواج، ولا يؤثّر في صحّة العقدِ كما أُشير.

عقد الزواج العرفي ناقص الأركان أو الشروط إذا خلا عقدُ النّكاح من أحد شروط الزّواج أو أركانه المُعتبرة شرعاً فإنّ ذلك يؤدّي إلى بطلان عقد الزواج باتَفاق جميعِ الفقهاء، وعدم اعتباره شرعاً، ممّا يَعني أنّ العلاقة التي تجري بين المُتعاقدين في هذا النوع من الزواج إنّما تكون زناً محرماً، ولا يجب أصلاً تسميتها زواجاً لخلوّها ممّا يجب توفّره لصحة العقد.

من شروط صحة العقد:

  • عدم حضور ولي الزوجة؛ حيث يكتفي العاقدان بحُضورهما وحضور شاهدين، ثم يصدر الإيجاب والقبول عنهما فقط.
  • عدم إشهار الزواج وإعلانه للناس: فيكون العَقد سريّاً لا يَعلم عنه إلا من حَضر عقدُ الزواج.
  • الشهود: في بعضِ الحالات يكتفي العاقدان بصيغة عقد الزواج التي هي الإيجاب والقبول.

إن خلا عقد الزواج من جميع أركانه وشروطه باستثناء الصيغة فإنّ ذلك يؤدّي إلى إبطال العقد، ودليل ذلك ما روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (لا نكاح إلا بوليّ وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسّلطان وليّ من لا وليّ له) وذلك حكم الزواج العرفي إذا خلا من الولي وشاهدي العقد والإعلان.

وإذا جرى عقد الزواج العرفي دون ولي فقط، ثم استُكملت باقي الشروط والأركان فقد اختلف الفُقهاء في حكم هذا الزواج، فذهب جمهور العلماء إلى بطلان العقد وحرمته، وعدم شرعيّته لخلوّه من أحد أركان عقد الزواج الذي هو الولي، ولحديث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم قَالَ: (أَيّمَا امْرَأَة نَكَحَت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثاً).

وهناك زواج المتعة:

وهو ارتباط الرجل بامرأة لمدة يحددانها لقاء أجر معين وقد أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يستقر التشريع في الإسلام، ثم نهى عنه وحرمه على التأبيد.

وكما تدرج القرآن في تحريم الخمر وتحريم الربا وتدرج النبي صلى الله عليه وسلم بهم كذلك في تحريم الفروج.

ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن سبرة الجهني: (أنه غزا مع الرسول صلي الله عليه وسلم في فتح مكة، فأذن لهم في متعة النساء، قال: فلم يخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي لفظ من حديثه: (وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة).

الذي رآه عامة الصحابة أنه تحريم بات حاسماً لا رخصة فيه بعد استقرار التشريع وخالفهم ابن عباس فرأى أن تباح الصرورة ثم أمسك عن فتياه ورجع عنها.

وهناك زواج المسيار:

وهو عقد زواج صحيح شرعاً تتنازل فيه المرأة عن حقها الشرعي في المسكن والمبيت، وقد يكون ذلك لضرورة مثل أن يكون الرجل في السجن أو غيره، غير أنه يضرّ بالمرأة من الناحية النفسية إذ لا يحقق السكن المطلوب.

الزواج بأكثر من واحدة:

الإسلام دين يلائم الفطرة ويعالج الواقعة وقد مكان كثير من الأمم والملل قبل الإسلام يبيحون التزوج بالجم الغفير من النساء قد يبلغ العشرات فلما جاء الإسلام وضع لتعدد الزوجات قيداً وشرطاً.

فأما القيد فجعل الحد الأقصى للزوجات أربعاً وقد أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن)، وكذلك من أسلم عن ثمانية أو خمسة نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمسك منهن إلا أربعاً.

أما الزواج الرسول صلى الله عليه وسلم بتسع فكان هذا شيئاً خصه الله به لحاجة الدعوة في حياته وحاجة الأمة إليهن بعد وفاته.

العدل شرط إباحة التعدد:

وأما الشرط الذي اشترطه الإسلام لتعدد الزوجات فهو ثقة المسلم في نفسه أن يعدل بين زوجته وزوجاته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والنفقة قال تعالى: ((فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)).

وقال عليه الصلاة والسلام: (من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو ماثلاً).

قال سبحانه وتعالى: ((ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل)).

الحكمة في إباحة التعدد:

إن الإسلام لا يشرح للحضري ويغفل البدوي، ولا للأقاليم الباردة، وينسى الحارة ولا لعصر خاص مهملاً بقية العصور والأجيال.

فمن الناس من يكون قوى الرغبة في النسل ولكنه رزق بزوجة لا تنجب، لعقم أو مرض أو غيره، أفلا يكون أكرم لها ان يتزوج عليها من تحقق رغبته.

ومن الرجال من يكون قوي الغريزة ثائر الشهوة ولكنه رزق بزوجة قليلة الرغبة في الرجال أو ذات مرض أو تطول عندها فترة الحيض.

وقد يكون عدد النساء أكثر من عدد الرجال وخاصة في أعقاب الحروب التي تلتهم صفوة الرجال والشباب وهنا تكون مصلحة المجتمع ومصلحة النساء أنفسهن أن يكن ضرائر لا أن يعشن العمر كله عوانس محرومات من الحياة الزوجية.

إنها إحدى طرائق ثلاث أمام هؤلاء الزائدات عن عدد الرجال القادرين على الزواج:

  • فإما أن يقضين العمر كله في مرارة الحرمان.
  • وإما أن يُرخَى لهن العنان؛ ليعشن أدوات لهو لعبث الرجال الحرام!
  • وإما أن يُباح لهن الزواج برجل متزوج، قادر على النفقة والإحصان.

ولا ريب أن هذه الطريقة الأخيرة هي الحل العادل، والبلسم الشافي، وذلك هو ما حكم به الإسلام: ((وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)).
هذا هو تعدد الزوجات الذي أنكره الغرب المسيحي على المسلمين، وشنَّع عليهم، على حين أباح لرجاله تعدد العشيقات الخليلات، بلا قيد ولا حساب، ولا اعتراف بأي التزام قانوني أو أدبي، نحو المرأة أو الذرية التي تأتي ثمرة لهذا التعدد اللاديني واللاأخلاقي، فأي الفريقين أقوم قيلا، وأهدى سبيلا؟!

الدرس الخامس:

فقه أحكام نية العلاقة بين الزوجين

اهتم القرآن بإبراز الغايات الرُّوحية من الزواج، وجعلها الدعائم التي يقوم عليها بناء الحياة الزوجية، وهي تتمثل في سكون النفس من اضطرابها الجنسي الفطري بالحب بين الزوجين، وتوسيع دائرة المودة والألفة بين العشيرتين بالمصاهرة، واكتمال عاطفة الحنان والرحمة الإنسانية، وانتشارها بين الوالدين إلى الأولاد. وإلى هذه المعاني يرشد قوله تعالى: ((وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)).

في العلاقة الحسية بين الزوجين:

ولكن القرآن مع هذا لم يغفل الجانب الحسي والعلاقة الجسدية بين الزوج وزوجته، وهدى فيها إلى أقوم السُّبل التي تؤدي حق الفطرة والغريزة، وتتجنب مع ذلك الأذى والانحراف.

فقد ثبت أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة، لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على الفراش، ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس.

