المختصر المفيد في عقيدة التّوحيد

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب

         الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيد السادات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أهل المكرمات، وعلى من سار على نهجهم وتمسك بهديهم حتى الممات، وبعد،

فهذا مؤلَف متواضع أسميته (المختصر المفيد في عقيدة التوحيد)، وقد وضعته لطلبة العلم؛ ليكون مقدمة بين أيديهم لكتب التوحيد والعقيدة التي تزخر بها مكتبتنا الإسلامية، والغرض من هذا المؤلَف كما يقول شمس الدين البابلي المتوفى عام 1077م: “لا يؤلف أحد كتاباً إلا في أحد أقسام سبعة، وهي:

إمّا أن يؤلف من شيء لم يسبق إليه فيخترعه

أو شيء ناقص يتمّه.

أو شيء مستغلق يشرحه.

أو طويل يختصره، دون أن يخلّ بشيء من معانيه.

أو شيء مختلط يرتبّه.

أو شيء أخطأ فيه مصنّفه يُبيّنه.

أو شيء مفرّق يجمعه.”

ولعلي حاولت إدراك جُلّ غايات التأليف هذه في هذا المؤلَف، حيث دفعني لتأليفه وجمعه، ما وجدته في بطون كتب التوحيد القيّمة التي اطلعت عليها؛ لتحضير مادة علمية وافية في هذا المجال، فوجدت طويلاً يحتاج إختصاراً دون إخلال، وصعباً يحتاج شرحاً وتبسيطاً ومتفرقات قيمّة هنا وهناك، فأحببت أن أجمعها كلها في كتاب واحد، محافظاً على غايته الأساسية، أن يكون مختصراً لا إطناب فيه؛ ليسهل على طلبة العلم الاطلاع عليه والاستفادة منه قبل الشروع في دراسة كتب التوحيد وعلم العقيدة التي تركها لنا سادتنا العلماء ممن سبق جزاهم الله عنّا كل خيرا، وهو جهد متواضع، وبضاعةٌ مزجاة تحتمل التقصير والخطأ فأستغفر الله تعالى من كل خطأ، وأسأله تعالى أن يعصمنا بعصمته ويسدد خطانا ويلهمنا الرشاد ويبارك في هذا العمل، وأن يجعله مقبولاً عنده، خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبل ممن ساعد على طباعته وإخراجه، إنه سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.

الباب الأول:

مدخل إلى دراسة العقيدة الإسلامية

(بحوث تمهيدية)

الفصل الأول:

مبادئ العلم

قالوا:

إن مبادئ كل فن عشرة           الحد والموضوع ثم الثمرة

وفضله ونسبه والواضع     والاسم والاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى      ومن درى الجميع حاز الشرفا

فالحد -أي تعريف علم التوحيد- لغة: العلم بأن الشيء واحد.

وشرعاً: هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته، والتصديق بها ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً.

وبمعنى الفن المدون: علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية من أدلتها اليقينية.

موضوعه: ذات الله سبحانه من حيث ما يجب له، وما يستحيل عليه، وما يجوز، وذات الرسل كذلك، والسمعيات من حيث اعتقادها.

ثمرته: معرفة الله تعالى بالبراهين القطعية، والفوز بالسعادة الأبدية.

فضله: إنه أشرف العلوم لكونه متعلقاً بذاته تعالى، وذات رسله، وما يتبع ذلك.

نسبته: أنه أصل العلوم وما سواه فرع.

واضعه: أبو الحسن الأشعري، وهو علي بن إسماعيل المتوفى سنة 324هـ، ومن تبعه.

وأبو منصور الماتريدي، وهو محمد بن محمد المتوفى سنة 333هـ، ومن تبعه.

اسمه: علم التوحيد، ويسمى علم الكلام.

حيث قيل إنه سمي بذلك لكثرة الكلام في المناظرات التي تجري في مسائله، وقيل إن صفة الكلام لما كثر الخلاف فيها نسب هذا الفن إليها.

استمداده: من الأدلة العقلية والنقلية.

حيث الأدلة النقلية كالآيات القرآنية، وهي كقوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).

وقوله: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ).

أما الأدلة العقلية فهي كالتي سنراها في أبحاث الصفات، كالدليل على وجود الله وعلى قدرته.

حكم الشارع فيه: الوجوب العيني على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى.

مسائله: قضاياه الباحثة عن الواجبات والجائزات والمستحيلات.

الفصل الثاني:

معنى العقيدة

وحاجة الإنسان إلى العقيدة الدينية وآثارهما في حياته

معنى العقيدة:

هي الأفكار والأمور التي يؤمن بها الإنسان إيماناً يقينياً لا يمازجه ريب أو ظن ولا يخالطه شك أو وهم، والتي تحل في قلبه وضميره فتحرك عواطفه وتنعكس على تصرفاته وسلوكه وتتمكن في نفسه بحيث يتعذر نزعها منه بسهولة.

وبناءً على هذا التعريف نستنج أمرين:

  • الأول: أنه لا يشترط أن تكون العقيدة صحيحة لتسمى عقيدة، ولكن قد تكون العقيدة صالحة فتوصف بالصلاح والصحة، وقد تكون غير صالحة فتوصف بأنها عقيدة فاسدة.
  • الثاني: أن كلمة العقيدة لا تطلق على صنوف العلوم والمعارف التي ندركها عن طريق الحواس أو الفكر ما لم تصبح هذه العلوم مفاهيم ثابتة راسخة في النفس مع طمأنينة القلب إليها وتأثر العواطف بها.

حاجة الإنسان إلى العقيدة الدينية وآثارها:

 

  • إن الدين حاجة فطرية مركوزة في أعماق كل نفس بشرية، ومخلوطة بدمه وعصبه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الإيمان بالله فطري ضروري، وهو أشد رسوخاً في النفس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين)، ويقول العقاد: (وفي الطبع الإنساني جوع إلى الدين كجوع المعدة إلى الطعام)، ويقول المفكّر الغربي المعروف “رينان”: (من الممكن أن يضمحل كل شيء، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين)، ويقول هنري برغسون: (لقد وجدت جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد جماعات بدون ديانة)، ويقول فيكتور فرانكل: (إن الحاجة إلى التدين عنصر دفين في النفس البشرية).
  • إن النفس الإنسانية تستقر فيها منازع الشر مثلما تتأصل فيها منازع الخير، فكان الإنسان بحكم جبلته هذه مفتقراً أشد الإفتقار إلى ما يفوق أو يغلب منازع الخير فيه، لكيلا تتحكم فيه نفسه فتطغى عليها غرائز الدنيا.
  • إن الإنسان لا يستطيع بما يتوفر لديه من مصادر المعرفة وبما أوتي من ملكات وقدرات وقوى أن يحكم على الأمور بالخير أوالشر، فالعقل البشري لايستطيع مهما سما ورقى أن يستقل استقلالاً تاماً بمعرفة كل ما يتصل بالله أو سواه من العقائد أو بمعرفة الخير والشر، لذا فإن العقل البشري لا يصلح مصدراً لترجيح عوامل الخير، وإن تطوره وتغييّر أحكامه دليل عجزه ونقصه.

وفي هذا المعنى يقول الشيخ الشعراوي: (ولكن الفكر البشري الذي نراه يتطور في ترقيه يدل على أن الفكر في ذاته غير صالح لإدراك حقائق الخير دفعة واحدة، ولو كان الفكر البشري صالحاً لإدراك حقائق الخير دفعة واحدة لما استدرك فكر على فكر ولما جاء فكر لينسخ فكر ولما جاء مبدأ ليهدم مبدأ، ثم إن العلوم والمعارف التي هي نتاج التجربة والمشاهدة الحسية لا تصلح مرجعاً لوضع منهج للبشر).

أما على الصعيد الفردي فتظهر أهمية العقيدة الدينية:

  • إن العقيدة – لا سيما عقيدة التوحيد – عامل ضروري لتكميل القوة النظرية (الطاقة العقلية) في الإنسان، تخرجه من إطار الماديات والمحسوسات إلى مجال الكون الفسيح ليجد متعته، إذ تمنحه الإجابة الشافية على أسئلته الأساسية ومشكلاته الكبرى، فتعرفه من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب؟ وماذا هو واجد هناك؟
  • إن العقيدة الدينية عامل أساسي لتكميل قوة الوجدان (الطاقة العاطفية)، إذ أن النزعة الروحية عند الإنسان وشعوره النفسي والوجداني لا يمكن تلبيتهما أو إشباعهما إلا من خلال العقيدة.
  • والعقيدة أيضًأ عنصر ضروري لتكميل قوة الإرادة عند الإنسان، إذ تمده بأعظم البواعث والدوافع لعمل الواجب، وتدرعه بأقوى الوسائل لمقاومة اليأس والقنوط.
  • إن العقيدة الدينية عنصر ضروري لتهذيب المشاعر والميول النفسية وضبط الغرائز وتوجيهها للارتقاء بها نحو المثل الأعلى.
  • إن العقيدة الدينية عنصر ضروري لتحرير الإنسان تحريراً وجدانياً مطلقاً من أية عبودية إلا لله.

إذ أن الخوف على الحياة والخوف على الرزق وهما الأمران اللذان يقهران إرادة الإنسان رُبطا في العقيدة بمشيئة الله تعالى المطلقة.

أما على الصعيد الاجتماعي:

 

  • ضمان احترام التشريع أو القانون الذي لا بد منه لتنظيم علاقات الافراد في المجتمع، وعمل الناس على الالتزام بأحكامه وتنفيذها دون خداع أو مماراة أو تقاعس.

وليس على وجه الأرض قوة تكافىء قوة الإيمان (العقيدة) أو تدانيها في كفالة احترام القانون وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه.

  • توفير عوامل السعادة والأمن والسلام والاستقرار للمجتمع الانساني، وهي السبيل الأمثل لمقاومة الفساد والانحراف ولصد دواعي الشر والهوى وطغيانهما.
  • وأخيراً، فهناك وظيفة إيجابية أعمق أثراً في كيان الجماعة، وذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والود والتراحم لا يعادله رباط.

وهكذا تبدو العقيدة الدينية، حاجة من حاجات النفس الانسانية في مختلف ملكاتها العقلية والوجدانية وعلى كل أحوالها.

الفصل الثالث:

طرق ثبوت العقيدة في النفوس

ومنهج المسلمين في البحث عن الحقيقة

لعل لثبوت العقيدة بشكل عام والعقيدة الإسلامية بشكل خاص طرقاً عدة، منها:

  • الحواس:

وتعتبر مصدر من مصادر المعرفة اليقينية، فما تدركه الحواس لا شك أنه موجود، مثال ذلك اعتقادنا بوجود أنفسنا، وبوجود الأرض من تحتنا، وبوجود السماء من فوقنا، وأعتقادنا بأن النار محرقة، والشمس مضيئة، وإلى غير ذلك.

على أنه إذا كان للحواس دور مهم في نقل الحقائق إلينا، فإنه ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن قدرة الحواس على الوصول إلى المعرفة محدودة، فحاسة البصر محدودة في رؤية الأشياء، فهي ترى الألوان مثلاً لكنها تقف عند حد معيّن، فلا ترى الطيف الضوئي، ولا ترى أشعة تحت الأحمر، ولا ما فوق البنفسجي، وهي تخطىء أحياناً، كذلك حاسة السمع تسمع الأصوات، لكنها لا تسمع إلا ما وقع تواتره بين حدين معينين.

ونحن بهذه الحقيقة نرد على الماديين الذين يعتمدون على الحس فقط في المعرفة، ولا يؤمنون إلا بما تراه عيونهم أو يقع تحت حواسهم، إذ يقال لهم: إن الحواس قد تخدع أو تخطىء وليس كل ما لا يحس غير موجود.

  • العقل:

مصدر رئيسي للمعرفة عن طريق النظر والقياس، مثال ذلك: كثير من علومنا ومعارفنا التي نعتقد بها اعتقاداً جازماً وهي من العلوم التي توصلنا إليها عن طريق الاستنتاج بمسلك منطقي رياضي، كالعلم بأن زوايا المثلث تساوي قائمتين، وأن الخطين المتوازيين لا يلتقيان ما داما متوازيين.

غير أنه ينبغي ألا يفوتنا ونحن نتحدث عن العقل كطريق للمعرفة أن نذكر أن عقل الإنسان محدود المجال والقدرة، لذلك فإنه من الظلم والعبث أن نحمّل العقل ما لا يطيق ونجعله حكماً على حقائق لا يدركها؛ لأن له حدوداً يجب أن يقف عندها، ولهذا وجّهنا النبي لتجنب الخوض في مجالات معينة قد لا يستطيع العقل الإحاطة بها، فقال: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا).

  • الخبر الصادق:

فكلنا يعلم أن هناك أشياء ما شاهدناه ولا أحسسنا بها ولكننا نوقن بوجودها كما نوقن بوجود ما نشاهده ونحس به، مثلاً نوقن بوجود البرازيل والهند ولم نزرهما ولم نراهما، ولا نستطيع بطريق العقل إثبات وجودهما، فالأخبار المتواترة تفيدنا بالعلم اليقين.

وأما طرق ثبوت العقيدة الإسلامية :

فقد اتفق العلماء على أن الوصول إلى العلم الجازم الذي يورث اليقين في أمور العقيدة الإسلامية لا يحصل الإنسان عليه إلا عن طريق الدليل الواضح والبرهان القاطع، وأما طريق هذا الدليل فهو العقل والنقل.

  • الدليل العقلي: فهو الذي سلمت مقدماته، وانتهت في أحكامها إلى الحس أو الضرورة فهذا يفيد اليقين ويحقق الإيمان المطلوب.
  • الدليل النقلي: فانقسم العلماء إلى فريقين منهم من يرى أنه لا يفيد اليقين ولا يحصل به الإيمان المطلوب ولا يثبت به وحده العقيدة.

والذين ذهبوا إلى أن الدليل النقلي يفيد اليقين ويثبت العقيدة شرطوا فيه أن يكون قطعياً في وروده كالقرآن الكريم والحديث الشريف المتواتر، قطعياً في دلالته بأن يكون محكماً في معناه لا يقبل التأويل، فثمة أمر خطير في حياة المسلمين دفعهم إلى الالتزام بمنهج علمي دقيق في البحث لإدراك الحقائق.

في القرآن الكريم ثلاث آيات تحدد ملامح المنهج الإسلامي:

  • الأولى: أمر بالتثبت من كل خبر ومن كل أمرٍ قبل الحكم عليه أو اعتقاده أو اقتفاؤه، قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).
  • الثانية: نهي عن اتباع الظن، قال تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ).
  • الثالثة: نهي عن التقليد، حين ذمَ الله الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ).

ولقد صاغ المسلمون منهجهم العلمي هذا على قاعدة عظيمة، وهي “إن كنت ناقلاً فالصحة أو مدعياً فالدليل”، فأما المنهج الذي وضعه علماء الإسلام لتحقيق النسبة بين الخبر ومصدره، فإن العلماء المسلمين قد اشترطوا للتحقق من حتمية صدق الخبر وكونه طريقًا للوصول إلى الحقيقة شرطين اثنين:

  • أن يكون مصدر الخبر موثوقًا به مقطوعاً بأنه أهل لأن يكون مصدراً له، وأن يرد الخبر على لسان الرسول المعصوم من الكذب وسائر المعاصي، أو أن يرد عن جماعة من الناس يستحيل عقلاً تواطؤهم على الكذب.
  • أن يكون السبيل إلى ذلك المصدر سنداً من الرواة المتصلين بلغ درجة الصحة، ثم تجاوزها إلى درجة التواتر.
  • الصحة في السند: تعني أن يكون رواة الخبر سلسلة موصولة الحلقات إلى مصدره الأخير وان يكون جميع الرواة ممن عرفوا بالصدق والضبط والحفظ والوعي.
  • التواتر: فهو أن تكون كل حلقة في سلسلة الرواة جماعة كثيرة بحيث يحيل العقل إمكان اتفاقهم على الكذب ويكون مستندهم في كل حلقة الحس من سماع أو مشاهدة.

فإذا اجتمع في الخبر هذان الشرطان: تواتر السند وتوافر الصدق والثقة بمصدره فضلاً عن شرط قطعية الدلالة التي ذكرنا، فإن مضمون الخبر يصبح عنئذ حقيقة علمية تورث اليقين ويعتد بها في بناء العقيدة، وإن تدنى الخبر عن مرتبة الصحيح بسقوط حلقة من سلسلة الرواة بسبب الجهل به، أو عدم الوثوق بعدالته، أو عدم اليقين بحفظه وضبطه، أو بأن كان متن الخبر شاذاً بالنسبة للمقبول من غيره، امتنع أيضاً اعتماده وقبوله حتى في الاحكام الشرعية العلمية.

وقد وضع علماء الإسلام لمعرفة الخبر الصحيح من غيره فنوناً عديدة خاصة لم يعثر عليها التاريخ إلا في المكتبة الإسلامية وهي: فن مصطلح الحديث، وفن الجرح والتعديل، وفن تراجم الرجال، حيث تلتقي هذه الفنون الثلاثة على وضع ميزان دقيق لتحقيق النسبة بين الخبر ومصدره.

الفصل الرابع:

من هم المعتزلة ؟

ومن هم الاشاعرة ؟ وما الفرق بينهما؟

 

لمحة تاريخية:

 

  • بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، كانت الخلافة الراشدة والتي استمرت حتى عام 40هـ، وانتهت باستشهاد سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
  • ثم انتقلت حاضرة الخلافة إلى الشام في عهد دولة بني أمية التي أسسها سيدنا معاوية رضي الله عنه.
  • في عام 80هـ، وُلد في المدينة المنورة (واصل بن عطاء)، ترك المدينة وهاجر إلى البصرة حيث التحق بمجلس الحسن البصري رحمه الله.
  • بعد خمس سنوات اختلف مع استاذه في مسائل، فاعتزل مجلسه، وفيه قال الحسن البصري: اعتزلنا واصل، ومنه كانت المعتزلة.

فالمعتزلة مذهب فكري يعتبر القرآن وحده مصدر التشريع، وأن الأحاديث لا يمكن الأخذ بها (خاصة أنه لم تكن كتب الحديث قد ظهرت بعد كمصنّفات)، وأن الصحابة ليسوا عدول، وبالتالي لا يؤخذ عنهم بسبب ما وقع منهم في الفتنة بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهم جميعا، كما أضافوا مصدراً أساسياً للتشريع وهو (العقل).

فقالوا أن العقل وحده قادر على التمييز بين الحلال والحرام والقبيح والحسن حتى دون نص، وأن الشريعة يجب أن تكون كلها عقلية.

وبذلك تصدّروا مذهبا جديداً مقره العراق، يمجد العقل على حساب النص، ليتصدى لهم أهل الحديث ومقرهم الحجاز، الذين حاولوا التمسك بالنص.

وبقيت المعتزلة طائفة من طوائف المسلمين، لا تملك نفوذأ سياسياً، ولا سلطةَ حتى وَلي المأمون بن الرشيد، الذي كان عقله عقلاً فلسفياً، حُراً في تفكيره، مع التقيد بأصول الدين، فقرّب المعتزلة منه وأصبحوا ذوي نفوذ في القصر، وكان أظهرهم ثُمامة بن الأشرس، وأحمد بن أبي دُؤاد، وكان المأمون – مع قوة شخصيته – يتأثر برأي من حوله.

وهكذا أصبَحَ المعتزلةُ أصحاب حَوْل وطَوْل في الدولة العباسية، وأصبح الاعتزال مذهباً رسمياً يتبنّاه قاضي القضاة، أحمد بن أبي دُؤاد، ويحميه الخليفةُ العباسي، ويَدينُ له أصحاب المناصب والجاه والنفوذِ في المملكة وانتشرت المعتزلة في العالم الإسلامي وراقت الكثيرين من المفكّرين، أمثال الجاحظ والكثير من الوزراء والأمراء حتى اعتنقها المأمون نفسه (خليفة المسلمين وأمير المؤمنين)، والذي أراد حمل الناس عليها بعد ذلك، فظهر في عصره ما عرف بفتنة (خلق القرآن) وذلك قرابة عام 215هـ.

كانت مسألة خلق القرآن هي المسألة الحاسمة التي يَصِحُّ أن تُصبح مقياساً للخضوع والاعتزال والتديُّن بمذهبه، وجعلوها فارقاً بين الإيمان والكفر، وشعاراً للتوحيد، وشرطاً لصحة العقيدة.

وقد أَلحَّ المعتزلةُ على تسمية القرآن بالمخلوق، لأنهم يرون أن الله هو وحده القديم، وكل ما عداه فهو مُحدَث ومخلوق.

أنكر المحدّثون هذا التعبير المحدَث، وألحُّوا على أن يسموه القديم، واستشعنَوا أن يُسمُّوه المخلوق، وقالوا: (القرآن كلامُ الله، لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وإثارة هذه المسألة بدعة، لم يَقُلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته)، أما المعتزلة فرأوا أن المطالبة بهذه العقيدة فرضٌ مُحتَّمٌ، لا يصحُّ العدول عنه.