لهذا توجه بعض المسلمين بالسؤال إلى النبي صلى الله عليه وسلم عما يحل لهم وما يحرم عليهم في مخالطة الحائض، فنزلت الآية الكريمة: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)).

وقد فهم ناس من الأعراب أن معنى اعتزالهن في المحيض ألا يساكنوهن، فبين النبي صلى الله عليه وسلم لهم المراد من الآية، فعن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوهن ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)) إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا، إلا خالفنا فيه).

فلا بأس على المسلم إذن أن يستمتع بامرأته بعيدا عن موضع الأذى. وبهذا وقف الإسلام كشأنه دائما موقفا وسطًا بين المتطرفين في مباعدة الحائض، إلى حد الإخراج من البيت، والمتطرفين في المخالطة إلى حد الاتصال الحسي.

وقد كشف الطب الحديث ما في إفرازات الحيض من مواد سامة، تضر بالجسم إذا بقيت فيه، كما كشف سرَّ الأمر باعتزال جماع النساء في الحيض. فإن الأعضاء التناسلية تكون في حالة احتقان، والأعصاب تكون في حالة اضطراب، بسبب إفرازات الغدد الداخلية، فالاختلاط الجنسي يضرها، وربما منع نزول الحيض، كما يسبب كثيرًا من الاضطراب العصبي. وقد يكون سببا في التهاب الأعضاء التناسلية.

اتقاء الدبر:

ونزل في شأن العلاقة الحسية قوله تعالى: ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)).

ولنزول هذه الآية سبب وحكمة، ذكرها علامة الهند ولي الله الدهلوي. قال: كان اليهود يضيِّقون في هيئة المباشرة من غير حكم سماوي. وكان الأنصار ومن وليهم يأخذون سنتهم، وكانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد أحول. فنزلت هذه الآية ((فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)) أي: أقبل وأدبر ما كان في صمام واحد وهو القبل: موضع الحرث وذلك لأنه لا شيء في ذلك تتعلق به المصلحة المدنية والمِلِّية.

والإنسان أعرف بمصلحة خاصَّة نفسه، وإنما كان ذلك من تعمقات اليهود، فكان من حقه أن يُنسخ.

فليس من شأن الدين أن يحدد للرجل هيئات المباشرة وكيفيتها، إنما الذي يهم الدين أن يتقي الزوج الله، ويعلم أنه ملاقيه، فيتجنب الدبر؛ لأنه موضع أذى وقذر، وفيه شبه باللواط الخبيث، فكان من حق الدين أن ينهى عنه. ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تأتوا النساء في أدبارهن)، وقال في الذي يأتي امرأته في دبرها: (هو اللوطية الصغرى).

وسألته امرأة من الأنصار عن وطء المرأة في قبلها من ناحية دبرها، فتلا عليها قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) صماما واحدا. وسأله عمر فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: (وما أهلكك) قال: حولت رحلي البارحة – كناية عن الوطء من الدبر في القبل – فلم يرد عليه شيئا، حتى نزلت الآية السابقة، فقال له: (أقبل وأدبر، واتقِ الحيضة والدبر).

حفظ أسرار الزوجية:

أثنى القرآن على الزوجات الصالحات بأنهن: ((قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))، ومن جملة الغيب الذي ينبغي أن يحفظ، ما كان بين الزوجة وزوجها من علاقة خاصة، فلا يصح أن تكون حديثا في المجالس، أو سمرًا في الندوات مع الأصدقاء أو الصديقات، وفي الحديث الشريف: (إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه، ثم ينشر سرها).
وعن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم أقبل علينا بوجهه فقال: (مجالسكم، هل منكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه، وأرخى ستره، ثم يخرج فيحدث، فيقول: فعلت بأهلي كذا، وفعلت بأهلي كذا)؟ فسكتوا، فأقبل على النساء فقال: (هل منكن من تُحَدّث)؟ فجثت فتاة كَعَاب على إحدى ركبتيها، وتطاولت ليراها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع كلامها، فقالت: إي والله، إنهم يتحدثون، وإنهن ليتحدثن، فقال صلى الله عليه وسلم: (هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟ إن مثل من فعل ذلك، مثل شيطان وشيطانة، لقي أحدهما صاحبه بالسكة، فقضى حاجته منها، والناس ينظرون إليه).

وكفى بهذا التشبيه تنفيرًا للمسلم من ارتكاب هذه الحماقة، وذلك الإسفاف. فليس يرضى مسلم لنفسه أن يكون شيطانا أو كالشيطان!!

ومن فقه أحكام العلاقة بين الزوجين:

ما اعتبره الإسلام (حقوق المعاشرة) وهو أمر سبق إليه الإسلام وأعلا شأنه فوضع للزوج حقوقاً ورّتب عليه واجبات، وكذلك للزوجة حقوق وعليها واجبات.

وتبدأ هذه الحقوق بنظرة الإسلام الراقية الجميلة للمعاشرة في الزواج، حيث شبهها الله تبارك وتعالى باللباس، فقال: ((هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ))، وهو تعبير يُوحي بمعاني الاندماج والستر، والحماية والزينة، والغطاء والدفء، يحققها كل منهما لصاحبه.

ولهذا كان على كلٍّ من الزوجين حقوق لصاحبه، لا بد أن يرعاها، ولا يجوز له أن يفرط فيها. وهي حقوق متكافئة، إلا فيما خصت الفطرة به الرجال كما قال تعالى: ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)). وهي درجة القوامة والمسؤولية.

فمن هذه الحقوق: فقد سأل رجل النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تُقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت).

فلا يحل للزوج المسلم أن يهمل النفقة على زوجته وكسوتها، وفي الحديث النبوي: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت).

ومنها أيضا أنه لا يحل له أن يضرب وجه زوجته، لما فيه من إهانة لكرامة الإنسان، ومن خطر على هذا العضو الذي يجمع محاسن الجسم، إذا جاز للمسلم عند الضرورة أن يؤدب زوجته الناشزة المتمردة، فلا يجوز له أن يضربها ضربًا مُبرِّحا، أو ضربًا يصيب وجهها أو مقاتلها.

كما لا يحل للمسلم أن يُقبِّح زوجته، بأن يؤذيها بلسانه، ويُسمعها ما تكره ويقول لها: قبحك الله، وما يشابهها من عبارات، وسيأتي الحديث عن ذلك مفصلاً.

ومن أحكام العلاقة بين الزوجين وحقوقهما:

أن لا تمتنع المرأة عن فراش زوجها بغير عذر شرعي أو ضرر معتبر، فيرى الفقهاء أن من حق الزوج أي يُطالب زوجته بالوطء متى شاء، إلّا عند اعتراض أسباب شرعية مانعة منه، كالحيض، والنفاس، أو الإحرام مثلاً.

لذلك عدّ الفقهاء امتناع المرأة عن فراش زوجها بلا عذر شرعي إذا دعاها نوعاً من النشوز وكبيرة من الكبائر لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبتْ فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح)، وفي رواية (حتى ترجع).

وفي حديث غيره (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنه).

بالمقابل فإن من آداب الجِمَاع وأحكامه:

  • التطيب قبل الجماع، لحديث عائشة كما في الصحيحين (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه).
  • ملاعبة الزوجة قبل الجماع، لتنهض شهوتها، فتنال من اللذة من ينال.
  • الدعاء عن الجماع، لحديث (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً).
  • أن لا يقوم عنها إلّا إذا قضت إربها كما قضى إربه منها.

فما أجمله من دين لم يُهمل من التفاصيل شيء بما يكفل سعادة البشرية وصلاحها.

الدرس السادس:

نية الإنجاب

بعد أن تحدّثنا عن نيّة الزواج وتأسيس أسرة وما يتعلّق بها من أحكام فقهية نتكلم عن نية الإنجاب وتكوين عائلة والترغيب بالأولاد والبنات.

حيث بالزواج والخلفة تصبح والد (الوالد أوسط أبوب الجنة) وتصبح هي أماً، لحديث (الزمها فإن الجنة تحت قدميها) وتصبح من أبواب الجنة (من أصبح وله والدان راضين عنه أصبح وله بابان مفتوحان في الجنة).

وتصبح من خير الناس (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) والنبي هنا يعلّمنا لنعلّم نحن أبنائنا حب أمهم وبرّها (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أختك وأخوك) ليس تفضيل أجر إنما تعظيم وصاية لأن كسران خاطرها أسرع.

الذرية هي نعمة من النعم ((المال والبنون زينة الحياة الدنيا)) وقرّة عين ((الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرة أعين)).

الرحمة بهم سبب لرحمة الله (من لا يرحم لا يرُحم).

السعي عليهم أجر عظيم (من أمسىّ كاّلاً عياله أمسى مغفوراً له).

الإنفاق عليهم صدقة (واللقمة تضعها في فيّ زوجتك لك فيها أجر)، (وأعظم بركة دينار تنفقه على عيالك).

لتكون قدوة لهم (من سنّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).

ليبقى لك بعد الموت (إذا مات ابن آدم أنقطع عمله إلّا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وهناك ولد غير صالح ((إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح)).

والتفريق بين الأولاد والبنات جاهلية، فربنا يقول: ((اعدلوا هو أقرب للتقوى))، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم).

في الجاهلية ((وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى وجهه مسوداً وهو كظيم))، ويقول الله: ((لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ((

ورغب النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً بتربية البنات كقوله: (من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين) وضم أصابعه ﷺ.

وقوله: (من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن كن له حجابًا من النار)، وأيضا: (مَن كان له ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخَوات، أو ابنتان أو أُختان، فأحسَن صُحبتَهنَّ واتَّقى اللهَ فيهنَّ َفلهُ الجنَّةَ).

ويروى أن أميراً عربياً يكنّى أبا حمزة، تزوج امرأةً فولدت له بنتاً فهجرها وبات عند غيرها فسمعها تقول:

ما لأبي حمزة لا يأتينا                 ويظل في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا         تا الله ما ذلك في أيدينا

فنحن كالأرض لزارعينا      ننبت ما قد زرعوه فينا

ومن جُملة الأحكام الفقهية المتعلّقة بالإنجاب:

  • العزل:

لا ريب أن بقاء النوع الإنساني من أول أغراض الزواج أو هو أولها. وبقاء النوع إنما يكون بدوام التناسل. وقد حبب الإسلام في كثرة النسل، وبارك الأولاد ذكورا وإناثا، ولكنه رخَّص للمسلم في تنظيم النسل إذا دعت إلى ذلك دواعٍ معقولة، وضرورات معتبرة، وقد كانت الوسيلة الشائعة التي يلجأ إليها الناس لمنع النسل أو تقليله ـ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ هي العزل (وهو قذف النطفة خارج الرحم عند الإحساس بنزولها).

وقد كان الصحابة يفعلون ذلك في عهد النبوة والوحي، كما ثبت في الصحيحين عن جابر: (كنا نعزل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل)، وفي صحيح مسلم قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله فلم ينهنا).

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي جارية وأنا أعزل عنها، وإني أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث: أن العزل الموءودةُ الصغرى!! فقال صلى الله عليه وسلم: (كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه).

ومراد النبي صلى الله عليه وسلم أن الزوج مع العزل قد تفلت منه قطرة تكون سببًا للحمل، وهو لا يدري.

ومما روي أنهم تذاكروا العزل في مجلس عمر رضي الله عنه، فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموءودة الصغرى، فقال علي رضي الله عنه: لا تكون موءودة حتى تمر عليها الأطوار السبعة؛ حتى تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما ثم تُكسى لحماً، ثم تكون خلقاً آخر، فقال عمر: صدقت، أطال الله بقاءك.

مسوغات تنظيم النسل:

  • ومن أول هذه الضرورات: الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل أو الوضع، إذا عُرف بتجربة، أو إخبار طبيب ثقة. قال تعالى: ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ))، وقال: ((وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)).
  • ومنها الخشية من وقوع حرج دنيوي، قد يُفضي به إلى حرج في دينه، فيقبل الحرام، ويرتكب المحظور من أجل الأولاد، إن كان ممن يخشى على نفسه أن يضعف أمام الحاجة، قال تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ))، ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)).
  • ومن ذلك الخشية على الأولاد أن تسوء صحتهم أو تضطرب تربيتهم. وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِم تفعل ذلك)؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها ـ أو قال: على أولادها ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان ضارًّا لضر فارس والروم).
    وكأنه عليه السلام رأى أن هذه الحالات الفردية لا تضر الأمة في مجموعها، بدليل أنها لم تضر فارس والروم ـ وهما أقوى دول الأرض حينذاك.
  • ومن الضرورات المعتبرة شرعًا الخشية على الرضيع، من حمل جديد ووليد جديد، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الوطء في حالة الرضاع: وطء الغيلة، أو الغيل، لما يترتب عليه من حمل يفسد اللبن، ويضعف الولد، وإنما سماه غيلا أو غيلة؛ لأنه جناية خفية على الرضيع، فأشبه القتل سرًّا.
    وكان عليه الصلاة والسلام يجتهد لأمته، فيأمر بما يصلحها، وينهاها عما يضرها.
    وكان من اجتهاده لأمته أن قال: (لا تقتلوا أولادكم سرًّا، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره) ولكنه عليه السلام لم يؤكد النهي إلى درجة التحريم.

ذلك لأنه نظر إلى الأمم القوية في عصره، فوجدها تصنع هذا الصنيع ولا يضرهم ـ فالضرر إذًا غير مطرد ـ هذا مع خشيته العنت على الأزواج، لو جزم بالنهي عن وطء المرضعات. ومدة الرضاع قد تمتد إلى حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة.
لذلك كله قال: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، ثم رأيت فارس والروم يفعلونه، ولا يضر أولادهم شيئا).

قال ابن القيم رحمه الله، في بيان الصلة بين هذا الحديث والحديث السابق (لا تقتلوا أولادكم سرا): “أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحد الجانبين أنه ـ أي الغيل ـ يفعل في الوليد مثل ما يفعل مَنْ يَصرع الفارس عن فرسه، كأنه يدعثره ويصرعه، وذلك يوجب نوع أذى، ولكنه ليس بقتل للولد وإهلاك له، وإن كان قد يترتب عليه نوع أذًى للطفل، فأرشدهم إلى تركه، ولكنه لم ينهَ عنه ـ أي نهي تحريم ـ ثم عزم على النهي سدًّا لذريعة الأذى الذي ينال الرضيع، فرأى أن سدَّ هذه الذريعة، لا يقاوم المفسدة التي تترتب على الإمساك عن وطء النساء مدة الرضاع، ولا سيما من الشباب وأرباب الشهوة التي لا يكسرها إلا مواقعة نسائهم، فرأى أن هذه المصلحة أرجح من مفسدة سد الذريعة. فنظر ورأى الأمتين ـ اللتين هما من أكثر الأمم وأشدها بأسا ـ يفعلونه ولا يتقونه، مع قوتهم وشدتهم، فأمسك عن النهي عنه”.