ولأن خليفة المسلمين واجبٌ عليه حفظ الدين وإقامته، فأمرَ بجمع الناس وامتحانِهم في هذه العقيدة، وعزل كل من لا يوافق عليها ولا يدين بها، وهكذا بَدأتْ هذه الفتنةُ التي تسمَّى في التاريخ بالمحنة، وكان ذلك قبل وفاة المأمون بأربعة أشهر.

لقد ضَعُفَ شأنُ المعتزلة على أثر وفاة المعتصم والواثق – اللذين تبنَّيا حركة الاعتزال واحتضناها – وجاء المتوكل بعد الواثق، وهو ناقمٌ على الاعتزال مُناوئٌ للمعتزلة، وقد تتبَّع المعتزلة فأقصاهم من مناصب الحكومة الخطيرة؛ ولكن رغم ذلك كله ظلَّ المعتزلة يسيطرون على الأوساط العلمية.

فقد كان للمعتزلة عقائدُ ونظرياتٌ لا تزال جديدةً تشغَل العقول، وخضع لذكائهم وحدة نظرهم كثيرٌ من الشباب المثقَّف الذكي، وأصبحَ شبه المقرّر عندهم أن المعتزلة يمتازون بدقَّة النظر، واتّساع الفكر والتحقيق، وقد صار كثيرٌ من طلبة العلم الشباب يُحبُّون الظهور والتفوُّقَ على الأقران، يُظهرون الاعتزال تظرُّفاً.

وقد صار هؤلاء المتفلسفون يعبثون بتفسير القرآن وعقائد الإسلام، تتحكَّم فيهما أهواؤهم وعُقولهم، ويُصرِفونها كيف يشاؤون.

لقد كان الإسلامُ يومئذ في حاجة إلى شخصية قوية تُفوق المعتزلة في مواهبها العقلية وفي مُستواها العلمي، إلى رجل لم يُلمَّ بالعلوم العقلية إلماماً فحسب بل نزلَ في أحشائها، ورسَب في أعماقها، ووجدت هذه الشخصية المطلوبة في:

أبو الحسن الأشعري:

هو أبو الحَسن علي بن إسماعيل، من ذرية أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد في البصرة عام 270هـ، تزوجت أمه – بعد وفاة أبيه إسماعيل – بأبي علي الجبَّائي (شيخ المعتزلة في عصره، وحامل راية الاعتزال)، ونشأ أبو الحسن في حِجره، وتلقَّى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته وأمين سرِه.

وكان أبو عليّ الجبَّائيُّ صاحب تصنيف وقلم، وكان إذا دهمه الحضور في المجالس يبعث الأشعري، ويقول له: نُبْ عنّي، ولم يزل على ذلك زماناً حتى تصدَّر المعتزلةَ، وأصبح يُشار إليه بالبنَان، وكان كل شيء في حياته يدل على أنه سيكون خليفةَ شيخه ومربّيه – أبي علي الجبائي -.

لم يزّلْ أبو الحسن يتزعَّم المعتزلةَ ويُدافع عنهم، وظل على ذلك أربعين سنة، حتى ثار عقلُه الكبير، ونفسُه القلقة، على مذهب الاعتزال الذي كان يُنافح عنه، ونشأ في نفسه ردُّ فعل ضدَّ تأويلات المعتزلة وإمعانِهم في القياس وتحكيم العقل.

واقتنع بأن الحق الصريح هو الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، وسلَف هذه الامة، وحدث في أبي الحسن الأشعري هذه الصراعُ النفسي، فاعتكفَ في بيته خمسةَ عشر يوماً يَفكر ويتأمل ويدرس، ويستخير الله حتى اطمأنتْ نفسُه، واستقر رأيُه، ورأى أنه لا يسَعُه إلا الإعلانُ بالبَراءة عن الاعتزال، فخرج إلى المسجد الجامع بالبصرة، ورقيَ كرسياً، ونادي بأعلى صوته: من عرَفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه بنفسي، أنا فلان ابن فلان، كنتُ أقول بخلقِ القرآن وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائبٌ مُقِلعٌ معتقد للرد على المعتزلة، مُخِرجٌ لفضائحهم ومعائبهم، ومن ذلك اليوم انقلبَ أبو الحسن – لسانُ المعتزلة من قبل – إلى الدفاع عن السُّنة ومذهبِ السلف.

نهَضَ أبو الحسن الأشعري يدعو إلى عقيدة أهل السنَّة، ويَردُّ على المعتزلة، ويتَّبعهم في مجالسهم ومراكزهم، وكان يقصدهم بنفسه يناظرُهم، وقيل له: كيف تُخالط أهل البدع وتَقصِدُهم بنفسك وقد أَمرتَ بهجرهم؟ فقال: هم أولو رياسة، منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا يَنزلون إليَّ، فإذا كانوا هم لا ينزلون إلي، ولا أسير أنا إليهم، فكيف يَظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنة ناصراً بالحجة؟

وقد اكتسب أبو الحسن مَلَكَةً قويةً ومِراناً على البحث والاستدلال، وكان صاحب موهبة وقريحة في المناظرة والاستدلال، شديدَ المعارضة قويَّ الحُجَّة، وكان يردُّ على حُجَج المعتزلة كما يرد الأستاذ الكبير على شُبَهِ تلاميذه، فكانوا يتسآلون بكم لساناً وأُذناً وعيناً له؟!

وقد خضع كلُّ من جاء بعده من المتكلمين لعبقريته، وعُمق كلامه، ودِقة نظره، وإصابةِ فكره، رُوي عن الإمام أبي الحسن الباهِلي – وهو إمامٌ من أئمة الكلام – أنه قال: (كنتُ أنا في جنب الشيخ الأشعري كقطرةٍ في جنب البحر)، وقد قال الإمام أبو بكر البَاقلاني – وهو الذي لُقّب بلسان الأمة – وقد قيل له: كلامُك أفضل وأبينُ من كلام أبي الحسن الأشعري – رحمه الله -، قال: (إن أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن – رحمه الله -).

إن سر عظمته وعبقريته في أنه اتخذ طريقاً وسطاً بين المعتزلة والمحدّثين؛ فلم يذهب كما ذهب المعتزلة إلى تمجيد العقل، ولم ير أن الانتصار للدين والدفاع عن العقيدة الإسلامية يستلزمان إنكار العقل وقوته – إلى حد ما – وازدراءَه، وعمل بالكلمة الحكيمة المأثورة (كلّموا الناس على قدر عقولهم، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟).

وبذلك خدم أبو الحسن هذا الدين في عصره خدمة باهرة، وأعاد إلى نفوسٍ وعقولٍ كثيرةٍ لا يعلم عددها إلا الله الثقةَ بهذا الدين، والإيمانَ به من جديد، ولقد كان أبو الحسن الأشعري جريئاً وصريحاً في نقدِه للمعتزلة، وقد بين أنهم اتبعوا أهواءهم في فهم هذا الدين، وقلَّدوا رؤساءهم وسلَفهم تقليداً أعمى.

يقول في كتاب “الإبانة عن أصول الدين”، وهو أول ما صنَّفه بعد الخروج من الاعتزال: (أما بعد، فأن من الزائغين عن الحق من المعتزلة، وأهل القدَر، من مالتْ بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم؛ فتأوَّلوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم يُنزل الله به سلطاناً، ولا أوضحَ به بُرهاناً، ولا نقلوه عن رسول الله رب العالمين، ولا عن السلف المتقدّمين).

إن عبقريّته تتجلَّى في أنه أقام البراهين والدلائل العقلية والكلاميةً على هذه العقائد، وناقش المعتزلة والمتفلسفة عقيدة عقيدة، وذلك كلُّه في لغةٍ يفهمونها، وأسلوب يألفونه ويُجلُّونه، واستُهدف كذلك لعتاب الحنابلة المتشدّدين الذين كانوا يرون الخوض في هذه المباحث والمناقشات ضرباً من الزيغ والضلال، وكان يرى أن السكوتَ عن هذه المباحث يضرُّ بالإسلام، وكان هذا هو مفترق الطرق بينه وبين كثير من الحنابلة والمحدّثين الذين كانوا يتأثَّمون ويتحرَّجون من النزول إلى هذا المستوى.

كان يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يسكتوا عن هذه المسائل جهلاً، بل لأن هذه المباحث ما نشأت في عصرهم، ولم تمسَّ الحاجة إلى البحث فيها شأن الفقه والجزئيات الكثيرةَ التي حدثتْ بعد عصرهم، كذلك يجبُ على حراس الشريعة، ومتكلَمي أهل السنة، أن يُواجهوا الأسئلة الجديدة التي أثارها المعتزلةُ والمتفلسفة في موضوع الإلهيات، ويُقيموا الدليل والبرهان العقلي على صحةِ عقائدِ أهل السنة ومُطابقتها للعقل والمنطق، وقد ألف في هذه الموضوع رسالةً أسماها “استحسان الخَوْضِ في الكلام”.

وقد استطاع بعمله المتواصل، وشخصيَّته القوية، وعقله الكبير، وإخلاصه النادر، أن يردَّ سيل الاعتزال والتفلسف الجارف الذي كان يهدَّد الدين، فتعرضت حركة الاعتزال ودعوتُها للخطر، وقد خمدوا وانطفؤوا بمعارضةِ إمام كبير، كأبي الحسن الأشعري، يقول أبو بكر بن الصّيرفي: (كان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم، حتى أظهرَ اللهُ تعالى الأشعري، فحجزَهم في أقماع السُّمسم).

ولم يَقتصِرْ أبو الحسن الأشعري على المُناظرة والمعارضة، بل خلَّف مكتبة كبيرةً من مؤلفاته في الدفاع عن السنة، وشرح العقيدة الحسنة، وقد ألَّفَ تفسيراً للقرآن، أقل ما قيل في أجزائه أنه في ثلاثين مجلَّداً، وقد ذكر بعض المؤلّفين أن مؤلفاته تبلغُ إلى ثلاثمئة مؤلف، منها كتاب “الفصول”، وهوكتاب كبير يحتوي على اثني عشر كتاباً، وكتاب “اللمع”، وكتاب “إيضاح البرهان”، وكتاب “التبيين عن أصول الدين”، وكتاب “الشرح والتفصيل في الردّ على أهل الإفك والتضليل”، وكتاب “القياس”، وكتاب “الاجتهاد”، وكتاب “خبر الواحد”، وكتاب في الرد على ابن الراونديّ في إنكاره للتواتر، وكثير من هذه الكتب تقع في عشرة مجلدات أو أكثر.

لم يكن أبو الحسن الأشعري رجلَ علمٍ وعَقْلٍ وبحْثٍ ونظرٍ فحسب؛ بل كان مجتهداً في العبادات، متحلياً بالأخلاق الفاضلة، وذلك ما يمتاز به العلماء الأقدمون؛ فقد كانوا يَجمعون بين الدراسة والإفادة، والعبادة والزهادة، قال أحمد بن علي الفقيه: (خَدمتُ الإمام أبا الحسن بالبصرة سنين، وعاشرته ببغدادِ إلى أن توفي رحمه الله فلم أجد أروعَ منه، ولا أغضَّ طرفاً؛ ولم أرَ شيخاً أكثر حياءً منه في أمور الدنيا، ولا أنشطَ منه في أمور الآخرة).

ويحكي أبو الحسن السَّروري عن عبادته في الليل واشتغاله، ما يدل على حِرصه وقوتِه في العبادة، وقال ابن خَلّكان: (وكان يأكل من غَلَّةِ ضيعةٍ وقفَها بلالُ بن أبي بُردة بن أبي موسى على عَقبهِ، وكانت نفقتُه في كل يوم سبعةَ عشر درهماً).

وكانت وفاته سنة 324هـ، ودُفن في بغداد في مشروع الزوايا، ونُودي على جنازته: (اليوم مات ناصرُ السنَّة).

وقد نَهَضَ في نفس ذلك العصر، في طَرفٍ آخر من أطراف العالم الإسلامي فيما وراء النهر إمامٌ آخر من أئمة الكلام، والمدافعين عن عقيدة الإسلام، وهو:

أبو مَنصور الماتُرِيْدِيُّ:

هو الإمام أبو مَنصور الماتُرِيْدِيُّ، توفي سنة 332هـ، وكان راجح العقل، مُتَّزنَ الفكر، حصيفاً، وقد تناول علمَ الكلام بالتهذيب والتنقيح؛ حتى أصبحَ أكثر توسطاً واعتدالاً، وقد كان الخلاف بينه وبين الأشعري جزئياً ومحدوداً، والمسائلُ التي خالفَ فيها الماتريديُّ الأشعريَّ لا تزيد عن أربعينَ مسألة؛ الخلافُ في معظمها لفظيٌ.

وكان الماتريديُّ مؤلّفاً كبيراً، وله مؤلَّفاتٌ عظيمة في الردّ على الرافضة والقرامطة، وكتابه ” تأويلات القرآن “، كتابٌ عظيم يدل على نبوغه وذكائه الباهر، ورسُوخه في العلم، وقد نشأ في مدرسة أبي الحسن الأشعري الفكرية علماءُ فحولٌ، ومُتكلّمونَ كبارٌ خضع لعلمهم ونفوذهم العالمُ الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وقد نبغ في القرن الرابع علماءُ كبارٌ، طبقت شهرتُهم الآفاق، أمثال: القاضي أبي بكر البَاقلَّاني (ت403هـ)، والشيخ أبي إسحاق الإسْفِرَائِيني (ت418هـ).

وقد كان في القرن الخامس العلامة أبي إسحاق الشيرازي (ت476هـ)، وإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجُوَيني (ت478هـ).

فقد كان عند وصول أبي إسحاق الشيرازي إلى بلاد العجم يَخرج أهلها بنسائهم وأولادهم، فيمسحون أردَانه، ويأخذُون تُراب نعليه، ويَستشفون به، أما لإمام الحرمين فقد بُنيتْ له المدرسة النظامية بمدينة نيسابور، وتولى الخطابة بها، وحضرَ دروسَه الأكابر من الأئمة، وأُغلقت الأسواق يوم موته.

وكان هناك أيضاً المدرسة النظامية في بغداد (أكبر جامعة إسلامية في العالم الإسلامي)، التي انتشر بها وبواسطتها المذهب الأشعري.

الانحطاطُ في علْمِ الكلام، وازْدهارُ الفَلسفة البَاطنية والحَاجةُ إلى مُتكلّمٍ جديد

لقد استطاع أبو الحسن الأشعري، بشخصيته القوية، وعقلِه الكبير وابتكاره، أن يهزم المعتزلة في مُعترك العلم والعقل، ويُغير اتجاه الطبقة المثقّفة في عصره.

وقد انتقلت إلى العربية كتبٌ كثيرةٌ في المنطق والفلسفة، من السريانية واليونانية والفارسية، وكان فيها كتُب المنطق، وكتبٌ في الطبيعيات والعنصريات والرياضيات، وهي كتبٌ وعلوم يحسُن الانتفاع بها. ولا يُخاف منها على العقيدة الإسلامية؛ إذ لا صلة لها بالديانات والشرائع، وفيها كُتب في الإلهيات والميتافيزيقا.

لقد كانت هذه الأمةُ في غنىً عن الاشتغال بهذه الفلسفة، وكانوا يجهلون اللغات التي أُلّفت فيها هذه الكتب، ودُوّنت فيها هذه الأفكار، وكانوا غير قادرين على الانتفاع بالمصادر الأصلية مباشرة؛ فكانوا عيالاً على من ينقلها لهم من السّريانية واليونانية، ووقعُوا في أخطاء وأوهام في فهم مقاصد المؤلفين والفلاسفة اليونانيين.

ونشأت مع الفلسفة وازدهارها فتنة جديدة كانت أضر على الإسلام وتعاليم النبوءة من الفلسفة، تلك هي فتنةُ الباطنية، وقد شعر هؤلاء أن الإسلام – وهو لا يزال قوياً – لا يُهزم في ميدان الحرب، وأن المسلمين – وهم أصحاب عاطفة دينية قوية – لا تَصحُّ دعوتهم إلى الإلحاد السافر، والكُفر البواح؛ فإن هذا يُشعلُ عاطفتهم الدينية ويُلهبُ غيرتَهم.

لذلك أدرك الباطنيةُ بذكائهم، أن هناك صلة قائمة بين الكلمات والمصطلحات الدينية ومعانيها، فإذا انقطعتْ هذه الصلة، وأصبحتِ الكلمات لا تدلُّ على معنىً خاصٍ ومفهوم معين، ستَعِمُ الفوضى العقلية والدينية، وهذا ما يريدون، ومنه يدخلون، فقد قالوا: أن لكل لفظ ومعنى شرعي ظاهراً وباطناً – والباطن هو اللُّب – واسترسلوا في تقرير بواطن المصطلحات الشرعية المتواترة المعنى حسب أهوائهم، فيقولون للشرائع باطنٌ لا يعرفه إلا الإمامُ، ومن ينَوبُ منابه.

  • فمعنى الغُسل: تجديد العهد عليه.
  • والزِنى: إلقاء العلم في سمع من لم يعاهده.
  • والطَّهور: التبرؤ من كلّ مذهب خالف الباطنية.
  • والصلاة: الدعاء إلى الإمام.
  • والصوم: كتمان العلم عن أهل الظاهر.
  • والكعبة: النبي، والباب: علي.
  • والصفا: النبي، والمروة: علي.
  • والطوافُ بالبيت سبعاً: هو الطواف لمحمد إلى تمام الأئمة السبعة.
  • والطوفان: هو العِلم غرِق فيه أهل الشبه والظاهر.
  • وانفلاقُ البحر: هو افتراق عِلم موسَى على أقسام.

ولعلَّ بعض القراء الكرام يشكُّون في صحة هذه الأقوال، وكيف تصدر من عاقل؟! ويتطرَّق الشَّك إلى ناقلها لكونه من أهل السنة، فهنا نُقولٌ من كتاب “ديانتنا الإسماعيلية ونظامها” للدكتور زاهد علي (ظهر حديثاً في الهند)، مع ذكر مصادرها وهي كتب أئمة الإسماعيلية ودعاتها:

  • فتأويل لا إله إلا الله: لا إمام إلا إمامُ الزمان.
  • والوضوء: مولانا علي، والصلاة: الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • لا صلاة إلا بوضوء: يعني لا يصِحُّ الإيمان بالرسول بغير الإيمان بوصاية علي.
  • و(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ): مولانا حسن بن علي؛ لأن الله رقَّاه إلى درجة الإمامة، ثم أهبطه؛ فقد قطع من ذُريته الإمامة، و(فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ): مولانا الحسين، وحُجَّته ابنه الذي خَلفه.

لقد كان إنكار المفاهيم الدينية التي تَوارثتها الأمة، وتفسيرُ الكلمات الشرعية والمصطلحات الدينية حسب الأغراض والأهواء، باباً لتمهيد المنافقين والمُلحدين للقيام بسيادة دينية ونبوة جديدة، يتمتعون في ظِلّها بسلطانٍ روحي، وسَيطرة سياسية، وحُرية مادية، ومن أوضح أمثلتها: البهائية في إيران، والقاديانيةُ في الهند.

وقد كانت الباطنيةُ مؤسسةً على الفلسفة اللاهوتية اليونانية، وأن يجذبوا إليها كثيراً من النشأ الجديد الذي أغشاه ضوء الفلسفة وخلَع قلبه مصطلحاتُهَا المفخمة، فقد قال الدكتور زاهد علي في كتابه “ديانتنا الإسماعيلية ونظامها”: (لقد تناولنا معارف المعتزلة بشيء من التغيير، وأفرغناها في قالبنا؛ ولذلك يُقال: إن أكثر معلومات الإسماعيلية ملتقطة من المعتزلة والفلاسفة).

ويقول عبد الله بن الحسن القَيْرواني (أحد دعاة الإسماعيلية) في رسالة بعثها إلى أبي الحسن بن سعيد الجنابي (زعيم القرامطة): (ادعُ الناسَ بأن تقترب إليهم بما يميلون إليه، وأوهم كلَّ واحد منهم بأنك منهم، فمن أنسْتَ منهم رشداً فاكشف له الغطاء، وإذا ظَفرت بالفلسفي فاحتفظ به، فعلى الفلاسفة مُعوَّلنا).

وقال المستشرق دوزي عن عبد الله بن ميمون القَدَّاح (مؤسِس الدعوة الإسماعيلية): (لم يبحث ابنُ ميمون عن أنصاره الحقيقيين بين الشيعة الخُلَّص؛ ولكن بين الوثنية والوثنيين وطلاب الفلسفة اليونانية، ولم يكن يعتمدُ إلا على الطائفة الأخيرة، وإليهم وحدَهم استطاع أن يُفضي بسره وخَفيّ عقيدته، وهو: أن الأئمة والأديان والأخلاق ليستْ إلا ضلالاً وسخرية، وأن باقي البشر – أو الحُمُر كما يسمّيهم – ليسوا أهلاً لفهم هذه المبادئ؛ غير أنه، تحقيقاً لغايته، لم يَعفَّ عن مؤازرتهم؛ بل كان يلتمسُها، ويحذر في نفس الوقت من أن يَحشُد الأنفس المخلصة الطائعة إلا في المرتبة الأولى لدعوته).