وقد استحدث في عصرنا من الوسائل التي تمنع الحمل، ما يحقق المصلحة التي هدف إليها الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وهي حماية الرضيع من الضرر ـ مع تجنب المفسدة الأخرى ـ وهي الامتناع عن النساء مدة الرضاع ـ وما في ذلك من مشقة، وعلى ضوء هذا نستطيع أن نقرر أن المدة المُثْلَى في نظر الإسلام بين كل ولدين هي ثلاثون أو ثلاثة وثلاثون شهرًا، لمن أراد أن يتم الرضاعة.

وقرر الإمام أحمد وغيره: أن ذلك يباح إذا أذنت به الزوجة؛ لأن لها حقًّا في الولد، وحقا في الاستمتاع. ورد عن عمر أنه نهى عن العزل إلا بإذن الزوجة، وهي لفتة بارعة من لفتات الإسلام إلى حق المرأة في عصر، لم يكن يعترف لها بحقوق.

إسقاط الحمل:

وإذا كان الإسلام قد أباح للمسلم أن يمنع الحمل لضرورات تقتضي ذلك، فلم يُبح له أن يجني على هذا الحمل، بعد أن يُوجد فعلا. ولو جاء هذا الحمل من طريق حرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل أن يقيم الحدَّ على امرأة حملت من زِنى حتى تضع جنينها، وتتم رضاعته؛ إذ لا ذنب له. واتفق الفقهاء على أن إسقاطه، بعد نفخ الروح فيه حرام وجريمة، لا يحل للمسلم أن يفعله؛ لأنه جناية على حيٍّ، متكامل الخَلْق، ظاهر الحياة، قالوا: ولذلك وجبت في إسقاطه الدية إن نزل حيًّا ثم مات، وعقوبة مالية أقل منها إن نزل ميتا.

ولكنهم قالوا: إذا ثبت من طريق موثوق به أن بقاءه ـ بعد تحقق حياته هكذا ـ يؤدي لا محالةَ إلى موت الأم، فإن الشريعة بقواعدها العامة، تأمر بارتكاب أخف الضررين، فإذا كان في بقائه موت الأم، وكان لا منقذ لها سوى إسقاطه، كان إسقاطه في تلك الحالة متعينًا، ولا يضحَّى بها في سبيل إنقاذه؛ لأنها أصله، وقد استقرت حياتها، ولها حظ مستقل في الحياة، ولها حقوق، وعليها حقوق، وهي بعد هذا وذاك عماد الأسرة، وليس من المعقول أن نضحي بها في سبيل الحياة لجنين لم تستقل حياته، ولم يحصل على شيء من الحقوق والواجبات.

ومثل ذلك إذا ثبت لنا بطريقة علمية مؤكدة، أن الجنين سينزل مشوَّهًا، ويعيش حياته في ألم وتعاسة، له ولمن حوله، فقواعد الشريعة لا تمنع من إسقاطه، وحصر ذلك في المدة الأولى من الحمل، أي قبل نهاية أربعة أشهر.

وقال الإمام الغزالي، يفرّق بين منع الحمل وإسقاطه: (وليس هذا ـ أي منع الحمل ـ كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل. والوجود له مراتب. وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة. وإفساد ذلك جناية، فإن صارت نطفة، فعلقة، كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخِلقة، ازدادت الجناية تفاحشا، ومنتهى التفاحش في الجناية، بعد الانفصال حيا).

الدرس السابع:

أحكام المولود

أولاً: تسمية المولود:

أهم الأحكام التي وضعها الإسلام في تسمية المولود:

  • متى يسمّى الولد:

روى أصحاب السنن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه ويحلق رأسه).

فهذا الحديث يقضي أن يكون التسمية في اليوم السابع، وهناك أحاديث أخرى صحيحة تفيد أن تكون التسمية في يوم الولادة، ففي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم).

فيؤخذ أن في الأمر سعة، فجاز تعريفه وتسميته في اليوم الأول من ولادته، وجاز التأخير الى ثلاثة أيام، وجاز إلى يوم العقيقة وهو اليوم السابع، وجاز قبل ذلك، وجاز بعده.

  • ما يستحب من الأسماء وما يكره:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم، فأحسنوا أسمائكم).

روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن).

روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه (كان يغير الاسم القبيح)، مثل عاصية فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة وسمى حرباً سِلماَ، وسمى المضطجع: المنبعث، وبني الزنية سماهم: بني الرشدة.

كما عليه أن يجنّبه الأسماء التي لها اشتقاق من كلمات فيها تشاؤم، والأسماء المختصة بالله سبحانه، فلا تجوز التسمية بالأحد ولا بالصمد ولا بالخالق ولا بالرازق.. ولا بغيرها.

حدّثنا أبو شُرَيحٌ أنه لما وفد إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحَكم، فدعاه رسول الله، فقال: إن الله هو الحَكم، وإليه الحُكم، فَلِمَ تُكنى أبا الحَكم؟ فقال: إن قومي إذا في شيء أتوني، فحَكمت بينهم فرَضي كِلا الفريقين، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا، فما لم من الولد؟ قال: لي شُرَيحٌ، ومَسلِمٌ، وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شُرَيحٌ، قال: فأنت أبو شُرَيحٌ.

كما عليه أن يجنّبه الأسماء المعبّدة لغير الله، كعبد العزى، وعبد الكعبة، وعبد النبي وما شابهها، فقد روى أبو داود والنسائي: عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة).

  • من السنة تكنية المولود بأبي فلان:

أكنيه حين أناديه لأكرمه                   ولا ألقبه والسوءة اللقب

جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه يقول له: (يا أبا عُمَير، ما فَعلَ النُعْير؟).

وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها أن تُكنّى بأم عبد الله، وكان أنس يُكنّى قبل أن يولد له بأبي حمزة، وأبو هريرة كان يُكنّى بذلك ولم يكن له ولد إذ ذاك.

ويجوز تكنية الرجل الذي له أولاد باسم غير اسم أولاده، فهذا أبو بكر وكذلك أبو ذر رضي الله عنهما وكذلك خالد بن الوليد رضي الله عنه كان يُكنّى بأبي سليمان ولم يكن له ولد اسمه سليمان.

والقرآن الكريم قد صرح بأن الولد ينسب لأبيه لا لأمه ((ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)).

ولا يجوز أن يلقب الولد بألقاب ذميمة: كالقصير والأعور والأخرس ((ولا تنابزوا بالألقاب)).

ويجوز تسمية الأولاد باسم النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله (تسمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم أقسم بينكم)، وقوله: (من تسمّى باسمي فلا يتكنّى بكنيتي ومن تكنّى بكنيتي فلا يتسمّى باسمي) فالنهي عن التكنية مخصوص بحياته، اما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فلا بأس بها.

ثانياً: عقيقة المولود وأحكامها:

معنى العقيقة: هي ذبح الشاة عن المولود يوم السابع من ولادته.

دليل مشروعيتها:

  • روى البخاري في صحيحه (مع الغلام عقيقة، فأهرقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى).
  • (كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه).

ذهب الفقهاء والأئمة المجتهدون مذاهب ثلاثة في وجه مشروعيتها:

  • السنة والاستحباب، لحديث: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل).
  • التحتم والوجوب، لحديث: (كل غلام مرتهن بعقيقته).
  • إنكار مشروعيتها، لحديث: (لا تعقي ولكن احلق رأسه…).

غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقّ هو عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وعليه فالعقيقة عن المولود سنة مستحبة عند جمهور الأئمة والفقهاء.

الوقت الذي يستحب فيه العقيقة:

عقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن وحسين يومُ السابع، وسمّاهما وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى. فالتقيد باليوم السابع ليس من باب الإلزام وإنما هو على وجه الاستحباب، أما عائشة رضي الله عنها فتقول: (سبعة أيام، وأربعة عشر، ولأحد وعشرين).

أمرنا عليه الصلاة والسلام أن نعقّ عن الغلام بشاتين وعن الجارية شاة.

  • أن الذكر مثل الأنثى في مشروعية العقيقة.
  • المفاضلة بينهما: للذكر شاتان، وللأنثى شاة واحدة.

كراهية كسر عظم العقيقة:

من الأمور التي يجب مراعاتها في عقيقة المولود ألا يُكسَر من عظم الذبيحة شيئاً سواء حين الذبح أو عند الأكل، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تكسروا منها عظماً).

أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الأضحية:

  • كأن يكون عمرها سنة ودخلت في السنة الثانية، وإذا كان الضأن كبير الجسم سميناً فإنها تصح به أذا بلغت ستة أشهر، وأما المعز فإنها لا تصح به إلا إذا بلغ سنة ودخل في السنة الثانية.
  • أن تكون الأضحية سليمة من العيوب وعلى هذا لا تصح الأضحية بالعمياء ولا بالعوراء ولا بالعجفاء.
  • أما الأضحية بالبقر والجاموس فلا تصح إلا إذا بلغ سنتين ودخل في السنة الثالثة، وأما التضحية بالإبل فلا تصح إلا إذا بلغت خمس سنين ودخلت في السنة السادسة.
  • لا يصح الاشتراك فيها.
  • يصح في العقيقة ما يصح في الأضحية: من ناحية الأكل منها والإهداء ويزاد بإهداء جزء منها إلى القابلة لإدخال السرور عليها.
  • يستحب أن تذبح العقيقة على اسم المولود، لقوله صلى الله عليه وسلم: (اذبحوا على اسمه (أي على اسم المولد) فقولوا: بسم الله، اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان).

الحكمة التشريعية من العقيقة:

  • قربان يتقرب منها المولود إلى الله.
  • فدية يفدى بها المولود من المصائب والآفات.
  • إظهار للفرح والسرور بإقامة شرائع الإسلام.
  • تمتين لروابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع.

ثالثاً: ختان المولود وأحكامه:

الختان في اللغة معناه: قطع القلفة (أي الجلدة) التي على رأس الذكر.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الفطرة خمس: الختان، الاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط)، والاستحداد هو حلق الشعر الذي يخرج حول الفرج.

فالذين قالوا بسُنيّته وحجتهم في ذلك: (الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء)، والذين قالوا بوجوبه: (من أسلم فليختتن وإن كان كبيراّ).

قال تعالى: ((ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفاً)) والختان من ملة إبراهيم عليه السلام، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن إبراهيم عليه السلام اختتن وهو ابن ثمانين سنة) وفي رواية: (أنه أول من أضاف الضيف وأول من لبس السراويل وأول من اختتن).

(أربع من سنن المرسلين: الختان والتعطر والسواك والنكاح).

هل على الأنثى ختان؟

أجمع الفقهاء والأئمة المجتهدون على أن الختان مستحب للأنثى وليس بواجب، ولعل الحكمة في ذلك أن الختان للرجل يختلف كل الاختلاف عن الاختتان للمرأة، يختلف شكلا ويختلف حكما ويختلف فائدة.

وكانت تقوم به القابلة التي توّلد، وهو اخذ خفيف من الزوائد الدهنية التي تسبب إفرازات وتثير الشهوة، وهذا الختان من شانه أن يخفف ذلك إضافة إلى أنه يقلل من مخاطر الالتهابات والافرازات الزائدة.

وهو مكرمة كما في الحديث لا واجب، والله أعلم.

متى يجب الاختتان؟

ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الاختتان يجب عند مشارفة الولد سن البلوغ، باعتباره أنه سيصبح مكلفاً شرعاً في امتثال الأحكام الشرعية، ولكم الأفضل في حق الولي أن يقوم بعملية الاختتان في الأيام الأولى من ولادة الولد ودليل الأفضلية ما رواه البيهقي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (عقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام).

من فوائده الصحية:

أنه يجلب النظافة والتزين، فيتخلّص المرء من المفرزات الدهنية ويقلل من إمكانية الإصابة بالسرطان وسلس البول الليلي.

الدرس الثامن:

عند النشوز والشقاق والطلاق

مرّ معنا أن من حق الزوج على الزوجة ألا تهجر له فراشا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا بَاتَتِ المَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ). وألا تدخل أحدا بيته دون علمه وإذنه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه).

وعند أحمد وغيره: “إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ”.

على كل من الزوجين أن يصبر على صاحبه:

لذا يجب على المسلم أن يصبر على زوجته، إذا رأى منها بعض ما لا يعجبه من تصرفها، ويعرف لها ضعفها بوصفها أنثى، فوق نقصها باعتبارها إنسانًا، ويعرف لها حسناتها بجانب أخطائها، ومزاياها إلى جوار عيوبها.

وفي الحديث: (لا يَفْرَك ـ أي لا يُبغض ـ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر). وقال تعالى: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)).

وكما أوجب الإسلام على الزوج الاحتمال والصبر على ما يكره من زوجته، أُمرت الزوجة هي الأخرى أن تعمل على استرضاء زوجها، بما عندها من قدرة وسحر، وحذّرها أن تبيت، وزوجها غاضب.

وفي الحديث: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان ـ متخاصمان).

عند النشوز والشقاق:

وبما أن الرجل هو سيد البيت، ورب الأسرة، بحكم تكوينه واستعداده، ووضعه في الحياة، وبذله للمهر، ووجوب النفقة عليه، فلا يحل للمرأة أن تخرج عن طاعته، وتتمرد على سلطانه، فتفسد الشركة، وتضطرب سفينة البيت أو تغرق، ما دام لا ربان لها.

وإذا لاحظ الزوج على زوجته مظاهر النشوز والعصيان له، والترفع عليه، فعليه أن يحاول إصلاحها بكل ما يقدر عليه؛ مبتدئا بالكلمة الطيبة، والوعظ المؤثر، والإرشاد الحكيم.

فإن لم تُجْدِ هذه الوسيلة هجرها في مضجعها، محاولا أن يستثير فيها غريزة الأنثى؛ لعلها تنقاد له ويعود الصفاء.

فإن لم تُجْدِ هذه ولا تلك، جرب التأديب باليد؛ مجتنبا الضرب المُبرح، مبتعدا عن الوجه، وهو علاج يجدي في بعض النساء، في بعض الأحوال بقدر معين. وليس معنى الضرب هنا أن يكون بسوط أو خشبة، وإنما هو مِن نوع ما قاله عليه السلام لخادم عنده أغضبته في عمل: (لولا القصاص يوم القيامة، لأوجعتكِ بهذا السواك).