وقد ساعَدَ الباطنيةَ انتشارُ الفلسفة، والاضطرابُ الفكري الذي كان يسود المجتمع الإسلامي، فقد اجتمع حولهم أناس بدوافع مختلفة وأغراض شتَّى، فمنهم من دفعته الرغبة في الأسرار والغوامض، وكثيرٌ منهم اندفع وراء إشباع الرغبات والتهام الملذات التي يُمكِّن منها الباطنية، وكثيرٌ منهم من دفعه الغضب لأهل البيت والتَّشيعُ لهم، وكانت الباطنية تنشر دعوتَها باسمهم وتدعو إليهم، لذلك أصبحت مؤسسة سِريَّة، ووُجد في الناس إقبال غريبٌ على الإلحاد والتطرف في الاعتقاد.

إخوانُ الصَّفَا:

وقد قَامتْ في العراق في القرن الرابع الهجري – وهو قرنٌ قد بلغ فيه الاضطراب الفكري والاضطراب السياسي أوجَهما – جماعةٌ سرِّية كالمَاسونية، تسمى بإخوان الصَّفاء، وكان أصحابُها متأثّرين بالأفلاطونية الحديثة، والفيثاغورية الحديثة.

ووصفهم أبو حيَّان التوحيدي في كتابه “الإمتاع والمؤانسة”: (كانت هذه العصابةُ قد تألَّفت بالعُشرة، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قرَّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله؛ وذلك أنَّهم قالوا إن الشريعة قد دُنّست بالجهالات، واختلطتْ بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، وصنَّفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة عِلْمِيّها وعَمَليِّها، وأفردوا لها فهرساً وسموها ” رسائل إخوان الصفا ” وكتموا فيها أسمائهم، وحشَوْا هذه الرسائل بالكلمات الدينية، والأمثال الشرعية).

وهذه الرسائلُ تشتمل على الطبيعيات والرياضيات والإلهيات والعقليات، وقد لاحظ ذلك أبو حيَّان، وقال: (مبثوثةٌ من فنٍ بلا إشباع ولا كفاية، وبعضها تراث الكهان، كأسرار الأعداد والتنجيم، والفالِ، والسِحر، وفيها إعداد النفوس والعقول لدولة جديدة، تقوم على إمامة أهل البيت).

وبالاختصار: إن رسائل إخوان الصفا مجموعةٌ غريبةٌ من الحكمة والديانة والشَّعوَذةِ والكَهانة والسياسة، وقد غَّرت هؤلاء نفوسُهم الطامحة، وأغرتهم بأن يجربوا التجربة (بأن رجلاً يقوم في جزيرة العرب وحيداً فقيراً أعزل، ويدعو إلى عقيدة وشريعة، فلا يلبثُ أن يكوّن أمةً، ويُكوّن دولةً، ويُكوّن حضارةً، ويُرغم التاريخ على أن يَنحو نحواً جديداً)، وعندهم الذكاء والدهاء وقوة التنظيم والعلوم والأتباع، عسى أن يُكوّنوا أمةً ودولةً وحضارة، وقد أثمرتْ جهودُهم مُؤقتاً، فكان لهم أتباعٌ وأشياع، وما لبث أن تبخَّرتْ وتلاشتْ.

الباب الثاني: تعاريف لا بدّ منها

الفصل الأول: تعاريف الأحكام وأقسامها

 

تعريف الحكم:هو إسناد أمر لآخر.

أقسام الحكم: 1 – حكم شرعي.      2- حكم عقلي.                     3- حكم عادي.

أولاً: الحكم الشرعي:

تعريفه: خطاب الله تعالى للمكلفين.

أدلته: الدليل السمعي، ولا يعرف بالعقل أو الحس.

     أقسامه      معناه     أنواعه         مثال عليه
اقتضاء فرض طلب فعل جازم واجب
غير جازم مندوب
طلب كف جازم حرام
غير جازم مكروه
تخيير مباح
وضع علّة سبب زوال الشمس عن وسط السماء

سبب لوجوب صلاة الظهر

شرط الوضوء شرط لصحة الصلاة
مانع إرث الكافر من المؤمن
الصحة الصلاة التي استوفت شروطها

وأركانها صحيحة

الرخصة الجمع بين الصلاتين في السفر

 

ثانياً: الحكم العقلي:

تعريفه: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، من غير توقف على تكرار (مثل: الملح الإنجليزي)، ولا وضع واضع (مثل: وجوب الصلاة).

أنواعه:

  • بدهي: أي لا يحتاج إلى نظر واستدلال.
  • نظري: يحتاج إلى إقامة دليل.
   أقسامه     تعريفه       أنواعه     مثال عليه        ملاحظات
الواجب ما لا يتصور في

العقل عدمه

البدهي كقولنا الجرم متحيّز أي يأخذ محلاً في الفراغ وله

أعراض لا يعرف إلا بها مثل

الطول والعرض والوزن

النظري كوجود الله تعالى مما سيمرّ معنا في فصل

الإلهيات

المستحيل ما لا يتصور في

العقل وجوده

البدهي كخلو الجرم من

الحركة والسكون

النظري وجود شريك مع الله
الجائز ما يصح في العقل

وجوده وعدمه

البدهي كالحركة للجسم
النظري تعذيب المطيع الذي لم

يعصِ الله قط

فهذا جائز عقلاً، لكن شرعاً

متوقف على الدليل

 

 

ثالثاً: الحكم العادي:

تعريفه: إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه بواسطة التكرار.

أدلته: ما يعرف بالحس أو التجربة والتكرار، ويمكن أن يكون سمعياً.

أمثلة عليه: الحكم على الملح الإنجليزي بأنه مسهل، وعلى الأسبرين إنه مسكّن، وعلى النار أنها محرقة، وعليه فهو قائم على العلاقة بين الأسباب ومسبباتها.

ولدراسة العلاقة بين الأسباب ومسبباتها، هناك أربعة مذاهب:

     المذهب     المؤثر     العلاقة     حكم معتقده
مذهب الطبيعيين يقولون أن تسكين الأعصاب من طبيعة

الإسبرين، والنار من طبيعتها أنها تحرق

فهي من طبعها وذاتها، أي هي المؤثرة

لا يختلف السبب عن المسبب كافر؛ لأنه لم يؤمن بوجود

الله تعالى

مذهب العقليين ليس من ذاتها، إنما وجدت بخلق الله

وقدرته فهو المؤثر

هناك ملازمة عقلية لا يمكن

فكاكها

غير كافر إلا أنه أنكر ما لا

يدركه العقل، كالمعجزات

ومشاهد يوم القيامة

مذهب المعتزلة وجدت بقدرة الله، فهو المؤثر هناك ملازمة وارتباط ولكن

عادية، إنما بقوة جعلها الله بها،

وليست عقلية، وبالتالي يمكن

فكاكها

مبتدع؛ لاعتقاده وإيمانه

بقدرة تلك الأشياء الذاتية

ولو كانت من عند الله

مذهب أهل السنة وجدت بقدرة الله، فهو المؤثر هناك ملازمة عادية ويمكن

فكاكها، وإنما جعلها الله عندها

وليس بها

كمال الإعتقاد بأن المؤثر

والفاعل الوحيد هو الله،

فالله يخلق هذه المتلازمات

للأنبياء وللأولياء

الفصل الثاني:

تعريف العلم وشروطه

 

  • المعرفة أو العلم: الحكم الذهني، الجازم، المطابق للواقع، عن دليل.
  • الظن: الحكم غير الجازم ، المرجح للواقع ، عن دليل
  • الشك: ما تساوى فيه طرفا الإثبات والنفي من غير ترجيح.
  • الوهم: الحكم المرجوح إلى غير الحقيقة.
  • الجهل: تكلّم بغير واقع، وهو نوعان:
    • بسيط: انتفاء العلم المقصود.
    • مركب: إدراك الشيء على خلاف ما هو في الواقع، كاعتقاد النصارى بالتثليث أو الوثنية بالتجسيم.

فمن لم يجزم بأن ظن أو شك بأن الله موجود فهو كافر بإجماع المسلمين.

ومن اعتقد اعتقادًا غير مطابق للواقع (جهل) فهو كافر بإجماع المسلمين.

ومن اعتقد عقيدة صحيحة، جازماً بها، مطابقاً للواقع، لكن بغير دليل، اختلف فيه، فمنهم من قال بأنه كافر، ومنهم من قال بأنه مؤمن عاصٍ؛ لأنه ترك الدليل الذي أمر به الله تعالى حين قال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ)، وقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا).

هذه المعرفة واجبة شرعاً لا عقلاً

فالمعتزلة قالوا أنها واجبة عقلا؛ً لأن معرفة الله عندهم عن طريق العقل، ووافقهم بذلك بعض الماتريدية، غير أنهم تميّزوا عنهم حين قال المعتزلة أن معرفة الأحكام الشرعية كذلك عن طريق العقل، وقال بعض الماتريدية أن الأحكام الشرعية عن طريق الوحي لا العقل، وعليه:

فأهل الفترة عند المعتزلة مكلّفون بالعقيدة الصحيحة وإن لم يرد بها شرع، ولم يأت نبي ولم ينزل كتاب أو وحي، أما عند مذهب أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والمحققين من الماتريدية فأهل الفترة ناجون وإن بدلوا وغيروا؛ لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).

ومن الأدلة كذلك على أن أهل الفترة ناجون بإذن الله، أن الله تعالى بعث سيدنا عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل خاصة ولم يُبعث للعرب، وكذلك من قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) يدل على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة الناجين بإذن الله، وأن حديث (أبي وأبوك في النار) فيرى أهل الحديث وشرّاحه أنه قد يكون قبل نزول تلك الآية ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، والله تعالى أعلم،

لذلك ألف الإمام السيوطي (إمام محقق) رسالة “في نجاة والدي النبي صلى الله عليه وسلم”، ولله در من قال:

حبا الله النبي مزيد فضل                             على فضل وكان به رؤوفاً ..

فأحيا أمه وكذا أباه                                        لإيمان به فضلاً منيفًا

فسّلم بالقديم بذا قديرٌ                                  وإن كان الحديث ضعيفاً

وتجب هذه المعرفة على كل بالغ، عاقل، سليم الحواس، الذي بلغته الدعوة.

فالصبي غير مكلّف بشيء، إنما وليه مكلّف بتعليمه الفرائض والعقائد والسنن وبيان المحرمات ليتجنّبها.

والمجنون غير مكلّف أيضًا، ومن فقد السمع والبصر معاً غير مكلّف أيضًا، أما من فقد واحدة منهما فمكلّف.

ومن لم تبلغه الدعوة غير مكلّف، بينما عند المعتزلة فهو مكلّف؛ لأنها معرفة عقلية عندهم.

  • الدين: عقيدة وشريعة.
  • الشريعة: عبادات ومعاملات.

العقيدة الجانب النظري المطلوب الإيمان به، أما الشريعة الجانب العملي المطلوب تنفيذه، وقد عبّر القرآن الكريم عن العقيدة بالإيمان وعن الشريعة بالعمل الصالح، وجمع بينهما في آيات كثيرة كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).

  • الإسلام:
    • لغةً: الاستسلام والإذعان والانقياد.
    • شرعاً: الامتثال والانقياد لأحكام الله وأوامره بلا اعتراض.

باتباع النبي صلى الله عليه وسلم لما عُلِمَ من الدين بالضرورة (أي ما لا حاجة فيه إلى سؤال أو نظر أو استدلال، كأركان الإسلام وحرمة الخمر والزنا، حيث من أنكرها يكفر)، أو قام بالدليل اليقيني، مثل: الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً.

  • الإيمان:
    • لغةً: التصديق، بدليل قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، أي بمصدّق، ومحل التصديق القلب، واللسان ترجمان.
    • شرعًا: التصديق القلبي الجازم بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وثبت ثبوتاً قطعياً وعلم مجيئه من الدين بالضرورة.

إجمالاً في الإجمالي، كالإيمان بوجوب كل كمال لله واستحالة كل نقص، وتفصيلاً في التفصيلي، كالإيمان بجميع الانبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم وعدم إنكار أي واحد منهم، فيجب معرفة أن هود رسول ونوح رسول لكن لا يشترط تعدادهم كاملين.

أما الرسل المذكرون في القرآن الكريم والمتفق على رسالتهم عند أهل السنة والجماعة فهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ)،  ويضاف عليهم إدريس وهود وشعيب وصالح وذو الكفل وآدم ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.

أما المختلف في نبوتهم فهم: ذو القرنين، والعزير، ولقمان، والخضر (آصف بن برخيا)، ويوشع بن نون.

فمن عرض عليه بعد تعليمه واحد من غير المختلف في نبوته فأنكر نبوته أو رسالته فقد كفر.

ومن الملائكة فيجب معرفة تفصيلاً جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل (ملك الموت)، ورضوان (خازن الجنة)، ومالك (خازن النار)، ورقيب عتيد (ملك واحد)، أما منكر ونكير فلا يكفر منكرهما فلم يأتيا في القرآن، ويجب الإيمان كذلك بحملة العرش والحافين به إجمالاً.

والنطق بالشهادة شرط لصحة الإيمان لإجراء أحكام المؤمنين عليه من توارث وتناكح والصلاة خلفه والصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين ومطالبته بالزكوات والصلوات.

فمن صدّق ولم يقر بلسانه لا لعذر ولا لإباء (تكبّر) فهو مؤمن عند الله، لكن لا تجري عليه الأحكام الشرعية لعدم العلم بإيمانه، مثل النصراني إذا آمن بقلبه فقط.

أما من صدّق بقلبه ولم يقرّ بلسانه، كالمعذور، مثل الأبكم مع وجود قرينة تدل على إيمانه كالإشارة، أو كالمكره، أو من اتته المنية قبل النطق بها من غير تراخٍ، فهذا مؤمن في الدنيا والآخرة وتجري عليه أحكام الدنيا.

أما الذي آبى أن ينطق بالشهادتين فهو كافر في الدنيا والآخرة.

أما من أقرّ بلسانه ولم يصدّق بقلبه، مثل المنافق فهو مؤمن في الدنيا وتجري عليه الاحكام، لكن غير مؤمن عند الله.

وعليه فالنطق بالشهادتين شرط في صحة الإيمان، فالإيمان عقيدة في القلب وقول في اللسان، فمن لم ينطق بالشهادتين فهو ليس بمؤمن في الدنيا ولا في الآخرة.

يقول صاحب الجوهرة:

وفسرّ الإيمان بالتصديق           والنطق فيه الخلف بالتحقيق

وقيل شرط كالعمل                 وقيل بل شطر

وفي أحكام الميراث قالوا:

ويمنع الشخص من الميراث         واحدٌ من علل ثلاث

قتلٌ ورقٌ واختلاف دين         فافهم، فليس الشك كاليقين

الإسلام والإيمان وما يتعلّق بهما من مسائل:

لا شك أن هناك ارتباطًا بين الإسلام والإيمان، فهما كما قيل عنهما:

إذا ذكرا اختلفا، أي هناك فرق بين الإسلام والإيمان، وإذا افترقا اتفقا، أي واحد يدل على الآخر.

فالإيمان يستعمل بمعنى الإسلام، كقوله تعالى: (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ).

  • الإسلام حكم على ظواهر الأعمال والأقوال من حيث الانقياد لله تعالى.
  • الإيمان حكم على بواطن الأعمال من حيث المشاعر القلبية والوجدانية .

لذلك قال عليه الصلاة والسلام (الإسلام علانية والإيمان في القلب، التقوى في القلب وأشار بيده إلى صدره)، فالإسلام أعم، والإيمان أخص، وعليه فكل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديق، فإذا لم ينتقل إلى البواطن فهو إسلام ظواهر فقط، كما قال الله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

الإسلام والإيمان هما العقيدة التي ترتبط بالشريعة كما عرفنا سابقاً، فالعقيدة هي الحجر الأساسي الذي يبنى عليه الإسلام ولا تبنى فروعه إلا على أصله، ولا انفكاك بين العقيدة والشريعة أو الإيمان والعمل، كما ورد في آيات كثيرة وأحاديث شريفة، كقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل)، وليس أدلّ على هذا الارتباط من قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا سرّتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن).

ولذلك لا يقبل مجرد الإدّعاء كما جاء في كتاب الله العزيز: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ)، لذلك قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة ولو ادعوا الايمان، فالعمل لا وزن له ولا اعتبار إن لم يكن قائماً على أساس الإيمان، قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً)، وقوله: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرةِ مِنَ الْخَاسِرِين).

وعليه فإن للإنسان باعتبار إيمانه وعمله أربع درجات:

1- الذين يؤمنون بالله تعالى إيمانًا كاملاً وينقادون لأحكامه اتباعاً كاملاً، فهؤلاء هم المؤمنون حقاً.

2- الذين يؤمنون بالله لكن دون اتباع كامل، فهؤلاء مؤمنون عاصون فيعاقبون بقدر معصيتهم.

3- الذين لا يؤمنون بالله، لكن نراهم يأتون بأعمال تشبه المؤمنين، فهؤلاء كالذين قال الله تعالى فيهم: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا).

4- الذين لايؤمنون بالله ويأتون بأعمال سيئة مخالفة للدين والشريعة، فهؤلاء أشد الناس كفرًا والعياذ بالله.

 

  • الكفر:
    • لغةً: الستر والتغطية والمواراة.
    • شرعاً: عدم التصديق ولو بشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع، أو إنكار شيء علم من الدين بالضرورة، كمن اعتقد بعدم فرضية الصلاة او بإباحة الزنا.

والكفر مناقض للإيمان، ولا يجتمعان في قلب واحد، وكما أن للإيمان درجات ويزيد وينقص، وكذلك للكفر دركات، فالجاهل المنكر أهون شراً من العالم المعاند، وقابل للزيادة أيضاً، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ).

المكفرات: هي معتقدات قلبية وأمارات ظاهرة من أقوال واعمال تدل عليها، وعليه:

أ- المكفرات الاعتقادية: هي كل عقيدة تخلّ بركن من أركان الإيمان، وهي أقسام:

  • ما يتعلق بالألوهية، كإنكار الخالق سبحانه أو إنكار صفة من صفاته بأنه ثالث ثلاثة أو لا يحيط بكل شيء علمًا أو تجسده وغيره.
  • ما يتعلق بالنبوات، كإنكار نبوة الأنبياء والرسل أو تكذيبهم أو إنكار أن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
  • ما يتعلّق بالغيبات الثابتة بالدليل القطعي، كإنكار الملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر والبعث والجنة والنار مما ثبت بدليل قطعي.
  • إنكار الأحكام الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة بدليل ثابت، كإنكار أركان الإسلام أو أحدها أو إنكار تحريم المحرمات المعلومة بالضرورة أو ما أباحه الله مثل النكاح أو الأكل من اللحوم المذكّاة وغيره.

ب- المكفرات القولية: هي كل قول فيه اعتراف بعقيدة مكفّرة، أو إنكار لعقائد الإسلام المعلومة بالضرورة، أو الإستهزاء بالدين، أو سباب الخالق سبحانه أو الدين أو الرسل، أو اتهام الله في قدره، والمعوّل عليه المؤاخذة على الأقوال والأفعال بأن يكون بالغاً عامداً واعياً مصرّاً على ما يقول، فيستثنى المجنون والمستكره.

 

ج- المكفرات العملية: هي كل عمل يعتبر أمارة ظاهرية على عقيدة مكفرة، كتمزيق المصحف بقصد الإهانة، والسجود لصنم بقصد الاحترام، شريطة أن يعلم أن عمله هذه كفر.

وعليه، فالمكفرات الاعتقادية هي الأساس المعوّل للحكم على الإنسان بالكفر، وأن المكفرات القولية والعملية هي مجرد تعبير عما يعتقده الإنسان.

الباب الثالث:

في تاريخ الفلاسفة 1

الفلسفة: هي النظر في حقيقة الأشياء، وأنها محاولة العقل إدراك كنه جميع المبادئ الاولى، والفرق بين العلم والفلسفة أن العلم يكتفي بدراسة ظواهر هذا الكون ونظمه ونواميسه، أما الفلسفة فتبحث في أصل الكون وعلّته وحقيقته، ومن البحث في الكون وعلّته تكوّنت (فلسفة الوجود)، ومن البحث في العقل وكنه وقدرته تكوّنت (فلسفة المعرفة)، ومن البحث في كنه الخير والجمال والقبح تكوّنت (فلسفة القيم).

وسيقتصر كلامنا هنا على مبحثي الوجود والمعرفة، إذ أن مبحث المعرفة خادم لمبحث الوجود، والفلسفة كانت وما زالت في جوهرها عبارة عن البحث عن الله.