وقد نفَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الضرب وقال: (علام يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد، ولعله يجامعها في آخر اليوم)، وقال في شأن من يضربون نساءهم: (لا تجدون أولئك خياركم).

قال الإمام الحافظ ابن حجر: “وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تجدون أولئك خياركم) دلالة على أن ضربهن مباح في الجملة، ومحلّ ذلك أن يضربها تأديبا إذا رأى منها ما يكره، فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام، لا يعدل إلى الفعل، لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن العشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله”.

وقد أخرج مسلم في الباب حديث عائشة: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عزّ وجلّ”.

فإن لم ينفع هذا كله، وخيف اتساع الشُّقة بينهما تَدَخل المجتمع الإسلامي وأهل الرأي والخير فيه، يحاولون الإصلاح، فيبعثون حكما من أهله، وحكما من أهلها، من أهل الخير والصلاح، عسى أن تصدق نيتهما في لَمِّ الشعث وإصلاح الفاسد، فيوفق الله بينهما.

وفي هذا كله قال تعالى: ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)).

هنا فقط يباح الطلاق

وهنا، وبعد أن فشلت تلك التجارب كلها، وخابت تلك الوسائل جميعها، يباح للزوج أن يلجأ إلى وسيلة أخيرة شرعها الإسلام، استجابة لنداء الواقع، وتلبية لداعي الضرورة، وحلا لمشكلات لا يحلها إلا الفراق بالمعروف.. تلك هي وسيلة (الطلاق).

أجاز الإسلام اللجوء إلى هذه الوسيلة على كره، ولم يندب إليها ولا استحبها، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق). وجاء عنه: (ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق).

والتعبير بأنه حلال مبغوض إلى الله، يشعر بأنه رخصة شُرعت للضرورة، حين تسوء العشرة، وتستحكم النُّفرة بين الزوجين، ويتعذر عليهما أن يقيما حدود الله وحقوق الزوجية. وقد قيل: إن لم يكن وِفاق فَفِراق. وقال تعالى: ((وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)).

الطلاق قبل الإسلام:

وليس الإسلام هو الدين الفذُّ الذي أباح الطلاق، فقبل الإسلام كان الطلاق شائعا في العالم كله ـ إذا استثنينا أمة أو أمتين ـ وكان الرجل يغضب على المرأة فيطردها من داره، محقًّا أو مبطلا، دون أن تملك المرأة له دفعا، أو تأخذ منه عِوضا، أو تجد لنفسها عنده حقًّا.

يقول الأستاذ محمد فريد وجدي: (ولما نبه ذكر الأمة اليونانية، وازدهرت حضارتها، كان الطلاق شائعا فيها بلا قيد ولا شرط).

وكان الطلاق لدى الرومانيين معتبرا من كيان الزواج نفسه، حتى إن القضاة كانوا يحكمون ببطلان الزواج إن اشترط كلا الطرفين عدم الطلاق فيه.

وكان الزواج الديني لدى الأجيال الأولى للرومانيين يحرم الطلاق، ولكنه في الوقت نفسه يمنح الزوج على امرأته سلطانا لا حد له. فيبيح له أن يقتلها في بعض الأحوال، ثم رجعت ديانتهم فأباحت الطلاق، كما كان مباحا أمام القانون المدني.

الطلاق في الديانة اليهودية:

أما الديانة اليهودية، فقد حسنت من حالة الزوجة، ولكنها أباحت الطلاق، وتوسعت في إباحته. وكان الزوج يُجبر شرعا على أن يطلق امرأته إن ثبتت عليها جريمة الفسق، حتى ولو غفر لها تلك الجريمة، وكان القانون يجبره أيضا على أن يطلق امرأته، إن لبثت معه عشر سنين، ولم تأته بذرية.

الطلاق في الديانة المسيحية:

والمسيحية هي الديانة التي شذَّت عما ذكرنا من ديانات، وخالفت الديانة اليهودية نفسها. وأعلن الإنجيل على لسان المسيح تحريم الطلاق، وتحريم زواج المطلِّقين والمطلَّقات، ففي إنجيل متّى: “قد قيل: من طلق امرأته، فليدفع إليها كتاب طلاق. أما أنا فأقول لكم: من طلق امرأته إلا لعلة الزِّنَى فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلَّقة فقد زنى”.

وفي إنجيل مرقس: “من طلق امرأته وتزوج بأخرى: يزني عليها. وإذا طلقت المرأة زوجها، وتزوجت بآخر، ارتكبت جريمة الزِّنى”.

وقد علل الإنجيل هذا التحريم القاسي بأن “ما جمعه الله لا يصح أن يفرقه الإنسان”.
وهذه الجملة صحيحة المعنى، ولكن جعلها علة لتحريم الطلاق هو الشيء الغريب، فإن معنى أن الله جمع بين الزوجين؛ أنه أذن بهذا الزواج وشرعه، فصح أن ينسب الجمع إلى الله، وإن كان الإنسان هو المباشر لعقد الزواج.

فإذا أذن الله في الطلاق، وشرعه لأسباب ومسوغات تقتضيه، فإن التفريق حينئذ يكون من الله أيضًا، وإن كان الإنسان هو الذي يباشر التفريق. وبهذا يتضح أن الإنسان لا يكون مُفرقًا ما جمعه الله، وإنما المُجَمِّع والمفرق هو الله جل شأنه، أليس الله هو الذي فرَّق بينهما بسبب الزِّنى؟ فلماذا لا يفرق بينهما بسبب آخر يوجب الفراق؟!

اختلاف المذاهب المسيحية في شأن الطلاق:

ورغم أن الإنجيل استثنى من تحريم الطلاق ما إذا كان السبب (علة الزنى) فإن أتباع المذهب الكاثوليكي يؤولون هذا الاستثناء، ويقولون: (ليس المعنى هنا أن للقاعدة شذوذا، أو أن هناك من القضايا ما يسمح فيه بالطلاق. فلا طلاق البتة في شريعة المسيح. والكلام هنا ـ في قوله: إلا لعلة الزنى ـ عن عقد فاسخ في ذاته، فليس له من شرعية العقد وصحته إلا الظواهر، إنه زنى ليس إلا. ففي هذه الحالة يحل للرجل، لا بل يجب عليه أن يترك المرأة).

أما أتباع المذهب البروتستانتي؛ فيجيزون الطلاق في أحوال معينة منها حالة زِنى الزوجة وخيانتها لزوجها، وبعض حالات أخرى زادوها على نص الإنجيل، ولكنهم ـ وإن أجازوا الطلاق لهذا السبب أو ذاك ـ يحرمون على المطلِّق والمطلَّقة أن ينعما بحياة زوجية بعد ذلك.

وأتباع المذهب الأرثوذكسي قد أجازت مجامعهم الِملِّية في مصر الطلاق، إذا زنت الزوجة كما نص الإنجيل، وأجازوه لأسباب أخرى، منها العقم لمدة ثلاث سنين، والمرض المعدي، والخصام الطويل الذي لا يُرجَى فيه صلح. وهذه أسباب خارجة على ما في الإنجيل، ومن أجل ذلك أنكر المحافظون من رجال هذا المذهب اتجاه الآخرين إلى إباحة الطلاق لهذه الأسباب، كما أنكروا إباحة الزواج للمطلق أو المطلقة بحال من الأحوال.