ومن الذين يبحثون عن الله فلاسفة اليونان، وهم مفكرون يبحثون عن الإله الحق ويكفرون بآله اليونان، لكن منهم من اهتدى إليه ومنهم من عجز عقله عن تصوّره، ومنهم من قاده العجز إلى الضلال، وهم:

  • طاليس (624 ق.م – 546 ق.م): يرى أن العالم لا يمكن أن يكون مخلوقاً من العدم المحض، فيجب إذن افتراض مادة أولى أزلية نشأت عنها كل الموجودات، وهذه المادة الأزلية هي الماء، فالرطوبة شرط في الحياة، فاعتقد أن الماء أصل الموجودات كلها.
  • انكسيمنس (586 ق.م – 528 ق.م): يرى أن الهواء أكثر من الماء مرونة وقابلية للتحوّل، لأنه يبرد فيصير ماء ويسخن فيصير بخاراً ثم يزداد تخللاً فيرجع هواءً، فزعم أنه لو تخلله لصار نارًا وإن تكثّف صار سحاباً ثم ماءً وإن تكثّف انقلب تربة وحجارة، ورأى أنه لازم للحياة فاعتبره أصل الكائنات.
  • انكسيمندر (610 ق.م – 546 ق.م): قال أن القول بالماء والهواء لا يتفق مع صفات الاشياء كلها، فللماء صفات يمتاز بها، وللهواء صفات وللموجودات الاخرى صفات، ولا يعقل أن تكون كل الكائنات على تباين صفاتها ناشئة عن أصل يختلف عنها بصفات خاصة به، ومن هنا اضطره عقله السليم إلى القول بأن أصل الكائنات مادة لا شكل لها ولا نهاية ولا حدود.
  • فيثاغورس (570 ق.م – 495 ق.م): قال إن الماء والهواء وكل مادة مهما كانت لا تصلح أن تكون أصلاً لهذا العالم المركب من أشياء متباينة مادية وغير مادية فلا بد لنا أن نبحث عن شيء له صفة عامة تشمل كل شيء، وما من صفة تشمل العالم بما فيه من مادة وغير مادة إلا صفة العدد فنحن نستطيع أن نتصور هذه الاشياء بلا ألوان ولا طعوم ولا روائح ولا أحجام ولكننا لا نستطيع أن نتصور شيئاً غير قابل للعد، فالعدد هو الصفة الوحيدة المشتركة التي يتصف بها كل ما في الكون، والأعداد عبارة عن تكرار الواحد، (فالواحد) إذن هو اصل الكون وعلّته وحقيقته، وكأنها محاولات للوصول إلى فكرة الإله الحق المجرد عن صفات المادة .
  • اكزنوفتس: نبذ أساطير اليونان القائلة بفكرة التجسيد البشري للآله، وسخر من وجود آله تأكل وتشرب وعلى هيئة البشر، وبالتالي فلو كانت الثيران والجياد لتعرف التصوير لرسمت لنا آله على اشكالها ثوراً أو جواداً، وبالتالي لا يوجد غير إله واحد هو أرفع الموجودات، ليس مركبّاً على هيئتنا ولا يفكّر مثل تفكيرنا، بل كله بصر وكله سمع وكله فكر، أما إدراك كنه هذا الإله الواحد العظيم، فإن اكزنوفنس يراه مستحيلاً على عقولنا، وقال: ما من إنسان يستطيع أن يعرف الله معرفة دقيقة.
  • بارمنيدس (510 ق.م – 450 ق.م): يرى أن الماء والهواء والعدد أو أي شيء آخر لا يصلح ان يكون أصلاً للأشياء، لأن هذه الأشياء كلها (متغيرة) ونحن لا نعرف إلا صفاتها الظاهرة وكل هذه الصفات يعتريها التغيير والفناء إلا صفة واحدة وهي صفة (الوجود)، فهو وجود ازلي لا يتغير ولا يفنى وليس له ماض ولا مستقبل بل يستوعب الأزل والأبد وهو لا يتحرّك ولا يتجزأ لأن الحركة صورة للتحوّل وهو كامل وليس وراءه وجود آخر، وكأنهم يبحثون عن أصل كامل، ثابت، غير متغيير، مجرد عن صفات الموجودات، يصلح أن يكون موجدًا لها، وهو بعينه البحث عن الله.
  • مليسّوس (431 ق.م – 471 ق.م): رأى أن هذا الوجود غير متناه، وأنه حياة عاقلة فالوجود أزلي أبدي غير متناه ولا متحرّك وله حياة عاقلة، وكل حادث لا بدّ له من مبدأ وليس الوجود حادثاً؛ لأنه لو كان حادثاً لكان من اللاوجود، فالوجود إذاً ليس له مبدأ، وما ليس له مبدأ ليس له نهاية، وبما أنه غير متناه فهو لا يتحرك؛ لأنه لا يوجد مكان بعده يتحرّك إليه، وهوغير متغيّر؛ لأنه لو تغيّر لأصبح أكثر من واحد، فهو واحد أزلي أبدي حيّ عاقل لا يتغيّر.
  • هرقليط (540 ق.م – 480 ق.م): زعم أن أصل الكون نار، وكأنه شعر أن الروح نار فهي أصل الكون.
  • امبدوقلس (490 ق.م – 435 ق.م): وهو فيلسوف العناصر الأربعة، فهو يرى أن الكون كله مركب من عناصر أربعة التراب والماء والنار والهواء، فلعله سبق عصره بالحديث عن المبدأ الذري، لكنه رأى القوة التي تحرّك هذه الذرات وتتحكم بها هي قوة الحب والنفور لينتهي إلى خيال عقيم.
  • ديموقريطس (460 ق.م – 370 ق.م): وإليه ينسب المذهب الذري فقال أن الكون يتألف من عدد لا يتناهى من الذرات، هي متشابهة، متجانسة، أزلية، أبدية، متحرّكة بذاتها في فراغ، ومن حركتها تكوّنت الأشياء والعالم بأسره لكن هذه الحركة مبعثها (ضرورة عمياء).
  • انكساغورس (510 ق.م – 428 ق.م): الذي فنّد الضرورة العمياء، وقال: يستحيل على قوة عمياء أن تبدع هذا الجمال وهذا النظام اللذان يتجليان في هذا العالم؛ لأن القوة العمياء لا تنتج إلا الفوضى، فالذي يحرّك المادة هو عقل رشيد بصير حكيم.
  • السفسطائيون، والسفوساطئية: طريقة الجماعة الذين برعوا في تعليم الناس قلب الحقائق بالجدل الكاذب، وهم جماعة معلمين ظهروا في اليونان في ظروف اجتماعية كانت تطغى فيها على البلاد موجة من الشك والكفر بآله الأساطير، وكانوا يفخرون أنهم يستطيعون أن يؤّيدوا الرأي ونقيضه، وتمادوا حتى كادت طريقتهم تهدم اسس العقل والمعرفة وتمزّق الأخلاق.
  • بروتاغورس (487 ق.م – 420 ق.م): وهو أشهرهم الذي أنكر المعرفة بالعقل، وزعم أن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة، وبرأينا أنه إذا كان الناس يختلفون بأحاسيسهم فقد أصبح إدراك المعرفة مستحيلاً، ويجعل كل إنسان يؤمن بما عنده فقط والذي أطلق عليه بعدها مبدأ العندية.
  • غورجياس (483 ق.م – 375 ق.م): قال باختصار: استحالة المعرفة.
  • سقراط (469 ق.م – 395 ق.م): هو الذي أسس و بنى فلسفة المعرفة التي لا تزال تسيطر على العقول السليمة منذ أكثر من ألفي سنة إلى اليوم الذي نحن فيه، فقد رأى هذا الفيلسوف القدّيس أن الأخلاق ستنهار على يد السفسطاءين الذين أنكروا العقل والحق واليقين وفضائل الأخلاق، فأراد أن يردّ أصول المعرفة إلى العقل، وقال: أنه لا يعقل أن تكون المعرفة مبنية على الحواس؛ لأن الحواس تختلف باختلاف الأفراد والظروف والأحوال، فعلينا أن نلتمس أصلاً ثابتاً للمعرفة لا يختلف فيه الناس أبداً، والعقل هو الصفة العامة المشتركة بين الناس، ولا يختلف ما دام سليماً.
  • أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م): أيّد نظرية المعرفة التي وضعها أستاذه، وقال: أن المعاني الكليّة ليست مما يمكن إدراكه بالحواس، وإنما يكون إدراكها بالعقل وحده، وكان من أوائل الفلاسفة القائلين بوجود الله، فقال: إن العالم آية في الجمال والنظام ولا يمكن أبداً أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل، كامل، توخّى الخير، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة، غير أنه لم يستطع تصوّر الخلق من العدم، فالمادة عدم لكن يعجز العقل عن تصوّر خلق العالم من العدم.
  • أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م): واضع علم المنطق، والمعلم الاول، ومن أعظم الفلاسفة المؤمنين بوجود الله، وهو الذي اعتبر أن الفكر يخطو في طريق الادراك الحسي ثم تكون لمرحلة الثانية التجربة ثم المرحلة الثالثة التأمل النظري ثم الاستنتاج والحكم الذي نعتبره المنطق الفكري السليم، وتحدّث عن العلل الاربعة المادية والصورية والفاعلة والغائية، وأن العالم مادة وصورة، وأن الله هو المحرك الذي أعطى العالم صورته وحركته، وبالتالي فهو يمتاز بصفة القدم، ثم عجز عقله عن إكمال التفسير، خاصة فيما يتعلّق بوصف ذات الله وكيفية الخلق.
  • ثم ظهر الرواقييون الذين عادوا لمبدأ أن الشعور هو طريق المعرفة، وأن النار هي القوة الفاعلة في هذا الكون، وجاء بعدهم الابيقوريون الذين قالوا بما قال به أرسطو في نظرية المعرفة، ونادى ابيقور بأن أصل الوجود ذرات لكنها تألفت عن طريق المصادفة والاتفاق، وبعدهم الشكاكين وهم جماعة مفكّرين واعتبروا الشك ولا ندري مذهبهم الفلسفي ووضعوا احتمالات يصعب البرهنة عليها حتى خلصوا إلى أن المعرفة مستحيلة حتى جاءت الفلسفة الافلاطونية الحديثة.
  • فيلون الاسكندري (20 ق.م – 54 م): حيث جمع العقل والوحي، ففيلون الاسكندري نشأ في الاسكندرية بعد ظهور المسيح، في الوقت التي خلفت أثينا في مركزها العالمي العظيم، وكان المذهب السائد مذهب أفلاطون، فوضع فيلون شرحًا كبيرًا لآراء أفلاطون.
  • أفلوطين (207 م – 250 م): الذي جدد المذهب وكانت خلاصة نظريته في الوجود وخلق العالم: أن هذا العالم كثير الظواهر، دائم التغيير، فلا يمكن أن يكون قد وُجد بنفسه، بل لا بدّ له من خالق مبدع، وهذا الخالق هو الله، وهو واحد أحد، أزلي، أبدي، قائم بنفسه، وهو فوق المادة وفوق الروح، ولا يمكن أن يكون متشابهاً في صفاته مع مخلوقاته، وهو يتصف بصفات سلبية، فهو ليس مادة، ولا يوصف بأنه متحرك أو ساكن، ولا يقال أنه موجود في زمان أو في مكان، ولا يمكن أن تضيف عليه صفة، فهو لا نهائي، وكامل، ولا يفتقر إلى شيء، ولا نفهم من طبيعته إلا أنه يخلق كل شيء، ويسمو على كل شيء، ولا يدرك كنهه العقول.

وكم هو جميل هذا الكلام خلا أن الاكتفاء بالصفات السلبية غير صحيح، لأنه وإن كان فيه اعتراف بصفات الوجود والقدم والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس إلا أنه لا يثبت لله صفات العلم والقدرة والإرادة مع أنها صفات متوجبة لله عقلاً كما سيمر معنا.

في تاريخ الفلاسفة 2

الفلاسفة المسلمين:

هم من أعظم المؤمنين بالله، ومن أصدقهم برهاناً على وجود الله، حيث جمعوا إلى إيمان الوحي الصادق، إيمان العقل السليم، نورأ على نور، غير أنه اختلط على من كتب عنهم في بعض المواقع من كلام الفلاسفة المتقدمين ما اختلط بكلامهم، فأُخذ عنهم من المآخذ ما أُخذ، وهم:

  • الرازي: كان من أصدق المؤمنين، وهو القائل بأن وجود العقل من أصدق الأدلة على وجود الخالق.
  • الفارابي: من أعظم الفلاسفة المؤمنين، وهو الذي دافع عن العقل ثم اتخذه طريقاً لاثبات وجود الله، وتحدث عن برهان في وجود الواجب الوجود، ثم اعترف بعجز العقول عن إدراك أسرار الله وكنه ذاته.
  • ابن سينا: الذي خلف الفارابي في عقله وإيمانه، وتحدث في مبحث المعرفة عن القوى التي يرتقي بها الإنسان حتى يصل إلى إدراك واجب الوجود من ادراك الحواس إلى القوى المصّورة فالحافظة فالخيالية.
  • ابن مسكويه: الذي تحدث في المعرفة والوجود، ولكن كانت شهرته في المبحث الأخلاقي هي الأكثر شهرة، فتحدث عن قوى الحواس، والنفس، والعقل في إدراك الوجود، وله نظرية في مذهب النشوء والارتقاء، ويخلص إلى أن نتاج الفلسفة الصحيحة لا تتنافى مع الدين الحق في إثبات وجود الله ووحدانيته.
  • ابن طفيل: جاء بعده ووافقه في نظرية ” إن الفسلفة الصحيحة لا تتنافى مع الوحي ” في قصته المشهورة (حي بن يقظان) وفي تفصيل لها:

طفل رضيع أُلقي في جزيرة خالية من الناس، ترضعه ظبية فقدت ولدها، وعندما تموت الظبية يحاول اكتشاف سبب موتها، الأمر الذي يقوده إلى تشريحها والبدء بالبحث والاستدلال.

ثم اكتشف النار. ثم أخذ يتأمل في الكون وما فيه، ويدرس ما حوله من عوالم الحيوان والنبات والجماد، ثم وصل إلى قناعاته الخاصة حول الكون والوجود.

ويصدف أن يتعّرف إلى شخص اسمه (أبسال) يطلعه على ما وصل إليه، فيتأكد أن ذلك يطابق ما نزل به الوحي من السماء.

وحاول أن ينقل معارفه للناس، لكنه واجه صعوبة كبرى حين وصل للحقائق العرفانية والمعارف الذوقية، الأمر الذي جعله يفضل ان يعود لعزلته ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين.

  • ابن خلدون: وهو العالم الكبير، الواسع الاطلاع، الذي ضّمن مقدمته المشهور آراء قيمة في مبحثي المعرفة والوجود، فيتحدث عن الادراك عند الإنسان وتصورات الفكر، ويعترف بعجز العقل عن ادراك كنه الأشياء على حقيقتها، وان ذلك لايقدح فيه، ويتفق بذلك مع الغزالي وغيره، ويتحدث عن دليل الحدوث لاثبات وجود الخالق جلّ وعلا.
  • ثم جاء الإمام الكبير – حجة الإسلام – الغزالي، وسنسلّط الضوء عليه وعلى معارفه في مبحث مستقل إن شاء الله.
  • ثم كانت فلسفة ابن رشد: وهو من المؤمنين، وأعظم المفكرين، وأعرفهم بطرق الاستدلال على الله، وسيأتي الحديث عن آرائه في معرض الحديث عن الإمام الغزالي.
  • الشاعر أبي العلاء المعرّي: الذي كان محباً للحكمة (وهو تعريف الفيلسوف)،ولا نستطيع إهمال آراءه؛ لأنه كان يصوّغ أفكاره شعراً عن نظر واستدلال واضح، عارضاً وجهاً آخر لمُنطلق الفلسفة، فقد كان كفيف البصر، مشوّه الوجه، مجبراً على العزلة، محروماً من نشاط الحركة، معرضاً لسوء الهضم، مرغماً على الزهد، محجوباً عن المجد، يائساً من الناس، قانطاً من رحمة الله، وعليه شكّ في كل شيء إلا وجود الله، حيث استطاع بعقله السليم أن يبرهن على وجوده وصفاته، ويستطيع الدارس لأشعاره أن يستخرج حقيقة آرائه في المعرفة والوجود، وأنه كان من أصدق الناس إيماناً بالله، وصبراً على البلاء.

ومن أشعاره:

والله أكبر لا يدنو القياس له   ولا يجوز عليه كان أو صارا

وقال:

بوحدانية العلَّام دنّا   فدعْني اقطع الايام وحدي

وكأنه يشير لنا إلى إيمانه بالله ووحدانيته، يلازمه في وحدته، وعزلته ووحشته وتشاؤمه.

وقال أيضاً :

يموت قومٌ وراء قومٍ   ويثبت الأوَّل العزيزُ

يجوز ان تبطيء المنايا   والخُلْدُ في الدهر لا يجوزُ

ورأيه في البعث:

  • إذا ما اعظُمي كانتْ هباءً فان الله لا يُعْييهِ جَمْعي
  • ومتى شاء الذي صوَّرنا اشعر الموت نشورا فانتشرْ
  • قد يمكن البعث ان قال المليك به وليس منا لدفع الشرّ امكانُ
  • وأعْجَبُ ما نخشاه دعوة هاتف اتيتم فهبّوا يا نيام إلى الحشر
  • فيا ليتنا عشنا حياة بلا ردى يَدَ الدهر، او متنا مماتاً بلا نشر

وقوله بلسان المؤمن الخائف:

إن كان نقلي من الدنيا يعود إلى   خير وارحَبَ فانقلْني على عَجَل

وإن علمتَ مآلي عند آخرتي   شراً واضيق فانْسأ ربِّ في الأجل

ثم يأتي الحديث عن فلاسفة الغرب الحديث، الذين اتفق منهم ثمانية من عشرة مع ما جاء به الفلاسفة المسلمون، ومنهم: باكون، ديكارت، باسكال، مالبرانش، سبينوزا، لوك، ليبنتز، هيوم، كانت، برغسون، دارون.

من قصة حي بن يقظان:

بعد ان تصفّح جميع الأجسام التي لديه، علم أن السماء وما فيها والأرض وما فيها، أجسام؛ ففيها الأعراض الثلاثة: الطول والعرض والعمق، لا ينفك شيء منها عن هذه الصفة، وكل ما لا ينفك عن هذه الصفة فهو جسم، فهي كلها أجسام.

  • فهل يمكن أن تكون ممتده إلى غير نهاية؟

رأى أن جسماً لا نهاية له أمر باطل وشيء لا يمكن ومعنى لا يُعقل.

  • هل هو شيء حدث بعد أن لم يكن، وخرج إلى الوجود بعد العدم؟ أو هو أمر كان موجوداً فيما سلف، ولم يسبقه العدم؟
  • إذا ازمع اعتقاد القدم: اعترضته عوارض كثيرة من استحالة ما لا نهاية له، مثل استحالة وجود جسم لا نهاية له، والكون لا يخلو من الحوادث، فهو لا يمكن تقدمه عليها، وما لا يمكن ان يتقدم على الحوادث فهو أيضاً محدث.
  • وإذا ازمع على اعتقاد الحدوث: اعترضته عوارض أخرى، فإن حدوثه بعد أن لم يكن، لا يُفهم إلا على أن الزمان تقدمه، والزمان في جملة العالم وغير منّفك عنه، فلا يُفهم تأخر العالم عن الزمان.
  • وإذا كان حادثاً فلا بدّ له من من مُحدث.

فرأى إن اعتقد حدوث العالم وخروجه إلى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ذلك ضرورة أنه لا يمكن أن يخرج إلى الوجود بنفسه، وأنه لا بدّ من فاعل يُخرجه إلى الوجود، وأن الفاعل لا يمكن إدراكه بالحواس، لأنه لو اُدرك بالحواس لكان جسماً، ولو كان جسماً كان من جملة العالم وكان حدثاً واحتاج إلى محدث، ومحدثه يحتاج إلى محدث، ويتسلسل إلى غير نهاية، فلا بدّ للعالم من فاعل ليس بجسم، وبالتالي لا يمكن بالحواس إدراكه، وإذا لم يكن يُحس فلا يمكن أن يُتخيل؛ لأن التخيل: إحضار صور المحسوسات بعد غيبتها، وإذا كان فاعلاً للعالم فهو لا محالة قادر عليه وعالم به.

إن اعتقد قدم العالم وأن العدم لم يسبقه، وأنه لم يزل كما هو، فاللازم عن ذلك أن حركته قديمة لا نهاية لها من جهة الابتداء، إذ لم يسبقها مسكون يكون مبدؤها منه، وكل حركة فلا بدّ لها من محرك ضرورة، والمحرك إما قوة سارية في جسم من الأجسام، وإما قوة ليست سارية في جسم، وكل قوة سارية في جسم فإنها تزيد وتضعف، وكل جسم لا محالة متناهِ، فكل قوة متناهية، لكن لا يمكن ان تكون لا متناهية – كما عرفنا أن الاجسام يستحيل ان تكون لا متناهية –

فنحن نبحث عن قوة تفعل فعلاً لا نهاية له، وليس قوة في جسم، وإذا كان الفلك يتحرك أبداً حركة لا نهاية لها ولا انقطاع، فإن فرض قدمه لا معنى له، بل إن القوة التي تحركه بريئة من الاجسام وهي غير متناهبة.

في تاريخ الفلاسفة 3

كان المسلمون في العصر الأول من الإسلام لا يعرفون هذا الجدل الفلسفي حول وجود الله وصفاته، واما بعد أن تُرجمت الفلسفة اليونانية، وخاض كثير من علماء المسلمين فيها وألّفوا، وانتشرت بين الناس شُبَه الفلاسفة واشتهرت وعمَت البلوى، وانبرى كثير من علماء الدين للرد على تلك الشُبَه، فقد أصبح الخوض في الفلسفة أمراً لا بدَ منه، بل أصبح الاطلاع عليه واجباً على علماء الدين بوجه أخص؛ ليتمكنوا من حسن الدعوة إلى الإيمان بالله.

الإمام الغزالي:

يقول الغزالي: “إن ردّ المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه، ردٌّ في عماية”، ولهذا رآى أن يطّلع على آراء الفلاسفة الآلهيين اطلاعاً تاماً قبل أن يردَّ عليهم، فوضع كتابه المسمى (مقاصد الفلاسفة) الذي بسط فيه آرائهم وشبهاتهم واستشكالاتهم بسطاً وافياً، كأنه احدهم شأن القويّ الراسخ الراسي على صخرة الحق، لا شأن الضعيف المتقلقل.

ثم وضع بعد ذلك كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة) الذي تولىَّ به إبطال ما يخالف العقل والدين من أقوال أولئك الفلاسفة الآلهيين المقرّين بوجود الله القائلين بقدم العالم مع الله.

أما عن رأيه في المعرفة، وكيف كان شكّه في حواسه وعقله، وكيف عالج هذا الشك بالأدلة العقلية الأولية البديهية، كما عالجه (ديكارت) الذي جاء بعده بستة عصور.

ابن رشد:

هو عالم من أعظم علماء الدين، وفيلسوف مفكر، من أصدق الفلاسفة المؤمنين، ويتفق مع الغزالي في جميع آرائه عن الوجود والخلق والخالق.

وابن رشد قد أولع بفلسفة أرسطو وشرحها، على ما رُوي عنه شروحاً ثلاثة:

  • شرح مختصر، كان الكلام فيه لابن رشد.
  • شرح متوسط، كان ابن رشد يتناول فيها عند مطالع الفصول فقراتٍ من كلام ارسطو ويشرحها.
  • شرح مطول، كان يذكر فيه كلام ارسطو فقرة فقرة ويشرحه شرحاً وافياً.

ولا يخفى عليك أن طريقة الشرحين المختصرين قد تحمل القارئ على الظن بأن الكلام يعبّر عن رأي ابن رشد نفسه، والحال أن ابن رشد كان في كل ذلك يفسر كلام ارسطو.

  • أغلاط الترجمة، فأن ابن رشد لم يأخذ فلسفة ارسطو من كتبها اليونانية، بل أخذها معرّبة مخلوطة بما كتبه الاسكندر الافروديسي، وثامسطيوس الاسكندري. ثم لما أخذ الأفرنج فلسفة ابن رشد، لم يأخذوها من كتبه العربية، بل أخذوها من المترجمات اللاتينية والعبرانية، وناهيك بما يقع في هذه السلسلة الطويلة من التعريب والترجمة والنسخ من تشويش وإبهام، وخلط بين آراء ابن رشد الخاصة، وآراء ارسطو وأفلاطون، والأفلاطونية الحديثة.

ومن أسباب نكبة ابن رشد، إنه كان معجباً بارسطو إلى حد التقديس، ومن هنا أتاه الحرص الشديد على الدفاع عن آرائه وتأويلها.

ولما وضع الغزالي كتابه (تهافت الفلاسفة)، وردّ فيه على ارسطو وغيره، ثم عمد ابن رشد للردّ على الغزالي في كتاب سماه (تهافت التهافت)، فذاع بين الناس أن حجة الإسلام يدافع عن الدين، وإن ابن رشد يكذبه.

والحق أن الرجل لم يكذب الغزالي، ولا كذب المتكلمين من الأشاعرة في الأمور الجوهرية، ولكنه – سامحه الله – لم يكن مخلصاً كل الإخلاص في وضع هذا الكتاب، وفي تسميته، ولا مبرّأ من حب التحّذق، وإظهار الفضل والسبق في مضمار الفلسفة، فناقش الإمام في كل ما ردّ به على الفلاسفة من المسائل مناقشةً لم يقصد بها إبطال الحقائق التي دافع عنها الإمام، بل أراد بها إظهار خطأه في طريقة الاستدلال، وتقصيره في فهم مقاصد الفلاسفة.

وكان يجب أن لا يسمي كتابه (تهافت التهافت)، في مقابلة تسمية الغزالي لكتابه؛ فكأنما كان في هذا تاجراً، يريد أن يُكسد بضاعة جاره لتروج بضاعته، وكان يكفيه أن يشير إلى ما يلاقيه الذهن من الصعوبة في طريقتي الإستدلال الأخريين.

ولكن ابن رشد لا يختلف من حيث النتائج في شيء مع الغزالي، ولا يقل عنه إيماناً.

 

هل كان ابن رشد ممن يقولون بقدم العالم ينكرون صفة الإرادة لله تعالى ؟

حاشا أن ينكر صفة الإرادة لله؛ لكن الرجل كان يتفلسف في إيضاح معنى القدم، وإيضاح معنى الإرادة، لا لشيء، سوى ان يبرهن على أن ارسطو والفلاسفة لم ينكروا وجود الله، ولم ينكروا صفة الإرادة لله تعالى.

وأيضاً، لم ينكر البعث أبداً بل آمن وصدّق، ووصف الذين يكرونه بـ(الزنادقة)، وإنما كان جداله مع الغزالي في صورة البعث وكيفيته، فقال: إن النشأة الآخرة تكون بخلق جديد للجسم، وهذا لا يخالف الدين في شيء.

تاريخ الفلاسفة 4

سنتحدث عن أعظم عشرة فلاسفة وأشهرهن، وكلهم مؤمنون بالله، إلا واحد متشكك، وآخر حائر يؤمن بالله ولا يدري كيف يصفه، وسوف ترى أن ثمانية من العشرة تلاقوا مع فلاسفة المسلمين على الإيمان بالعقل، والإيمان بوجود الله ووحدانيته، وعلى البراهين الدالة عليه تلاقياً يكاد يكون حرفياً، وهم:

  • فرنسيس باكون: لم يبطل أحكام المنطق، ولا يستطيع إبطالها لأنها احكام العقل السليم، ولكنه ذهب إلى ما ذهب إليه سميُّه (روجر باكون) من القول بأن التجربة هي البرهان الأوحد في العلوم الطبيعية، وجاراه في الحملة على المنطق ارسطو.

روجر باكون: هو الراهب الفرنسيسكاني الانكليزي، أحد أشهر علماء القرون الوسطى، الذي جاء إلى الدنيا قبل فرنسيس باكون بأمد طويل (أكثر من عصرين)، ولقد تشابه هذان الرجلان في الرأي كما تشابها في الأسم والوطن.

يقول فرنسيس باكون كلمته الحكيمة المشهور: (إذا كان قليل من الفلسفة يُبْعد عن الله، فالكثير منها يردّ إلى الله).

أما روجر باكون يقول: (إنه لا يوجد عالم من علماء الطبيعة يستطيع أن يعرف كل شيء عن حقيقة ذبابة واحدة وخواصها، فضلاً عن أن يعرف كنه ذات الله)، فكأنه يتلو نص الآية في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

  • ديكارت: استخرج اليقين من الشك، وجعل من نفس الشك سبيلاً لإثبات وجود الله، ومعرفة صفات كماله؛ فما أشبهه بالغزالي في شكه ويقينه، بل في كل أحواله وأقواله، فقال: (مهما شَكَكْتُ في حواسي وعقلي، وشككتُ في وجود العالم، فأنه ستبقى لي حقيقة واحدة لا يمكنني الشك فيها، لأنها تزداد يقيناً كلما ازددتُ شكاً، وهذه الحقيقة هي “إنني أشكّ”، ومعناها: إني أفكر، لأن الشك تفكير، والتفكير لا يكون إلا من ذات مفكرة، وهذه الذات المفكرة هي (أنا)؛ حتى لو حاولتُ أن أشك في إني أفكر، فهذا الشك نفسهُ دليل على إنّي أفكّر)، ومن هنا وضع كلمته المشهورة: (أنا أفكّر، إذنْ أنا موجود).

وهكذا تدرّج وتسامى في الاستدلال: فاستدل بنفسه وبالعالم على الله وكماله، ثم استدل بوجود الله وكماله على صدق العقول، غير أنه كبا كما يكْبو الجواد، عندما حاول أن يفسر كيف كان خلق العالم، وما هي الحياة، وزعم أن الحياة أصلها هو الدم، فيسخن بحرارته ويتبخر، ويرتفع إلى الرئتين فيبرد.

  • باسكال ومالبرانش: أشهر تلاميذ المدرسة الديكارتية، ولا يقلّ إيمانهم بالله عن استاذهم.

مالبرانش هو الذي وضه نظرية “الرؤية بالله”، وهو من أخلص المؤمنين بوجود بالله، ولكن عقله يقف كغيره عند عقدة لا يستطيع حلها إلّا بأخرى أكثر تعقيداً، كما فعل أفلاطون في (مُثُلُه).

  • سبينوزا: يؤمن بالله ولا يدري كيف يصفه؛ لأنه يعترف بوجود الله الواجب الوجود، ويعترف له بصفات الكمال المتوجبة له عقلاً، غير أن عقله كَلّ عن تصور الخلق من العدم، كما كلّت عقول كثيرة.
  • لُوكْ: في الوقت الذي كان فيه سبينوزا الهولندي اليهودي غارقاً في وحدة الوجود بميتافيزيقيته المتناقضة، كان لُوكْ الذي وُلد وسبينوزا في سنة واحدة، يقف على الضفة الثانية من المانش، متأبطاً دراسته في الإدراك الإنساني، مستمسكاً بمنطقه العقلي السليم، مبتعداً عن الخيالات والأوهام، معترفاً بوجود الله، مقراً بعجز العقل عن إدراك ما لم يُخلقْ لإدراكه من أسرار الغيب.

هنا يتجلّى في لُوكْ سموّ التفكير واتّزانه عندما يفرّق بين إدراكنا لوجود الله، وإدراكنا لأمور الغيب.

  • لايبنز: يجاري صاحبه لُوكْ في شيء، ويعارضه في شيء آخر، ويسمو عليه في ناحية، ويقصّر عنه في آخرى، يجاريه في إيمانه، ويسمو عليه في عمق برهانه.

فلقد كان هذا العبقري الألماني كبيراً في علمه، عميقاً في تفكيره، ولا سيما حين يبحث في فلسفة المعرفة والوجود، والخلق والخالق، وعلى هذا الأساس العقلي المتين بَنَى لايبنزْ آرائه في الوجود، والإيجاد من العدم، والموجِد، فآمن بالله، وآمن بخلق العالم من العدم، وآمن بأن خالق هذا العالم الكامل هو الله المتصف بكل صفات الكمال.

  • هْيومْ وعمانوئيل كانْط: فهْيومْ هو شيخ الشكاك المحْدثين، وعمانوئيل كانْط هو شيخ الفلاسفة المتأخرين المؤمنين بالعقل وبالله خالق العقل.

هْيوْم لا يُعَدّ عند نقاد الفلسفة، فيلسوفاً، بكل معنى الكلمة؛ لأنه لم يضع فلسفة إيجابية محدودة، بل أولع بالشك، فأنكر كل شيء، حتى أنكر عقله وربه، ولكن إذا لم نذكر هْيوْم، لم يظهر فضل كانْطْ في دفاعه عن العقل وإيمانه بالله، ولم يظهر فضل هْيوْم نفسه على الفلسفة، فلولا شك هْيْوم لم يقْض كانْطْ عمره الطويل في وضع مؤلفاته الكبرى في الدفاع عن العقل.

أما كانْطْ فهناك قومٌ يعدّونه من أعظم المؤمنين، وقومٌ يعدّونه من أعظم الكافرين، ولكن الحق الذي لا ريب فيه أن كانْطْ كان من المؤمنين بوجود الله، ومن أعظم من خدموا هذا الإيمان، ولكنه بعد أن أعدّ السلاح الذي نحارب به الشك والإلحاد، وبالَغ في صقْله، حتى جعله مرهفاً ماضياً، عجز هو نفسه عن استعماله؛ ذلك لأن كانْطْ قد روّعه ذلك الشك المطلق السخيف الذي قضى به هْيوْم شيخ الشكاك على العلم والدين والإخلاق.

وقد أخطاً كانط في الاستنتاج حين زعم “إننا إذا حاولنا أن نبرهن بالعقل النظري على وجود الله وقعنا في الإشكال”، وقال كانْطْ الحق، كلّ الحق، عندما قال: (ان كل محاولة يبذلها العقل للوصول إلى كنه الحقيقة النهائية هي محاولة فاشلة)، وقال الحق عندما أوضح إن العقول لا تستطيع أن تتعدّى ميدان الظواهر المحسوسة لتدرك كنه ما وراء عالم الحس لأنه عالم مجهول.

ولكننا، في نطاق هذا العالم المحسوس، نجد في نفوسنا ضرورة عقلية لإدراك إن هذا (المحسوس الأعظم) بمجموعه، لا بدَ له من علّة لوجوده، ولا يخطر ببالنا أن ننكر هذه العلة، بحجة أن وهماً عقلياً يتطلب منا تسلسل العلل إلى غير نهاية، أو بحجة عدم معرفتنا لكُنْهِ العلة.

أن كانط يرى كما يرى لايبنز، وكما يرى كل عاقل، أن عقولنا تبيح لنا أن نعتقد أن وراء الأشياء آلهاً؛ لأن فكرة وجود الله لا تحدث تناقضاً عقلياً، بل الذي يحدث التناقض العقلي هو نفي هذه الفكرة، ويقول كانط: (ما دام قد ثبت أن النفوس خالدة، وأن العدالة في المثوبة والعقوبة واجبة، فلا بد أن نؤمن بوجود حَكَم، عدل، قادر، خالد، يتولى إقرار هذه العدالة في اليوم الآخر؛ لأن الخلود والجزاء اللذين حكمنا بتوجبهما يستلزمان فرض وجود علة كافية مكافئة لهما، فلا بد أنّ مَنْ انشأ الخلود خالد، ولا بدّ من أن يقضي بالعدل عادل، ومن يجازي على الخير والشر قادر، وهذا الخالد القادر الحكم العدل هو الله سبحانه وتعالى).

هذا هو الدليل الإخلاقي الوجداني الذي اختاره كانْط لإثبات وجود الله، وعلى كل حال، فإن كانْط من أخلص المؤمنين بوجود الله، وقد بنى إيمانه على دليل.

  • برغسون: هو من أعظم الفلاسفة المؤمنين بالله؛ لم يقتصر أبداً على دليل الإدراك المباشر، ولم يُقْصِ العقل النظري عن نطاق الاستدلال على الله، كما فعل كانْط؛ بل كان في اعماق استدلاله مستنداً إلى العقل النظري، ومعتمداُ على أقوى وأعظم وأوضح برهان عقلي يُثْبت وجود الله.

أن برغسون نظر نفس النظرة، وأخذ بنفس دليل القصد والتصميم والحكمة والنظام والعناية والاختراع، الذي قال به ابن رشد، ولكنه كان في نظرته اسمى ذروة، وأوسع افقاً، فرأى الكون كله من الذرّة إلى المجرّة ينبض كالجسد الواحد، بحياة واحدة، يتجلّى فيها ترابط الأجزاء وتواصلها وتعاونها وتساندها، تجلياً باهراًن يخلق في نفوسنا ذلك الإلهام أو الإدراك المباشر لوجود الله الخلاق العظيم الحكيم.

وقد كان استدلال برغسون، على وجود القصد والتصميم في الخلق، بـ”نظام الزوجية الشامل.

نظام الزوجين: إننا نرى أن النبات والحيوان يتّبعان طريقاً واحدة في (عملية التناسل)، فكيف اتفق ان اخترع الحيوان الذكورة والانوثة، وَوُفّقَ النباتُ إلى الطريقة نفسها، وبالمصادفة نفسها ؟

كلا، إنه يستحيل أن يكون هذا الأساس الواهي، الذي يسمونه الانتخاب الطبيعي، أساساً لهذا الاتفاق. ولا بدّ أن يكون في جميع أجزاء الوجود، مهما تنوعت أنواعه، واختلفت أجناسه، قوة متشابهة هي (الحياة)، وهذه الحياة هي التي تبدع وتغيّر وتبدّل. والتطور يتم بقوة هذه الحياة، لا بقوة المؤثرات الخارجية، وخالق هذه الحياة هو الله تعالى.

  • دارون والجسر:

 

  • دارون: صاحب نظرية النشوء والارتقاء.

إن دارون ليس بفيلسوف، ولا له فلسفة كما نظن، بل هو عالم طبيعي كبير، دفع “مذهب التحوّل” دفعة جريئة قوية إلى الأمام، عندما نشر في سنة 1859 كتابه “أصل الأنواع بطريق الانتخاب الطبيعي”، فأصبح صاحب مذهب خاص، في التحول والنشوء والارتقاء، أُطْلق عليه مذهب “الدارْونية”.

أما الفيلسوف، الذي اتخذ من مذهب التحول والنشوء والارتقاء أساساً لوضع فلسفة شاملة، هو هرْبرتْ سْبنْسرْ، صاحب مذهب “التطوّر”.

إن خلاصة مذهب دارون في النشوء والارتقاء: ان الأحياء خاضعة لأربعة نواميس:

  • ناموس تنازع البقاء: ان الاحياء في تنازع دائم مع الطبيعة، ومع بعضها، وفي هذا التنازع يتم الفوز للفرد الذي تؤهله صفاته للغلبة والبقاء، وهذه الصفات كثيرة، ومختلفة بالنسبة للحيوانات والنباتات، فقد كُتبَ البقاء على الصالحين للحياة، وحقّ الفناء على غير الصالحين، وهذا هو معنى (تنازع البقاء).
  • ناموس التباينات بين الافراد: أن الاجسام الحية ميّالة للتباين، ببعض صفاتها، عن الأصل الذي نشأت منه، ولذلك لا يتم التشابه كلّ التشابه بين الآباء والأبناء، حتى النباتات التي يُخيَل إلينا أن أجزائها تامة التشابه، هي في الحقيقة متباينة، فلا تجد ورقة تشبه اختها تمام الشبه، ولكن بمرور الدهور لطويلة يظهر التباين، ويتكون النوع الجديد.
  • ناموس التباينات بالأرث: هو المتمم لناموس التباينات؛ لأن التباينات التي سبق ذكرها تنتقل بالوراثة من الأصول إلى الفروع، وتكون في أول الأمر جزئية وعرضية، ثم تصبح بعد مرور الأزمنة الطويلة جوهريةً، وتظهر في الأنواع.
  • ناموس الانتخاب الطبيعي للفرد الحيّ الذي تتحقق فيه الأفضلية على سواه بحكم النواميس الثلاثة الأولى، ويرتكز عليه المذهب كلُّه في النتيجة، فخلاصته: إن ناموس الوراثة كما ينقل التباينات، ينقل أيضاً جميع الصفات التي يحملها الأصل إلى الفرع، ماديةً كانت أو معنوية، أصلية أو مكتسبة، وهذه الصفات منها النافع كالقوة والصحة والذكاء، ومنها الضارّ كالأمراض والعاهات والشذوذ، إما أن تتغلب النافعة عليها، أو أن تتغلب هي على النافعة، فتؤدي إلى ملازمة صاحبها بذاته أو بنسله، وإما النافعة فهي التي تجعل صاحبها ممتازاً وفائزاً في معركة تنازع البقاء.

ثم تتوارث الفروعُ هذه الصفات النافعةَ، جيلاً بعد جيل، وبعد مرور الألوف من الأجيال، يبلغ الامتياز حدّاً يجعل من الفرد الممتاز نوعاً جديداً، وهذا هو ناموس الانتخاب الطبيعي الذي يراه دارون سبباً لتكوين الأنواع الحية الموجودة اليوم على سطح الأرض.

إن دارون مؤمن بوجود الله، إما أصل الأنواع فإنه يبدو متردداً في تحديده؛ لأنه مع ميله إلى رد الأنواع الحية كلها إلى أصل واحد، يصرّح بإنها ترجع إلى أربعة أصول أو خمسة مخلوقة خلقاً من زمان طويل، كل زوج منها أصل، ولا يتردد دارون أبداً في الاعتراف بإن الله هو الخالق لأصل الأنواع، سواء اكانت أصولاً عديدة أو أصلاً واحداً؛ لأن عقله لم يتسع لتصديق رأي القائلين بأن الأصل الأنواع تولًّد (تولّداً ذاتياً) بنفسه وبفعل الطبيعة.

هناك أشياعاً آخرين ملحدين من أصحاب المذهب المادي، لم يرضوا بقول دارون: إن الحياة نُفخت في الأصل بقدرة الخالق العظيم، فاتهموه بإنه يماليء رجال الدين ويترضّاهم، واخذوا يخترعون تفسيراً لنشأة الحياة الأولى من الماجة الميتة، فزعم بعضهم أن أصل الحياة كرّية بسيطة ذات خلية واحدة، وزعم آخرون إن الحياة عبارة عن كتل زلالية حية صغيرة (هي أدنى من ذات الخلية الواحدة وأبسط؛ لذلك سموها “مونيرا Monere” (أي الوحدة البسيطة في اليونانية))، وزعموا إنها تتكون من الجماد بـ”التولّد الذاتي”، ومن أشهر القائلين بذلك العالم البيولوجي الألماني (ارنستْ هِيكل).