وعلى هذا الأساس رفضت إحدى المحاكم المصرية المسيحية دعوى زوجة مسيحية تطلب الطلاق من زوجها، لأنه مُعسر، وقالت المحكمة في حكمها: “إنه من العجيب أن بعض القوامين على الدين من رجال الكنيسة وأعضاء المجلس الِملِّي العام، قد سايروا التطور الزمني، فاستجابوا لرغبات ضعيفي الإيمان، فأباحوا الطلاق لأسباب لا سند لها من الإنجيل. وحكم الشريعة المسيحية قاطع، في أن الطلاق غير جائز إلا لعلة الزِّنى. وترتب على زواج أحد المطلِّقين بأنه زواج مدنس، بل هو الزنى بعينه”.

 نتيجة تزمت المسيحية في الطلاق:

ولقد كان من نتيجة هذا التزمت الغريب من المسيحية في أمر الطلاق، وإهدار الطبيعة الإنسانية والمقتضيات الحيوية، التي توجب الانفصال في بعض الأحيان: كان من نتيجة ذلك تمرد المسيحيين على دينهم، ومروقهم من وصايا أناجيلهم، كما يمرق السهم من الرميَّة.

ولم يستطيعوا إلا أن (يفرقوا ما جمعه الله)! فاصطنع أهل الغرب المسيحي قوانين مدنية، تبيح لهم الخروج من هذا السجن المؤبد، ولكن كثيرا منهم كالأمريكان أسرفوا، وأطلقوا العِنان في إباحة الطلاق ـ كأنهم يتحدون الإنجيل ـ وبذلك يوقعونه لأتفه الأسباب، وأصبح عقلاؤهم يَشْكُون من هذه الفوضى التي أصابت هذه الرابطة المقدسة، والتي تهدد الحياة الزوجية ونظام الأسرة بالانهيار، حتى أعلن أحد قضاة الطلاق المشهورين هناك، أن الحياة الزوجية ستزول من بلادهم، وتحل محلها الإباحة والفوضى في العلاقة بين النساء والرجال في زمن قريب، وهي الآن كشركة تجارية ينقضها الشريكان لأوهى الأسباب، خلافا لهداية جميع الأديان؛ إذ لا دين ولا حب يربطهما، بل الشهوات والتنقل في وسائل المسرات.

كُفْرٌ فَرِيدٌ في بابه:

وهذه الظاهرة.. وهي السير في الأحوال الشخصية وفق قانون مدني، يختلف عن تعاليم الدين، لا تكاد تُوجد في غير شعوب الغرب المسيحي، فجميع أهل الملل والنحل الأخرى، حتى البرهميون والبوذيون والوثنيون والمجوس، يسيرون في أحوالهم الشخصية وفق تعاليم دياناتهم.

وقد نجد من بينهم من استحدث في الأحوال العينية قوانين مدنية، تختلف عن تعاليم دينه. ولكننا لا نجد من بينهم من استحدث قوانين مدنية في الأحوال الشخصية ـ أي في شؤون الزواج والطلاق وما إلى ذلك ـ وأمكن لهذه الملل والنحل أن تساير الحياة العملية، وتجاري طبيعة البشر في هذه الشؤون.

والمسيحيون وحدهم هم الذين كفروا بدينهم من الناحية العملية في الأحوال الشخصية على العموم، وفي شؤون الطلاق على الخصوص؛ لأنهم هم أنفسهم قد وجدوا أن تعاليمه في هذا الصدد تنكر الواقع، وتتجاهل طبيعة الإنسان، ولا تصلح للتطبيق في الحياة.

المسيحية كانت علاجا مؤقتا لا شريعة عامة:

وإن صح ما جاء في الإنجيل بشأن الطلاق، ولم يكن هذا من التغيير الذي أصاب الأناجيل في قرونها الأولى، فلا شك أن الذي يتأمل في الأناجيل ـ حتى بوضعها الحاضر ـ يتبين له أن المسيح عليه السلام، لم يكن يقصد إلى وضع شريعة عامة خالدة للناس جميعا. وإنما جاء ليقاوم تجاوز اليهود حدودهم، فيما رخص الله لهم فيه، كما صنعوا في أمر الطلاق.

فقد جاء في الفصل التاسع عشر من إنجيل متى: أن المسيح حين انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم اليهودية عبر الأردن، دنا إليه الفريسيون ليجربوه قائلين: هل يحل للإنسان أن يطلق زوجته لأجل كل علة؟ (أي سبب)، فأجابهم قائلا: أما قرأتم أن الذي خلق الإنسان في البدء ذكرا وأنثى، خلقهم، وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمه، ويلزم امرأته، فيصيران كلاهما جسدا واحدا، فليسا هما اثنين بعد، ولكنهما صارا جسدا واحدا، وما جمعه الله فلا يفرقه الإنسان، فقالوا له: فلماذا أوصى موسى أن تُعطى (أي المرأة) كتاب طلاق وتُخلَّى؟ فقال لهم: إن موسى لأجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولم يكن من البدء هكذا. وأنا أقول لكم: من طلق امرأته إلا لعلة زنى، وأخذ أخرى فقد زنى، ومن تزوج مطلَّقة فقد زنى. فقال تلاميذه: إن كانت هكذا حال الرجل مع امرأته، فأجدر له ألا يتزوج.

فالواضح من هذا الحوار: أن المسيح إنما أراد أن يحدّ من غلوّ اليهود، في استعمال الإذن في الطلاق الذي أعطاهم موسى، فعاقبهم بتحريم الطلاق عليهم، إلا إذا زنت المرأة، فهو علاج مؤقت لفترة مؤقتة، حتى تأتي الشريعة العامة الخالدة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

وليس من المعقول أن المسيح يريد هذا شرعا أبديا لكل الناس، فإن حوارييه وأخلص تلاميذه أنفسهم، أعلنوا استثقالهم لهذا الحكم العنيف، وقالوا: “إن كان هذا شأن الرجل مع امرأته، فأجدر له ألا يتزوج”! فإن مجرد الزواج من امرأة يجعلها في عنقه غُلا، لا يمكن الانفكاك عنه بحال، مهما امتلأ قلبه من البغض لها، والضيق بها، والسخط عليها، ومهما تنافرت طباعهما واتجاهاتهما.

وقديما قال الحكيم: إن من أعظم البلايا مصاحبة مَن لا يوافقك ولا يفارقك.

وقال الشاعر العربي:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوا له ما مِن صداقته بدُّ

قيود الإسلام للحد من الطلاق:

هذا، وقد وضعت الشريعة الإسلامية الغراء قيودا عديدة في سبيل الطلاق؛ حتى ينحصر في أضيق نطاق مستطاع.

فالطلاق بغير ضرورة تقتضيه، وبغير استنفاد الوسائل الأخرى التي ذكرناها، طلاق محرم محظور في الإسلام؛ لأنه ـ كما قال بعض الفقهاء ـ ضرر بنفسه وبزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما، من غير حاجة إليه، فكان حراما كإتلاف المال، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار).

وأما ما يصنعه الذواقون المطلاقون، فهذا شيء لا يحبه الله ولا رسوله ومما رُوي: (إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات). وقال عبد الله بن عباس: إنما الطلاق عن وَطَر.

طلاق المرأة وهي حائض حرام:

وإذا وجد الوطر والحاجة التي تسوغ الطلاق، فليس مباحا للمسلم أن يسارع إليه في أي وقت شاء؛ بل لا بد من تخير الوقت المناسب.