يقول هِيكل: ان الكون مؤلف من المادة، والمادة مؤلفة من الذرات، ومن هذه المادة ظهر كل ما في الكون من أحياء وغير أحياء، وحركة العالم هي حركة تطور دائم، يبتدئ من أبسط الذرات، وينتهي إلى أرقى الكائنات، فهذه الكائنات كلها، حيُّها وجمادها، تتألف من عناصر واحدة، وعلى هذا الأساس يقول هِيكل ان أبسط أنواع الحيوان نشأت من مادة “غير حيّة” بطريق “التولّد الذاتي”.

يُقال بأن دارون قال: (إن أصل الإنسان قرد، ارتقى فصار إنساناً)، ولكن هذا لم يقله؛ بعض غلاة الماديين اتخذوا من مذهب دارون وكلامه عن الأعضاء الأثرية وسيلة لنفي الغاية والحكمة في الخلق، فأنكروا “الخلق الدفعي المباشر” الذي ذكرته الكتب المنزلة، وزعموا إن الإنسان أصله من القرود، واستدلوا بالشبه العظيم بين القرد والإنسان، في أكثر الأعضاء، وبعض الطبائع كالحيض، وقالوا إن لكثير من الحيوانات كل احساسات الروح كالفرح والحزن والحقد والمودة، ولها شيء من قوة التفكير والمقارنة.

ولكن هؤلاء القائلين بنشوء الإنسان من القرد، تحيروا في كيفية انتقال القرد من الحيوانية إلى الإنسانية، نُقْلَتَه الأخيرة، فقال بعضهم انها حصلت فجأة، وقال آخرون انها حصلت بالتدريج.

ولقد كانت الحملة على دارون قاسية وهوجاء إلى الحدّ الذي خرج به أعاظم رجال اللاهوت في العالم، وكثيرٌ من رجال العلم والسياسة والصحافة، مثل: اسقف اوكسفورد، وهو من أكبر العلماء، أعلن في خطبة ألقاها أمام تجمع تقدم العلوم البريطاني: (ان دارون ارتكب أشنع جريمة حينما حاول أن يحدّد مجدَ الله في فعل الخلق)، وأن الكاردينال (مانّنْغْ) قال: (ان مذهب دارون هو فلسفة وحشية تؤدي العقل إلى إنكار الآله)، وفي ألمانيا أعلن بعض العلماء أن مذهب دارون يناقض كل فكرة موجودة في الكتب المقدسة.

وقد دعا أحد علماء اللاهوت في سويسرا إلى القيام بحرب صليبية ضد هذا المذهب الخاطئ المفسد، وقالت مجلة جامعة دبلن: (ان دارون يبحث عن كيف يخلع الله عن عرشه)، وقال الدكتور هدج من جامعة برنستون: (انه يحب منع نشر أمثال هذه المذاهب التي تنافي الكتب المقدسة)، وقال الدكتور دوفيلد من الجامعة نفسها: (ان التوفيق بين مذهب النشوء وبين التنزيل غير ممكن، وان من يؤمن به، ولو ثبت علمياً، يكون كافراً بالله).

  • الجسر: أشبه العلماء بالإمام الغزالي.

أوجه الشبه بينهما كثيرة، أهمها: إن الجسر كان كالغزالي، عالماً، متكلماً، من أكبر علماء الدين في عصره، وكان مثْله واسع الاطلاع على حقائق العلوم الكونية، عظيم التبحّر في الفلسفة الميتافيزيقية، وكان غرض كل منهما من الخوض في مباحث الفلسفة هو اثبات وجود الله.

وقد اتفقا في ان كلاً منهما وضع كتاباً خاصاً للردّ على الفلاسفة في النواحي التي وجد انها تخالف الدين حقاً، فالغزالي وضع كتابه “تهافُت الفلاسفة”، والجسر وضع كتابه “الرسالة الحميديّة”.

ولكن الجسر تعرّض لآراء جديدة ظهرت في عصره، وأهمها: مذهب النشوء والارتقاء، الذي جرًّ الاخذ به بعض العلماء الطبيعيين إلى انكار الخالق، والقول بأن الحياة نشأت من الجماد بالتولد الذاتي.

يرى الجسر أن الأمر المهم الضروري هو ان نعتقد بأن الله تعالى هو الخالق للعالم ولما فيه من أنواع، وبعد هذا الاعتقاد لا فرق بين القول بـ”مذهب الخلق” أو القول بـ”مذهب النشوء والارتقاء” من مادة أصلية خلَقها الله تعالى، ثم كوّن منها الانواع وفرّعها بطريق النشوء والارتقاء، وفق نواميس وضعها الله في هذا الكون، فإن مذهب دارون عند ثبوته، لا يتناقض مع فكرة وجود الله الخالق الحق لكل شيء، هذا ما وضحه الجسر في كتابه الذي وضعه ونشره سنة 1888م.

فلا فرق بين الاعتقاد بأن الله تعالى هو من أوجد هذه العوالم عن طريق (الخلق)، أي: أنه أوجد كل نوع منها ابتداءٍ، مستقلاً عن غيره، ليس مشتقاً من سواه، وبين الاعتقاد بأن الله تعالى أوجد أنواع هذه العوالم عن طريق (النشوء والارتقاء)، فكل من هذين الاعتقادين (اعتقاد عن طريق (الخلق) واعتقاد عن طريق (النشوء والارتقاء)) لا ينافي الاعتقاد بوجود الله تعالى، وأنه الخالق لهذه العوالم في كل حال.

يقول الجسر: خلاصة النصوص المعتمدة في الاعتقاد التي وردت في الشريعة المحمدية في شأن خلق عوالم الأرض هي: ان الله تعالى جعل من الماء كل شيء حيّ، وانه خلق كل دابّة من ماء، وانه خلق من الانعام أزواجاً، وانه خلق الازواج كلها، وانه خلق الزوجين الذكر والأنثى، وانه جعل في الأرض من كل الثمرات زوجين اثنين، فهذه النصوص يحتمل أن تفسّر بحد ذاتها على (مذهب الخلق) أو (مذهب النشوء)، والنصّان الاوّلان منها يوافقان قول الماديين الحديث بأن المادة الحيوية من الماء.

لقد ورد في نصوص االشريعة المحمدية التي عليها مدار الاعتقاد في خلق الانسان:

  • ان الله بدأ خلق الانسان من طين، ومن حمأ مسْنون، ومن صَلصَال كالفخّار.
  • ان الله خلق الانسان من ماء.
  • ان الله خلق الانسان بيديه.
  • ان الله خلق البشر من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء.

وان كان كل الأمور من الجائز العقلي، الداخل تحت قدرة الله. نعم، ليس في تلك النصوص صراحةٌ بان الله خلق الانسان الأوّلَ من تراب (دفعةٌ واحدة) أو بتكوين متمهّل على انفراده؛ فسبيل هذا عندنا التوقف وعدم الجزم بأحد الأمرين، ولا ينافي ذلك اعتقادَ المسلمين في شيء، ما دام الأصل عندهم أن الله تعالى هو خالق الانسان في كل حال.

ويرى الجسر أن مذهب النشوء والارتقاء عند ثبوته بالأدلة القاطعة لا يتعارض مع القرآن، وانه عند هذا الثبوت القاطع لا يقدح في الايمان ان نعتقد بأن الله أوجد المادة البسيطة، ثم رقّاها وطوّرها وفق نواميس وضعها فيها، حتى نشأت منها الحياة في الخليّة الأولى، عكس الملحدين الذين زعموا أن الخلية الاولى نشأت من الجماد (التولّد الذاتي).

فإنهم يريدون بـ”التولّد الذاتي” ان الخلية الحية الأولى نشأت من الجماد مصادفةً عند حصول توازن نسْبي بين مقادير مخصوصة من العناصر المادية، لا بقدرة الله، ولكن كل ذلك حصل بخلق الله لا بالمصادفة العمياء؛ لأن الله هو خالق مادة الكون الأصلية من العدم، وهو خالق عناصرها المختلفة، وهو واهب العناصر طبائعَها.

أما الماديون الملحدون فينكرون وجود الخالق أصلاً، وينكرون وجود الإرادة في الخلق، ويزعمون أن العناصر تآلفت وتمازجت عن طريق المصادفة، فأحدثت الحياة

الباب الرابع:

الإيمان بالله تعالى

الفصل الأول:

الواجبات لله تعالى

 

يجب لله تعالى عشرون صفة، وتقسم إلى أقسام:

– واحدة نفسية: وهي الوجود.

– خمسة سلبية: وهي القدم، البقاء، المخالفة للحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية.

– سبعة معاني: وهي القدرة، الإرادة، العلم، الحياة، السمع، البصر، الكلام.

– سبعة معنوية: وهي كونه قادراً، مريداً، عالماً، حياً، سميعاً، بصيراً، متكلماً.

الصفة النفسية:

  • صفة الوجود:

وهي ما لا تُعقل الذات ولا تتحقق بدونه، فالله تعالى وجود، فكما لا تُعقل ذات الإنسان دون صفة الناطفية مثلاً، فإن لله صفة لا تتحقق بدونه كواجب الوجود.

مما يدلنا على وجود الإله، وجود هذا العالم المشتمل على هذه الصفات العجيبة والخصائص الغريبة والنظام البديع، فهذا العالم المركب من أجرام وأعراض، كالحركات والألوان والأكوان، ولا يمكن لهذه الأجرام أن تفارق هذه الأعراض، وهذه الأعراض حادثة بالمشاهدة، وهذه الأجرام ملازمة لها، لا يمكن أن تنفك عنها عقلاً، وتكون حادثة مثلها بسبب هذه الملازمة.

وكل حادث لا بدّ له من مُحدث، وإلا رجح أحد الأولين المتساويين اللذين هما الوجود والعدم على الآن بلا مرجح وذلك مستحيل، إذن لا بدّ لهذا العالم من مرجح، يرجح وجوده على عدمه، أو بالعكس، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، وقال : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

  • دليل السببية :

إن الحوادث تسبقها المحدثات، فما من حادث إّلا أحدثه محدث مؤثراً سبقه، فالمطر ينهمر من السحاب، والثمر يحصل من الشجر، والشجر ينبت من الماء، وكما قال الإعرابي: “البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير”، فأصبح معلوماً عند أرباب العقول، أنه لا بدّ لكل حادث من محدث، والحادث: هو الذي يسبقه عدم ويلحقه عدم، فلا يمكن أن يُوجد بذاته، بل لا بدّ له من موجد، أما القديم: فهو الذي لا ابتداء لوجوده.

فالكون حادث وليس بقديم؛ لأن الحركة المستمرة والتغيرات الدائمة الظاهرة فيه، فلا يمكن أن يكون أزلياً، فمن أكبر أجرامه إلى أصغر جزيئاته تنتقل فيه الحرارة من الأجسام الحارة إلى الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية، ومعنى ذلك أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى  فيها حرارة جميع الأجسام وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذٍ لا يكون هناك عمليات كيميائية أو طبيعية، وبالتالي لا يوجد أثر للحياة نفسها، فالكون لا يمكن أن يكون أزلياً وإلّا لاستهلكت طاقته من زمن بعيد وتوقف كل نشاط.

إن لهذا الكون بدايته، وما كان له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولا يمكن للعدم: وهو نفي ما يخطر بالبال ونفي صفاته فلا ذات ولا قوة ولا حياة ولا علم ولا شيء غيره، أن يكون (العدم) سبب الوجود، ففاقد الشيء لا يعطيه، وإذا عجز الإنسان عن خلق غيره، فهو أعجز عن خلق نفسه، وإذا عجز عن خلق نفسه فكيف بخلق السماوات والأرض وما فيهن ؟ فللكون خالق وصانع، وهذا الخالق غير حادث قطعاً، ولا تعتريه صفات الحوادث، لأنه لو كان حادثأ لاعتراه الفناء والعدم، وتكون النتيجة أن العدم أصل الوجود، وهذا كما قلنا مستحيل.

فهذا الخالق غير حادث، ويسمو عن صفات الحوادث، فهو كاملٌ كمالاً مطلقاً، ولو كان الخالق الكامل مخلوقاً لانتفى إقرار كماله، وهو ما يستحيل عقلاً كذلك، لذلك فهو واجب الوجود، أي يوجب العقل وجوده ولا يجيز إمكان إنعدامه سابقاً ولا لاحقاً، ووجود الخالق واجب يستحيل عدمه، لأن الموجودات محدثة كلها، ولا يمكن أن توجد بنفسها بلا لا بدّ من موجد لها.

الصفات السلبية:

يتصف واجب الوجود بخمس صفات تنفي عنه ما لا يليق به، وتسمى بالصفات السلبية، وهي: القدم، المخالفة للحوادث، القيام بالنفس، البقاء، الوحدانية.

  • صفة القدم:

هو عدم افتتاح الوجود، أو عدم أولية الوجود، والله سبحانه وتعالى لا أول لوجوده.

  • القدم الزماني: أي طول المدة، مثال: بناء قديم، أي مضى على بنائه زمن طويل.
  • القدم الإضافي: أي سبق الشيء في الوجود لشيء آخر، كقدم الأب بالنسبة للأبن.
  • القدم الذاتي: أي عد افتتاح الوجود، أو أولية الوجود وهو المراد بحق الله تعالى، أي أنه لا أول لوجوده وأن وجوده غير مسبوق بعدم.

الدليل:

لو كان لوجود الإله أول لاحتاج إلى محدث ومحدثه يحتاج إلى محدث وهكذا، إما أن يتسلسل إلى غير نهاية وإما أن يرجع إلى الأول، وكل من الدور والتسلسل مستحيل، إما استحالة الدور فلما يترتب عليه من التناقض والتهافت.

دليله العقلي :

وهو أن الله تعالى لو لم يكن قديماً لكان حادثاً، وافتراض الحدوث في الخالق يعني أنه قابل للزوال والعدم، ويلزم منه أن العدم أصل الوجود وهذا مستحيل، فإذا استحال كونه حادث ثبت ضده وهو أنه قديم، وهو واجب الوجود.

إذا الموجودات كلها حادثة تفتقر بصفاتها إلى من يوجدها، ومن كان وجوده واجباً كان مؤثراً في غيره، غير متأثرٍ بسواه، وكان وجوده أولياً، سابقاً في الوجود كل الموجودات من غير سبق عدم، وقد يصعب على العقل تصوّر على هذا المعنى تحليلاً وكيفاً، لكن ذلك لا يقدح في صحة الإيمان، فمن السهل أن نفهم صفة الرحمة عند الله كما نفهمها في صفة القدم مثلاً، لأننا لا نحتفظ في أذهاننا بصور عن ذلك.

وكون أن ما يجهله العقل أو يعسر عليه فهمه لا يعني بالضرورة أنه معدوم، فنحن نعلم أن أمواج اللون البنفسجي تحدث بسرعة 60 ألف موجة في البوصة (2.54 سم)، وهذا ثابت ثبوتاً عقلياً لا ريب فيه، لكن لا يستطيع مهما أرهقوا خيالهم تصوّر هذه السرعة الهائلة في هذه المساحة الضئيلة.

  • صفة القيام بالنفس:

هو عدم الافتقار إلى محل أو إلى مخصص (موجد)، أي أن الله سبحانه وتعالى ليس بصفة – كما تدّعيه بعض فرق النصارى والباطنية – بل هو ذات، فهو سبحانه وتعالى قائم بنفسه، مستغنٍ بذاته عما سواه.

الدليل :

إن الله تعالى متصف بصفات المعاني – كما سيأتي – وهي صفات ذات، لأن الصفة لا تتصف بالصفة، وذاته ليست كذوات الكائنات، فلا تحتاج إلى من يخصصها بالوجود بدل العدم، لأنه سبحانه ذات قديمة باقية – كما تقدم برهان ذلك في القدم والبقاء -، وذوات الكائنات حادثة فانية – كما تقدم في مبحث الوجود -، وعليه وجَبت له القيام بالنفس، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد).

ولو افتقر إلى موجود لكان حادثاً – وهو باطل كما تقدم -، ولو احتاج إلى محل يقوم به أو موجود يوجده لكان من الواجب أن يكون كل شيء موجود قبله ولا يكون مخلوقاً له – وهذا ما تم بطلانه سابقاً كذلك -.

فثبت وجوده تعالى من ذاته أي لا علّة لوجوده، وهكذا تثبت هذه الصفة بالدليل القاطع، ولو عجز العقل عن فهم حقيقتها وكيفيتها على النحو الذي يدرك فيه بقية صفات الحوادث.

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

  • الصمد: الذي لا يحتاج إلى شيء ويحتاجه كل شيء، قال تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ).
  • القيوم: الحي القائم بنفسه، المقيم لغيره، قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).
  • الغني: الذي استغنى عن الخلق فليس بحاجةٍ لهم، وهم بحاجته، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد).
  • صفة المخالفة للحوادث:

هي عدم المماثلة لشيء من الحوادث، أي لا نظير (المساوي في أغلب الوجوه)، ولا شبيه (المساوي في بعض الوجوه)، ولا مثيل (المساوي في جميع الوجوه) له سبحانه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

ثبت أن العالم – وهو ما سوى الله – منحصر في الأجرام والأعراض، وكل من في الأجرام والأعراض قد قام الدليل على حدوثها، ووجودها بعد العدم – كما تقدم في دليل الوجود -.

وقد ثبت أن الله تعالى قديم لا أول لوجوده، وباقٍ لا آخر لوجوده، اي لا يسبقه قدم ولا يلحقه عدم، فإذن يجب له تعالى أن يكون مخالفاً لجميع الحوادث؛ لأن كل الحوادث يجب لها العدم السابق ويجوز عليها العدم اللاحق، والله تعالى يجب له القدم والبقاء، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

فلا يمكن أن يكون للخالق سبحانه زوجة وأولاد، أو أن يكون بحاجة إلى طعام أوشراب أو أن يحتاج إلى النوم، أو إلى مكانٍ يوجد فيه، أو زمانٍ يجري عليه، فلا شيء يماثله، بل ذاته فوق أن تدرك أو أن تُحد، “فكل ما يخطر ببالك فالله غير ذلك”.

والمشابهة للحوادث تستلزم النقص بصورة أو بأخرى، وهو عكس ما تجب للخالق من كمال في كل شيء، وقد يماثل الإنسان الله تعالى في بعض الصفات، كالعلم والإرادة – كما سيأتي – لكنها مماثلة من حيث التسمية والظاهر فقط لا من حيث الجوهر – وسيأتي بيان في ذلك إن شاء الله -.

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

  • السلام: الذي سَلِمَ من كل عيب في ذاته وصفاته وأفعاله وبريء من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين.
  • القدوس: صيغة مبالغة على وزن (فعول)، وهي من القدس، أي الطهارة، فهو الطاهر من العيوب، المنزه عن الأفراد والأولاد، وعن كل النقائص التي لا تليق بكماله، قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ).
  • الغني: مأخوذ من الغنى، وهو عدم الحاجة إلى شيء وما عداه تفتقر إليه.
  • الواجد: الغني الذي لا يحتاج إلى شيء.
  • المتعالي: المتنزه عن النقائص.
  • الصمد: لأن من بعض معانيه أنه لا يُطعم، فهو مخالف لمخلوقاته من الحوادث الحية التي تحتاج إلى الطعام لبقائها على قيد الحياة المقدّر لها.
  • الأول، الآخر، الباقي: فهو مخالف للحوادث التي تحتاج إلى بداية ونهاية وبقاء، فهو الذي لا يحتاج إلى البداية ولا إلى النهاية، وهو الباقي الذي لا يُفنى.
  • المتشابه من الصفات:

ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة، آيات وأحاديث ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توهم بظاهر ألفاظها مشابهة الخالق سبحانه لخلقه في بعض صفاتهم، وكان هذا الموضوع أثار جدل كبير بين الفرق الإسلامية قديماً، كقوله تعالى:

  • (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا).
  • (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ).
  • (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ).
  • (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا).
  • (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).

وكقول النبي صلى الله عليه وسلم:

  • (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يقلّبهاكَيْف يَشَاءُ).
  • (لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَىبَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ).
  • (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الأخيرُ).

وكم حاول المسلمون استكشاف هذه المعاني فلم يرجعوا إلّا بالحيرة، كما قال أحدهم:

نهاية إقدام العقول عقَالُ .. وآخر سعي العالمين ضلال !

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا .. سوى أن جمعنا فيه قيل وقَالوا

وكم من جبال قد علا شُرُفاتها .. رجالْ فبادوا والجبال جبال

فلا لوم في ذلك ولا غرابة، فآيات الله الكريمة – كما بيّن سبحانه – فمنها ما هو صريح اللفظ، واضح المعنى، سمّاها الله تعالى: (آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ)، ومنها ما هو غير واضح المعنى، وتوهم بظاهرها، على ما قامت الأدلة بنفيه، أسماها تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ).

وقد وقفت الفرق الإسلامية من ذلك مواقف منها :

  • منهم من أراد أن ينفي عن الله تعالى مدلولات الألفاظ أساساً، فعطّلوا صفات الله المتعلقة بها، فقالوا: هو لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر، لأن ذلك لا يكون إلا بجارحة من الجوارح، وهذا ما لا يليق معه من باب التقديس، وعرفوا بالجهمية.

وبذلك صاروا كما قال السلف الصالح : ” المعطّل يعبدُ عدماً .. والمشبه يعبدُ صنماً “.

  • أما مذهب السلف، وهو ما كان عليه أهل القرون الثلاثة الأولى (الصحابة والتابعون وتابعوهم) الموصوفون بالخيرية كما في الحديث المعروف، فسلكوا مذهب التفويض، والمراد به صرف اللفظ عن ظاهره المحال على الله تعالى مع عدم التعرّض لبيان المعنى المراد منه، بل يفوّض علمه إلى الله تعالى، فقالوا نؤمن بالمتشابه من الصفات كما وردت في الآيات والأحاديث، ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى.

فهم يثبتون الوجه واليدين والأعين والاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا، وكل ذلك بمعانٍ تليق بجلال الله وعظمته، ويكلون الإحاطة بمعانيها لله تعالى مع قطعهم بانتفاء المشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته.

فهم بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ولا ذاته بذوات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، فيعطلّون أسمائه الحسنى وصفاته العليا.

لذلك نجد السيدة أم سلمة – رضي الله عنها – حين سُئلت عن (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، قالت: (الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر)، وكان الإمام أحمد يقول: (استوى كما أخبر، لا كما يخطر للبشر)، وأحسن ما يُقال في هذا المقام، ما قاله الإمام الشافعي – رحمه الله -: (آمنت بكلام الله على مراد الله، وبكلام رسول الله على مراد رسول الله).

وقد عاش الصحابة والتابعون وتابعوهم وهم لا يسألون ما قدمه ؟ وما عينه ؟ وما استواؤه ؟ وكيف نزوله ؟ فقد هُدوا إلى أن العقل لا يستطيع أن يدرك كنه صفة من هذه الصفات.

  • أما الخلف، وهم من كانوا من أهل العلم بعد نهاية القرن الثالث للهجري، فذهبوا إلى التأويل، أي حمل اللفظ على خلاف ظاهره مع تأويله تأويلاً تفصيلياً، وحملوا الألفاظ على معانٍ مجازية، تسوغ في اللغة العربية وتليق بالله عزّ وجلّ، ففسروا:
    • المجيء بـ: مجيء أمره وقضائه.
    • والاستواء بـ: تسليط القوة والسلطة.
    • واليد بـ: القوة والكلام.
    • والعين بـ: العناية والرعاية.
    • والقدم بـ: الردع والقمع.

فيكون قد اتفق السلف والخلف عى أصل التأويل ونفي التعطيل، إلّا أن الخلف زادوا تحديد المعنى بلجوئهم إلى التأويل التفصيلي، بينما وقف السلف عند التأويل الإجمالي.

كمثال، نعتمد قوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي):

  • قال السلف: إن له عيناً ليست كأعيننا.
  • وقال الخلف: إنما هي الرعاية والحفظ.

فكلا الفريقين وافق على تنزيه الله تبارك وتعالى عن مشابهته لخلقه، وأن مراد ألفاظ النصوص غير ظواهرها، لكن اختلفوا على أسلوب التنزيه، وهو خلاف هيّن لا يستحق ذلك الجدل.

فمن تتبع مذهب السلف -رضوان الله عليهم – فهو أسلم وآمن، والله أعلم، ولا نعتبر تأويلات الخلف توجب الحكم عليهم بالفسق أو الحاجة للجدال العقيم الذي دار عبر العصور، إذ أن مذهب الخلف كان المصير الذي لا بدّ منه بسبب نشوء المذاهب الفكرية واتساع حلقات البحث العلمية، وظهور فرق كالجهمية والمشبّهة والزنادقة الذين لا يقيهم منهج التسليم.

  • رؤية الله سبحانه وتعالى :

هي من المسائل التي دار عليه خلاف بين أهل السنة والمعتزلة لأنها لم ترتبط بأدلة قطعية جازمة كما بقية أدلة العقيدة، فانقسموا في إمكانية الرؤية إلى فريقين:

  • الفريق الأول (المعتزلة): قالوا أنه ليس من الممكن رؤية العباد لربهم مطلقاً، لأن العقل يحكم باستحالها، فالرؤية هي انطباع صورة المرئي في الحدقة، وإنحصار المرئي في مكان (الحدقة)، يعني أنه في جهة قبال الرائي، والله سبحانه منزه عن ذلك.

واستدلوا بقوله تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)، فقالوا: أن الله نفى أن يدركه أحدٌ بالبصر، والإدراك بالبصر هو الرؤية.

ودليل آخر، أن موسى – عليه السلام – حين طلب رؤية الله سبحانه وتعالى، قال له: (قَالَ لَنْ تَرَانِي)، وقد علّق الرؤية على مستحيل في الواقع (استقرار الجبل مكانه)، فقال الزمخشري – وهو من المعتزلة -: (لَنْ) تفيد النفي المؤبد، فالرؤية عندهم منتفية في الدنيا والآخرة.

  • الفريق الثاني (أهل السنة والجماعة): ذهبوا إلى أن رؤية الله من الممكنات، فالرؤية قوة يجعلها الله في الإنسان متى شاء وكيف شاء فيُرى المرئي على حقيقته، وردّوا على المعتزلة بشأن آية (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) أن الإدراك ليس مجرد رؤية، بل رؤية تكون على وجه الإحاطة، فالمنفي هو الإحاطة وهو الأخص، ولا يلزم نفي الأخص نفي الأعم، فنحن نرى السماء ولا نحيط بها.

ودليلهم على جواز الرؤية من قصة موسى – عليه السلام -: أن موسى سأل ربه رؤيته، ولو كانت مستحيلة لما سألها، وإلّا كان ذلك جهلأ منه بربه، خطأ في تصوره، وهو يتنافى مع عصمة الأنبياء.

وأن موسى لم يسأل ربه الرؤية، إنما سأله الإراءة، فهو يعلم أنه لا يستطيع بحاله الحالية أن يراه، لذلك جاء الجواب (قَالَ لَنْ تَرَانِي)، وليس (لن أُرى)، فالمانع من جهة موسى أن طبيعته الكونية ليست معدّة لذلك، كما أن الله تعالى علّق الرؤية على أمر ممكن، وهو استقرار الجبل مكانه، والمعلّق على ممكن ممكن، فالرؤية ممكنة وليست مستحيلة، و(لَنْ) تفيد مطلق النفي لا التأبيد، ولو كانت للتأبيد فهي في الدنيا فقط.

فالمعتزلة نفوا حصول رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، أما أهل السنة والجماعة فقالوا – كما مر سابقاً – بحصول الرؤية في الآخرة، لكن واختلفوا هل تقع في الدنيا أم فقط في الآخرة.

  • ذهب فريق من العلماء وعلى رأسهم ابن عباس – رضي الله عنهما – إلى جواز رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا، بدليل ما وقع للنبي الأكرم صلي الله عليه وسلم ليلة المعراج، وما كان معجزة لنبي يمكن ان يكون كرامة لولي.
  • وذهب فريق آخر وعلى رأسهم السيدة عائشة – رضي الله عنها- أن رسول الله لم يرَ ربه ليلة عُرج به، فروي عنها أنها قالت: (مَنْ حَدّثَك أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذُب لكنه رأى جبريل) رواه البخاري.

والتوفيق بين ذلك كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني (شارح صحيح البخاري): (أن السيدة عائشة تنفي (رؤية البصر)، والشيء الذي يثبته ابن عباس (رؤية القلب)).

أما أدلة وقوع الرؤية في الآخرة فقد ثبت في :

  • القرآن الكريم:

قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ *إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ)، قال جمهور المفسرين أن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم.

  • السنة النبوية:

قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري: (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تُضامون في رؤيته)، وقوله: (بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، يزيدهم ربهم، فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئاً أحبُ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل).

  • أما الإجماع:

فقد أجمع الصحابة -عليهم رضوان الله- وعامة المسلمين (عدا المعتزلة) على وقوع الرؤية في الآخرة لصالحي المؤمنين، لذلك تعلّق آمال الصالحين برؤية ربهم ولا يمنّون أنفسهم بغير ذلك النعيم.

  • صفة البقاء:

هو عدم آخرية الوجود، فالله تعالى هو الذي لا آخر لوجوده، فيمتنع لحوق العدم والفناء بذاته سبحانه وتعالى.

الدليل: لأنه لو كان له سبحانه آخر لجاز عليه العدم، ولو جاز عليه العدم لاستحال عليه القدم، لأن الجواز إذا ثبت، ثبت سابقاً ولاحقاً، لكن القدم أحال سبق العدم، فانتفى جواز العدم مطلقاً، قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، فلا يتصوّر وجود شيء قبله يحدّه سبحانه، لمنافاة ذلك لكماله المطلق، ولا يتصوّر أن يلحقه العدم لكمال ألوهيته، فهو سبحانه أزلي أبدي.

وهي صفة لا مقياس لها في الخيال – مثل القدم – وإن كان في العقل دليل ثبوتها فمن المستحيل على العقل أن يستطيع تخيّل تصورها وفهم حقيقتها.

كما أن بقاء الله تعالى لا يقارن بزمان، وهكذا سائر الصفات، فالزمان اقتران بحادث (كحركة الكواكب)، وهو ما لا يليق بالله تعالى، فهو قديم ليس له أجل بخلاف بقاء غيره المخالط بالعدم المقرون بالزمان.

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

  • الآخر: وهو الذي ليس بعده شيء ولا آخر لوجوده والباقي إلى ما لا نهاية، قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ).
  • الباقي: هو دائم الوجود الذي لا يقبل الفناء ولا يلحقه العدم، قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).
  • الوارث: فهو في بعض معانيه الباقي بعد فناء الموجودات.
  • صفة الوحدانية:

هي عدم التعدد، أي أن الله واحد لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

  • وحدة الذات: انتفاء وجود ذاتٍ أُخرى كذاته سبحانه، وانتفاء الكثرة عن ذاته، فتنفي أن يكون الله مركباً من أجزاء، أو أن يكون له شريك.
  • وحدة الأفعال: تنفي أن يكون لأحد فعل كفعله سبحانه وتعالى من خلق أو رزق أو إحياء أو إماتة، وتنفي أن يعينه أحد أو أن يساعده في فعل من الأفعال.
  • وحدة الصفات: تنفي أن يكون لأحد صفات كصفاته سبحانه وتعالى فليس لأحد قدرة كقدرته، أو علم كعلمه، إلى غير ذلك، لإنتفاء أن يكون له صفتان متماثلتان أو من جنس واحد يتمم بعضها بعضاً، بل له قدرة واحدة يقدر بها على جميع خلقه، وله علم واحد لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ويراد بها انفراده تعالى بإيجاد جميع الكائنات.

دليل أنه واحد :

لو كان إلهان اثنان فإمّا أن يتفقا أو أن يختلفا، والإتفاق إما أن يكون واجباً، وإما أن يكون جائزاً.

ولا يكون واجباً لأن قدرة الله يجب ان تكون عامة لسائر الممكنات، والإله من خصائصه أن يتصف بنهاية التكبّر ونهاية التجبّر، فلو كان الموصوفان فيما تقدم قد اتفقا على أن يكون لأحدهما الأرض وللآخر السماء، أو لأحدهما الإنسان والحيوان وللأخر الجماد والنبات، فإن كان هذا الاتفاق واجباً ولا يمكن لأحدهما أن يخالف الآخر، فيكون الإله مقهوراً مجبوراً ذليلاّ.

وقد تقدم أن الإله قدرته عامة، وسيأتي أنه مريد مختار، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذن لا يمكن أن يكون الاتفاق واجباً، وإذا كان الاتفاق جائزاً، فكما يقال: “كلما جاز الاتفاق جاز الاختلاف”.

دليل الاختلاف :

أنه لو كان إلهان واختلفا، فهذا يريد إيجاد العالم، وهذا يريد إعدامه، فإن نفذ مرادهما فقد اجتمع النقيضان (وجود العالم وعدمه)، وهذا مستحيل، وإن لم ينفذوا مرادهما لم يوجد شيء من هذا العالم، وقد وُجد. وإن نفذ مراد أحدهما ولم ينفذ مراد الآخر فالذي نفذ مراده هو الإله، والذي لم ينفذ مراده مقهور مجبور ذليل مخلوق غير خالق.

دليل وحدانية الذات :

تتضح بشدّة من خلال انتظام هذا الكون الفسيح ودقة صنعه، برغم ما فيه من خلائق وعوالم، فإنها تجري بنسق مطرد دون خلل أو اضطراب في وحدة نظام وترابط تام، وهذا أكبر دليل على أن الخالق المهيمن على الكون كله واحد، ولو كان متعدداً لتباينت قوانين الكون ولتعارضت، وانتهى أمر الكون لصدام وفساد.

وقد ورد هذا البرهان في القرآن الكريم، بقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وقوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا)، وقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).

دليل وحدانية الصفات :

أنه لو كان لأحد صفة مثل صفة الله تعالى في الكمال لكان هذا الأحد إلهاً آخر، والإله الآخر مستحيل كما تقدم، فلا بدّ إذاً أن تتجمع صفات الألوهية كلها في ذات واحدة.

ولو فرضنا التعدد فإن عدم تعاون الآله يحقق الفساد والدمار للكون، وهو ما لا نراه فعلاً، وكذلك يستحيل أن يتصف أحد بصفات الإله حقاً، فهو: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

دليل وحدانية الأفعال :

لو كان لأحد أفعال مثل أفعال الإله، لكان إلهاً آخر، وهو مستحيل كما تقدم، ويتسحيل كذلك مشابهة أفعال الإله على الحقيقة، قال تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ).

  • الوحدانية:

هي الركيزة الأولى التي يقوم عليها الإيمان الصحيح بوجود الله سبحانه وتعالى، وهي اعظم حقيقة من الحقائق المبثوثة في الكون، لذلك كَثُر التنبيه عليها في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ)، ففي سورة الإخلاص تتضح ملامح التوحيد في العقيدة الإسلامية بكل يسر وسهولة من غير تكلّف ولا تعقيد، قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

فالله سبحانه هو الأحد، أي المتفرّد في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو الصمد الغني في ذاته وصفاته غنيً تاماً، وهو الذي يقصده ويرتجيه العباد لحاجاتهم وافتقارهم، ولم ينبثق عنه ولد كما ينبثق عن غيره، فهو ليس محتاجاً للبنين والحفدة، ولا للصواحب والزوجات فهذا شأن العباد، والله منزّه عن النقص والاحتياج لغيره، ولا ندّ له يماثله في صفاته أو يدانيه فيها، فجمعت سورة الإخلاص الوحدانية المطلقة (وحدانية الذات والصفات والأفعال).

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

  • الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه شريك، فهو وحده واجب الوجود، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ).
  • الأحد: أي المنفرد كالأحد، قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
  • أنواع التوحيد:

توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية، لا يكون المؤمن مؤمناً حقاً إلّا إذا أقّر بهما جميعاً وعمل بمقتضاهما.

فالربوبية: تمثّل علاقة الله تعالى بالإنسان، والإلوهية: تمثّل علاقة الإنسان بالله تعالى.

النوع الأول: توحيد الربوبية:

 

  • معناه الأجمالي: الاعتقاد الجازم بأن الله رَبّ كلّ شيء، ولا رَبّ غيره.
  • بيانه: أن الربّ في اللغة: هو المالك المدبر، وربوبية الله على خلقه تعني تفرده سبحانه في خَلْقِهم، ومُلْكهم، وتدبير شؤونهم.

فتوحيد الله في الربوبية: هو الإقرار بأنه سبحانه هو وحده خالق الخَلْق، ومالكهم، ومُحْيِيهم ومُمِيتهم، ونافعهم وضارهم، ومجيب دعائهم عند الاضطرار، والقادر عليهم، ومُعطيهم، ومانعهم، وله الخَلْق، وله الأمر كله، كما قال سبحانه عن نفسه: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، والإقرار بأن الله وحده هو الفاعل المطلق في الكون، بالخلق، والتدبير، والتغيير، والتسيير، والزيادة، والنقص، والاحياء، والاماتة، وغير ذلك من الأفعال، لا يُشاركه أحد في فعله سبحانه وتعالى.

الرب:

أبسط شرح لمعنى الرب هو الأب الحاني على أولاده، يهيئ المسكن والحاجات والطعام والشراب والمدرسة والغرفة الخاصة والتوجيه والتعليم والمحاسبة والتربية والعقاب أحياناً والمكافأة والتكريم.

ولعل هذا الأسم هو أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان؛ لأن الله عز وجل يربينا، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا ويربي عقولنا، عن طريق آياته الكونية، وعن طريق آياته التكوينية، وعن طريق آياته القرآنية، قال تعالى: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ)، أعطاه القوام المناسب، الأجهزة المناسبة، الحواس المناسبة، النسج المناسب، الخصائص المناسبة، أعطى كل شيء خلقه التام ثم هدى.

  • ففي مقام الحمد يتلو المسلم في كل ركعة يصليها: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
  • وفي مقام الاستسلام لله والانقياد له، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
  • وفي مقام التوجه لله عز وجل، واخلاص القصد إليه، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

فقد حكى الله سبحانه وتعالى عن المشركين أنهم كانوا مُقرّين بأن الله وحده خالق كل شيء، وظلوا مع ذلك مشركين؛ لأنهم لم يوحدوا الله في ألوهيته، فعبدوا غيره سبحانه، ولأنهم لم يُوحدّوا الله في أسمائه وصفاته، فجحدوا بعضها، ولم يؤمنوا بها، ولذلك قال عنهم الله عز وجل: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)، فقد قال مجاهد في هذه الآية: (إيمانهم بالله قولهم أن الله خلقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره).

 

النوع الثاني: توحيد الألوهية:

معناه الإجمالي: الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه هو الاله الحق، ولا إله غيره، وإفراده سبحانه بالعبادة.

الله:

اسم علم في اللغة العربية على الذات الإلهية الجامعة لجميع صفات الكمال، والمنزهة عن أيَّةِ صفة من صفات النقصان، ولم يسمَّ به غير الخالق جل وعلا، لا على سبيل الحقيقة، ولا على سبيل المجاز.

ولله تعالى في كل لغة اسم على ذاته، يجب تقديسه، واحترامه في تلك اللغة، فمن ذلك: (طانري – Tanri) في التركية، و(خداي) في الفارسية، و(ديو) في الفرنسية، و(كَدْ – God) في الإنجليزية.

يقول ابن تيمية: (وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب، في الأولى والآخرة، فمن لم يأت به كان من المشركين)، وقد أخبر الله عز وجل عن رسله، نوح وهود وصالح وشعيب، أنهم كانوا جميعا يقولون لأقوامهم هذه الكلمة: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ).

  • مستلزمات توحيد الألوهية:

 

  • وجوب إخلاق المحبة لله عز وجل: فلا يتخذ العبد نِداً لله في الحب، كما يحب الله، أو يقدمه في المحبة على حب الله عز وجل، وقد توعد الله عز وجل من يقدمون القيم الدنيوية على حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
  • وجوب إفراد الله تعالى في الدعاء والتوكل والرجاء فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه، قال تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ)، وقال أيضاً: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
  • وجوب إفراد الله عز وجل بالخوف منه، قال تعالى: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ).
  • وجوب إفراد الله سبحانه بجميع أنواع العبادة البدنية من صلاة وركوع وسجود وصوم وذَبْح وطواف، وجميع العبادات القولية من نَذْر واستغفار.

النوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات:

معناه الإجمالي: الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل متصف بجميع صفات الكمال، ومُنَزه عن جميع صفات النقص، وأنه متفرد بهذا عن جميع الكائنات، وتنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الخلق وعن أي نقص، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، وقوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

فتوحيد الله في صفاته يقتضي من المسلم أن يُنزه ربه عن الزوجة، والشريك، والكَفُؤ، والظَهير، والشفيع (بدون إذن الله)، والوليّ من الذل، ويقتضيه أن يَنزه الله عن النوم، والاعياء، والتعب، والموت، والجهل، والظلم، والغفلة، والنسيان، والنعاس، والتَحيُّز، وغير ذلك من صفات النقص.

فيقتضي وجوب الاقتصار فيما يُثْبَت لله من الأسماء والصفات، على ما ورد منها في القرآن الكريم، أو في السنة الثابتة؛ لأن الله عز وجل أعلم بنفسه وصفاته وأسمائه، قال تعالى: (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا يُتَجَاوز القرآن والحديث).

ويقتضي من العبد المكلف أن يؤمن بتلك الصفات والأسماء المنصوص عليها في الكتاب والسنة من غير سؤال عن كيفيتها، ولا بحث عن كنهها.