والوقت المناسب ـ كما حددته الشريعة ـ أن تكون المرأة طاهرًا، ليس بها حيض ولا نفاس، وألا يكون قد جامعها في هذا الطهر خاصة، إلا إذا كانت حاملا قد استبان حملها.

ذلك أن حالة الحيض ـ ومثله النفاس ـ توجب اعتزال الزوج لزوجته، فربما كان حرمانه أو توتر أعصابه، هو الدافع إلى الطلاق، لهذا أمر أن ينتظر حتى ينتهي الحيض ثم تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها.

ويحرم عليه أن يطلقها في وقت الحيض، كما يحرم عليه أيضا أن يطلقها وهي طاهر بعد أن يكون قد اتصل بها، فمن يدري لعلها علقت منه في هذه المرة، ولعله لو علم بحملها لغيَّر رأيه في فراقها، ورضي العِشرة معها من أجل الجنين الذي في بطنها.

فإذا كانت طاهرا لم يمسسها، أو كانت حاملا قد استبان حملها، عُرِف أن الدافع إلى الطلاق إنما هو النُّفْرة المستحكمة، فلا حرج عليه حينئذ أن يطلقها.

وفي الصحيح: أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (مره فليراجعها، ثم إن شاء طلقها وهي طاهر قبل أن يمسَّ، فذلك الطلاق للعِدّة).
كما أمر الله تعالى في قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)). أي مستقبلات عدتهن، وذلك في حالة الطهر. وفي رواية: (مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا).

ولكن هل ينفذ الطلاق ويقع، أم لا يقع؟

المشهور أنه يقع، ويكون المطلق آثما. وقال طائفة من الفقهاء: لا يقع؛ لأنه طلاقٌ لم يشرعه الله تعالى البتة، ولا أذن فيه، فليس من شرعه؛ فكيف يقال بنفوذه وصحته؟

وقد روى أبو داود: أن ابن عمر سُئل: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا؟ فقصَّ على السائل قصته حين طلق امرأته وهي حائض، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها عليه، ولم يرها شيئا.

الحلف بالطلاق حرام:

ولا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يمينًا، يحلف به على فعل هذا أو ترك ذاك، أو يهدد زوجته؛ إن فعلت كذا فهي طالق.

فإن لليمين في الإسلام صيغة خاصة لم يأذن في غيرها، وهي الحلف بالله تعالى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقال: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت).

المطلقة تبقى في بيت الزوجية مدة العدة:

والواجب في شريعة الإسلام أن تبقى المطلقة في بيتها ـ أي بيت الزوجية ـ مدة العدة، ويحرم عليها أن تخرج من البيت، كما يحرم على الزوج أن يُخرجها منه بغير حق، وذلك أن للزوج ـ طوال مدة العدة ـ أن يراجعها، ويردها إلى حظيرة الزوجية مرة أخرى ـ إذا كان هذا هو الطلاق الأول أو الثاني ـ وفي وجودها في البيت قريبا منه إثارة لعواطفه، وتذكير له أن يفكر في الأمر مرة ومرة، قبل أن يبلغ الكتاب أجله، وتنتهي أشهر العدة التي أمرت أن تتربصها استبراء للرحم، ورعاية لحق الزوج وحرمة الزوجية، والقلوب تتغير، والأفكار تتجدد، والغاضب قد يرضى، والثائر قد يهدأ، والكاره قد يحب، وما أسرع تقلبات الزمان.

وفي ذلك يقول الله تعالى في شأن المطلقات: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)).

وإن كان لا بد من الفراق بين الزوجين، فالمطلوب منهما أن يكون بمعروف وإحسان، بلا إيذاء ولا افتراء ولا إضاعة للحقوق. قال تعالى: ((فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)). وقال: ((فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)). وقال: ((وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)).

وقد شرع الله تبارك وتعالى في كتابه هذه المكافآت الزوجية، التي يدفعها الزوج حقا عليه لمطلقته، ولم يحدد مقدارها، ولكنها: ((مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)) يخضع لقدرة الرجل المالية، ولمنزلة المرأة، وعدد السنين التي تقيمها معه، وغير ذلك مما يمكن لأهل الخبرة في المجتمع أن يقدروه.

الطلاق مرة بعد مرة:

وقد منح الإسلام للمسلم ثلاث تطليقات في ثلاث مرات، على أن يطلقها كل مرة في طهر لم يجامعها فيه طلقة واحدة، ثم يَدَعَها حتى تنقضي عدتها، فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها، أمكن أن يردها إليه بعقد جديد، وإن لم يكن له فيها غرض، لم يضره أن تتزوج بزوج غيره.

فإن أعادها إلى عصمته بعد الطلقة الأولى، ثم حدث بينهما النفور والشقاق مرة ثانية، وعجزت الوسائل الأخرى عن تصفية الجو بينهما، فله أن يطلقها للمرة الثانية ـ على الطريقة التي ذكرناها ـ وله أيضا أن يراجعها في العدة بغير عقد، أو يعيدها بعد العدة بعقد جديد.

فإذا عاد فطلقها للمرة الثالثة كان هذا دليلا واضحًا على أن النُّفرة بينهما مستحكمة، والوفاق بينهما غير مستطاع. لهذا لم يجزْ له بعد التطليقة الثالثة أن يردها إليه، ولا تحل له بعد ذلك حتى تنكح زوجا غيره زواجا شرعيا صحيحا، مقصودا لذاته، لا لمجرد تحليلها للزوج الأول.

ومن هذا نرى أن المسلم الذي يجمع هذه المرات الثلاث في مرة واحدة أو لفظة واحدة، قد ضادَّ الله فيما شرعه، وانحرف عن صراط الإسلام المستقيم.

وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبانَ ثم قال: (أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل فقال: يا رسول ألا أقتله).

إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان:

وإذا طلق الزوج زوجته ـ الطلقة الأولى أو الثانية ـ وبلغت الأجل المحدد لها ـ أي قاربت عدتها أن تنقضي ـ كان على الزوج أحد أمرين:

  • إما أن يمسكها بمعروف. ومعنى ذلك: يرجعها بقصد الإحسان والإصلاح، لا بقصد المشاكسة والإضرار.
  • وإما أن يسرحها ويفارقها بمعروف، بأن يتركها حتى تنقضي عدتها، ويتم الانفصال بينهما بلا تشويش ولا مضارَّة، ولا مشاحة فيما لأحدهما على الآخر من حقوق.

ولا يحل له أن يراجعها قبيل انقضاء عدتها منه، قاصدًا إيذاءها بإطالة العدة عليها، وحرمانها من التزوج بغيره أطول مدة يستطيعها. وهكذا كان يفعل أهل الجاهلية.

وقد حرم الله هذه المضارَّة للمرأة في محكم كتابه، بأسلوب ترعد منه الصدور، وتَوجَل القلوب. قال تعالى: ((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)).

وبالتأمل في هذه الآية الكريمة، نجدها قد اشتملت على سبع فقرات، فيها تحذير بعد تحذير، وتذكير يتلوه تذكير، ووعيد على إثر وعيد، وكفى بذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

المصادر والمراجع

وللاستزادة حول الموضوع، يمكن الرجوع للمصادر والمراجع التالية:

  • الحلال والحرام في الإسلام – للدكتور يوسف القرضاوي.
  • تربية الأولاد في الإسلام – لعبد الله ناصح علوان.
جميع الحقوق محفوظة 2024 © سبيلي