  • قوادح توحيد الأسماء والصفات:

 

  • التشبيه:

أي تشبيه صفات الخالق، بصفات المخلوق، كتشبيه النصارى “المسيح ابن مريم” بالله سبحانه، وكتشبيه اليهود “عزيرا” بالله، وتشبيه المشركين “أصنامهم” بالله، وكتشبيه بعض الطوائف “يد الله” بيد المخلوق و”سمع الله” بسمع المخلوق.

  • التحريف بالتأويل، أو التغيير والتبديل:

كتحريف ألفاظ الأسماء والصفات، بزيادة، أو نقصان، أو تغيير الحركات الإعرابية كتحريف بعضهم لقول الله عز وجل: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) بنصب لفظ الجلالة؛ لنفي صفة الكلام عنه سبحانه وتعالى.

  • التعطيل:

وهو نفي الصفات الإلهية؛ وذلك بجحد أسمائه وصفاته.

  • التكييف:

وهو تعيين كيفية الصفات، وإثبات كُنهِهَا، يقول الشوكاني: (ان مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين وتابعيهم هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا تشبيه، ولا تعطيل يُفضي إليه كثير من التأويل، وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات تَلَوا عليه الدليل، وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا).

  • أسماء الله عز وجل:

لا تنافي بين كون هذه الأسماء نُعوتاً لله عز وجل، وأعلاما عليه، وسميت بالحسنى: لدلالتها على أحسن مُسمى، وأشرف مدلول، وتوحيد الله في أسمائه يقتضي الإيمان بكل اسم سَمّى به نفسه، وبما دل عليه هذا الأسم من معنى، وبما تعلق بهذا الأسم من آثار.

أما عدد أسماء الله جل وعلا:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة، إنه وٍتر يحب الوتر)، وقد اتفق العلماء على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (تسعة وتسعين اسما) لا يفيد أنها محصورة في هذا العدد.

ويدل على أن هناك أسماء لم يخبرنا بها الباري، وإنما استأثر بها في علم الغيب، ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَا أَصَابَ مُسْلِمًا قَطُّ هَمٌّ، وَلا حَزَنٌ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أُمَّتِكَ، نَاصِيَتِي فِي يَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَجِلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وغَمِّي” إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ هَمّه فَرَحا)، قالوا: يا رسول الله، أَلا نتعلم هذه الكلمات ؟ قال: (بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ).

وأما معنى احصاء اسماء الله الوارد في الحديث السابق: فهو معرفتها وحفظها، وفهمها، والإيمان بها، وحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الله بها، ودعاء الله عز وجل بها.

إله:

  • في المعجم جاء: أَلَهَ يَأْلَهُ وأُلوهَةً وألوهِيَةً يعني عَبَدَ عبادة فأَلَهَ بمعنى عَبَدَ الإله المعبود، أي: عَبَدَ يَعبدُ والعبادة هي غاية الخضوع مع غاية الحب ولن تُحب ولن تُطيع إلا إذا عرفت الله عز وجل، فالعبادة ثلاث مراحل: معرفةٌ وطاعة مع حب وسعادة، وهذا المعنى الأولى (أَلَهَ).
  • أما المعنى الثاني: أَلِهَ يَأْلَهُ أَلَهاً أيْ تحيَّرَ، الإنسان يتحيّر بمَن ؟ بالصغير أم بالكبير ؟ بالجليل أم بالحقير ؟ بالغني أم بالفقير ؟ فالتحيُّر من معاني العظمة تَحار به الألباب، تَحارُ به العقول، تَحارُ به النفوس، تَحارُ به الأفئدة.
  • والمعنى الثالث: أَلِهَ إليه أي لجأ إليه، يعني لا ملجأ لك أيها الإنسان إلا الله تعالى، فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود ولا عظيم ولا ملجأ إلا الله، طبعاً الإله هو الله لكن هذه اللام نافية للجنس.

ما الفرق بين اللام النافية للجنس واللام النافية نفياً عادياً ؟

قد تقول مثلا: لا طالبَ في الصف بل طالبة، فجنس الذكور ليس موجوداً، أما إذا قلت لا طالبٌ في الصف بل طالبان، في هذه الحالة أنت نفيت ماذا ؟ نفيت المُفرد، فاللام التي تنفي المفرد تُسمى اللام الحجازية، أما اللام التي تنفي الجنس تُسمى اللام النافية للجنس.

وإذا قال لك أحدهم هل عندك خُبزٌ ؟ فقلت لا خبزَ عندي، فالمقصود لا خبز ولا قمح ولا طحين ولا أي شيء من أنواع القمح عندك، أما إذا قلت لا خبزٌ عندي، فقد نفيت المفرد وقد يكون عندك أجناس القمح أما الخبز نفيته وحده.

إذاً (لا إلهَ) تنفي أن يكون في الكون إله غير الله عز وجل، ومن معانيها أيضاً: لا إله للرغبة إلا الله، ولا إله للرهبة إلا الله، فحالة التوحيد هي الصحة النفسيّة، وخِلاف التوحيد مرض، فقد رُوي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (قبل أن يسلم): يا حصين كم تعبد من إله ؟ فقال أعبد ستاً أو سبعاً في الأرض وواحداً في السماء، فقال له النبي: وأيهم تعبد لرغبتك ورهبتك ؟ فقال: الذي في السماء، فقال له النبي: فيَكْفيكَ إله السماء.

  • الأمور التي تنافي التوحيد :

وتسمى الشرك الأصغر: وهي توجب لصاحبها الوعيد، دون الخلود في النار – إن مات عليها -، فلا تنقل صاحبها من ملة الإسلام، إنما تدمغه بالفسوق والضلال، وتدخل تحت سلطان المشيئة الإلهية، إن شاء غفر وإن شاء عاقب، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء)، وهي متعددة، وتخفى على الناس؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء)، ومنها:

  • التمائم والرقى.
  • النذور لغير الله.
  • الذبح لغير الله.
  • الحلف بغير الله.
  • الاستعاذة بغير الله من الجن والشياطين وغيرها.
  • الاستغاثة والاستعانة والتوسل بغير الله.
  • اتخاذ القبور مساجد.
  • السحر.
  • إتيان الكهّان والعرّافين بجميع أنواعهم.
  • الطيرة.

ومن العلماء من يضيف إليهم الرياء، لما ورد في الحديث الشريف: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا يا رسول الله وما شرك الأصغر ؟ قال : الرياء)، وعدّه رسول الله شركاً حين قال: (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك)، وللحديث تفصيل يأتي إن شاء الله.

أولاً: التمائم والرقى:

التمائم: جمع تميمة، وهي قلادة أو خرز يعلق في العنق أو الرأس، وهي من العادات التي كان العرب في الجاهلية يمارسونها ويعتقدون أنها تدفع الأذى والآفات والأمراض عن صاحبها.

فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: (إن الرُّقى والتمائم والتِّوَلَه شرك).

ولكن تعليق شيء مما كتب فيه آيات من القرآن الكريم أو دعاء لله لا يعد من التمائم المحرمة، إنما هو مباح؛ لأنه ليس فيه إشراك بالله تعالى، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم صحابته رضي الله عنهم من الفزع كلمات هي: (بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون). وكان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبها له في صك ثم علقها في عنقه. فإذا جاز كتابة الدعاء وتعليقه فكتابة القرآن وتعليقه من باب أَوْلى.

الرُّقى: جمع رُقْيَة، وهي بمعنى التعويذة، والمقصود بها في الاصطلاح الشرعي: ما يقرأ على المريض حتى يشفى من مرضه أو عاهته، أو ما يقرأ على الصحيح لوقايته من الأمراض والأضرار وغيرها، والرقى منها ما هو جائز، وهو:

  • أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه، أو بصفاته، وليس بكلام البشر.
  • أن تكون باللغة العربية، ولا يجوز أن تكون بلغة أخرى أو بكلام لا يفهم معناه.
  • الاعتقاد أنها لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.

ودليل مشروعية هذه الرُقى، قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا)، وقول رسول الله: (اعرضوا عليًّ رُقَاكم، لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك)، وكان رسول الله صلى عليه وسلم يرقي نفسه بسورة الإخلاص والمعوذتين.

وأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات عديدة في الرقى المشروعة منها: (أذهب البأس رب الناس، اشفِ وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً)، وقال أيضاً: (بسم الله أرقيك من من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك، بسم الله أرقيك)، وقوله للحسن والحسين: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامّة. وكان يقول: كان إبراهيم يعوذ بهما إسماعيل وإسحق).

أما الرقى الممنوعة، فهي التعوذ باسم الجان أو الشيطان، أو بكلام لا يفهم معناه، أو الاعتقاد بأن الرُقى تؤثر بذاتها.

ثانيا: النذور لغير الله تعالى:

النذر:

  • لغة: هو الوعد بخير أو شر، والنذر من الإنذار وهو التخويف لمن لم يفِ بوعده.
  • شرعاً: التزام قربة إلى الله تعالى غير لازمة في أصل الشرع بلفظ يُشعر بذلك. كأن يقول: (لله عليّ صيام ثلاثة أيام)، أو يقول: (إن شفى الله مريضي لأتصدقن على الفقراء).

والنذر مشروع، والوفاء به واجب؛ فإن الله تعالى قد أمر بالوفاء بالنذور، فقال سبحانه: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)،

ويشترط في النذر حتى يكون مشروعاً:

  • أن لا يكون لغير الله تعالى، وأن يكون خالصاً لله.
  • أن يكون في طاعة، وإلا فحكمه البطلان والحرمة وفيه كفارة اليمين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ويكفِّره ما يكفِّر اليمين).

ثالثا: الذبح لغير الله تعالى:

وهو الذبح الذي لا تحل به الذبيحة بحيث يحرم أكلها، وهو على ثلاث صور:

  • أن يذكر الذابح على الذبيحة وقت الذبح اسماً غير اسم الله تعالى، بأن يرفع الذابح صوته عنذ الذبح بذكر اسم غير اسم الله تعالى على عادة العرب في ذكر أصنامهم عند الذبح، فكانوا يقولون باسم اللات والعزى.
  • أن يقصد الذابح بذبحه التقرب إلى غير الله تعالى، كأن يذبح الذبيحة تقرباً إلى ولي أو جني أو نحو ذلك، ودليل التحريم قوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من ذبح لغير الله).
  • أن يكون الذبح في مكان فيه وثن من أوثان الجاهلية، أو فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زوال الوثن والعيد، بدليل ما روي عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟)، قالوا: لا، قال: (هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟)، قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم).

رابعا: الحلف بغير الله:

الحلف بغير الله أو بأحد أسمائه أو صفاته حرام، منهي عنه شرعاً، فقال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقوله: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)، لهذا لا يجوز أن يحلف شخص بالكعبة بل يحلف برب الكعبة.

خامسا: الاستغاثة والاستعانة والتوسل بغير الله تعالى:

الاستغاثة:

  • لغة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.

والفرق بينها وبين الدعاء، إن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، وأما الدعاء فيكون من المكروب وغيره، والاستغاثة إذا كانت بالله تعالى، فهي عبادة كالدعاء، قال تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ).

فلا يجوز لإنسان أن يستغيث بغير الله تعالى، إلا في حالات معينة، كأن يقع إنسان في نهر أو بئر، أو يصطدم بسيارة، أو تشب في داره حريق، فيطلب من يغيذه وينقده.

أما الاستغاثة الممنوعة في الاستغاثة بالأصنام والأموات والجن وأمثالهم، قال تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ).

الاستعانة:

  • لغة: طلب العون.

الاستعانة المشروعة هي الاستعانة بالأسباب المعتادة لحصول النفع والتي وضعها خالق الكون، على أن يعتقد أن المؤثر في الحقيقة هو الله وحده دون سواه. وذلك كأن يصاب إنسان بمرض فيستعين على الشفاء باستعمال الدواء الذي أنزله الله ووصفه الطبيب، أو بالصدقة، أو بطلب الدعاء من رجل صالح، فهذه كلها من صور الاستعانة المشروعة.

أما الاستعانة الممنوعة فهي طلب النفع بأشياء لم يجعلها الله سبباً ظاهراً له، كأن يمرض شخص فيستعين على شفائه باللجوء إلى ساحر أو دجال، بدل الطبيب.

التوسل:

  • لغة: جعل الشيء وسيلة وسبباً لحصول المقصد.
  • اصطلاحا: جعل الشيء الذي له عند الله قدر ومنزلة وسيلة لإجابة الدعاء.

التوسل في الأصل جائز في الشرع، لقوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)، وقد ذكر العلماء في جوازه شرطين:

  • أن يعتقد المتوسل أن مسبب الأسباب كلها إنما هو الله عز وجل، وأن الأسباب كلها صورية لا قيمة ذاتية لها، وأن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى.
  • أن يكون التوسل بأحد هذه الأمور:
  • بذات النبي صلى الله عليه وسلم: إذ جعله الله تعالى سبباً لرحمة العباد، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وقد ورد في السنة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه: أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ادعُ الله لي أن يعافيني، فقال: (إن شئت أخَّرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت)، فقال: ادْعُه، فأمره ان يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه فيّ).

كما ثبت في الصحيح عن الصحابة رضي الله عنهم، أنهم كانوا لا يألون جهداً في التوسل به صلى الله عليه وسلم والتبرك بآثاره، ولا فرق في التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أو بعد مماته؛ إذ لا تأثير ذاتي له صلى الله عليه وسلم في شيء ما، ومناط التوسل والتبرك به صلى الله عليه وسلم إنما هو مجرد تكريم من الله عز وجل له، وجعله وسيلة رحمة ومغفرة وبركة.

  • بصالح الأعمال: لورود النص وهو حديث أصحاب المغارة الذين دعوا الله بصالح أعمالهم ففرج عنهم.
  • بدعاء الصالحين وأهل الفضل من العلم: لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي لله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإننا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، قال: فيسقون.

وهكذا استسقى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما توسلاً بيزيد بن الأسود بمحضر الصحابة والتابعين، فقد رُوي أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فقال: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في المغرب، وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس لا يصلون إلى منازلهم.

ونُقل عن الإمام الشوكاني قوله: (لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل بأهل الفضل والعلم هو في الحقيقة توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة).

سادسا: الاستعاذة بغير الله تعالى من الجن والشياطين وغيرها:

الاستعاذة: هي الالتجاء والاعتصام، وقال ابن كثير: الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى من شر كل ذي شر.

ولا تجوز الاستعاذة إلا بالله، أما الاستعاذة بغير الله تعالى كالاستعاذة بالجن والشياطين فهي شرك، قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا).

قال ابن كثير في تفسيرها: كان إذا نزل الإنس وادياً أو مكاناً موحشاً من البراري وغيرها – كما كانت عادة العرب في الجاهلية – يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان حتى لا يصيبهم شيء بسوء، فكلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقاً، أي خوفاً وإرهاباً وذعراً.

سابعا: اتخاذ القبور مساجد:

المقصود باتخاذ القبور مساجد أحد الأمرين:

  • الأول: أن يُبنى فوق قبر إنسان ما مسجد للصلاة، فيصبح ما حول القبر مكاناً للصلاة.
  • الثاني: أن يُصلى عند قبر ذلك الإنسان من غير أن يبنى على قبره مسجد.

وبناء المعابد على قبور الصالحين تقليد قديم، وقد ذكر القرآن ما يدل على شيوعه في الأمم السابقة، قال تعالى: (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة).

ولهذا نهى الإسلام عن نحت التماثيل واتخاذ القبور مساجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وكان يدعو الله قائلاً: (اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

فأما مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يشمله التحريم، فإن قبره الشريف صار فيه بعد توسيعه، قال الإمام النووي: (ولما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون، بَنَوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بَنَوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفو1هما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر).

ثامنا: السحر:

  • لغة: عبارة عما لطف وخفي سببه.
  • اصطلاحا: صناعة يقصد منها إحداث الخوارق بطرق خفية.

قال تعالى: (..وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ…وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ..)، ومن السنة بما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِرَ وأنه كان يخيل إليه أنه لا يفعل الشيء ولم يفعله، وذلك بتأثير السحر الذي قام به لبيد بن عاصم.

وقد أجمع علماء الأمة كلهم على تحريم السحر وعلى أنه من الكبائر التى نهى الإسلام عنها وعدّها من المهلكات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: (الشرك بالله والسحر) وذكر تتمة السبع، لهذا لا يجوز للمسلم تعلم السحر ولا العمل به إلا إذا تعلمه ليدفع ضرراً وقع بأخيه، كأن يفك سحر ساحر ويبطل عمله، بشرط أن لا يقوم بفعل شيء محرم شرعاً.

وعلى هذا قرر الفقهاء أن يكون حكم الساحر إن لم يتوب، القتل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حد الساحر ضربه بالسيف)، وكذلك استناداً إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اقتلوا كل ساحر وساحرة).

تاسعا: الطّيَرَة:

أصل الطيرة أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم أن يقدم على أمر، اعتمد على الطير في تقرير رأيه، فيراقب الطير فإن رآه قد طار إلى جهة اليمين قرر العزم على ما هو عازم عليه، وإذا طار إلى جهة اليسار تشائم ورجع عن الأمر، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التطير، فقال: (الطّيَرَةُ شرك، الطّيَرَةُ شرك، ثلاثاً، وما منا إلّا، ولكن الله يُذهبه بالتوكل).

والحكمة من التحريم أن التطير فيه اعتماد على الطير في تقرير الأمور، وهذا منافٍ للتوحيد الخالص، وفي الإقبال على التطير دلالة على الجهل وفساد العقل؛ لأن المتطير إنما يطلب العلم ممن لا يعلم ويطلب القدرة ممن لا يقدر عليه.

عاشرا: إتيان الكهان والعرافين بجميع أنواعهم:

العرّاف: اسم الكاهن والمنجم ممن يزعم معرفة الغيبيات من أمور الناس.

أما حكم إتيان هؤلاء وأمثالهم فالتحريم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال أيضا: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة)، فإتيان هؤلاء مُنافٍ للتوحيد ونوعٌ من الشرك؛ لأن فيه اعتقاد معرفة الغيب لغير الله سبحانه.

الحادية عشر: الرياء:

العلماء يجعلونه من الشرك الأصغر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟ قال: (الرياء).

والرياء: هو أن يسلك المرء سلوكاً من القول والفعل لا يقصد به وجه الله تعالى بل يبتغي ثناء الناس وامتداحهم له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك).

والرياء من المحرمات؛ لأنه من أنواع الشرك ومحبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى، ففي الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه).

  • متى يصير المؤمن كافراً ؟
  • الرضى بالكفر وعدم الرضى بالإسلام.
  • أساليب الرضى بالكفر:
    • عدم تكفير الكافرين من ملحدين ومرتدين ومشركين
    • موالاة الكفار واظهار موافقتهم على دينهم

معنى الموالاة للكفار:

  • اتباع اهوائهم.
  • طاعتهم فيما يأمرون ويشيرون به.
  • الركون إليهم.
  • مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين.
  • إظهار الود لهم.
  • إكرام الكفار وتقريبهم.
  • مشاورتهم في الأمور الهامة.
  • اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين.
  • معاونتهم على ظلمهم ونصرتهم.
  • التشبه بأعمالهم وعاداتهم وتقاليدهم.
  • اخذ الأمة بوسائل الترغيب والترهيب والاعلام وغيرها للتشبه بهم وتقليدهم في شؤون الحياة.
  • استعارة قوانينهم ومناهجهم في حكم الأمة وتربية ابنائها.
  • معاونتهم واستئمانهم وتحسين أفكارهم.
  • بعض مظاهر عدم الرضى بالإسلام:
    • الاستهزاء بشيء معلوم من دين الإسلام.
    • ظهور الكراهية والغضب عند ذكر الله.

الصفات التي وردت في الكتاب والسنة نوعان:

1- صفات ذاتية: وهي تلك التي لا تنفك عن الله سبحانه وتعالى، كالنفس، والعلم، والحياة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والقِدَم، والملك، والعظمة، والكبرياء، والعلو، والغنى، والرحمة، والحكمة، وهي صفات ملازمة لذات الله تعالى قائمة، لا ينفك عنها.

2- صفات الفعل: وهي ما يتعلق بمشيئة الله وقدرته، كالاستواء، والنزول، والمجيء، والعجب، والضحك، والرضى، والحب، والكره، والسخط، والفرح، والغضب، والمكر، والكيد، والمقت.

والواجب في هذه الصفات جميعها اثباتها لله عز وجل على حسب المعنى الذي يليق بكمال الله تعالى، بعيداً عن التشبيه والتعطيل والتحريف والتكييف، كما قال الإمام الشافعي: (آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).

صفات المعاني:

  • صفة القدرة:

 

تعريفها: هي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى، يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرداة، وهي قدرة كاملة لا يتعرضها عجز ولا فتور، مطلقة لا متناهية، شاملة لجميع الموجودات، غير مستمدة من شيء، ليست من مألوف الحس أو مألوف العقل أو الخيال.

أدلتها:

 

  • العقلية: أن الله تعالى لو لم يكن قادرا لكان عاجزا، ولو كان عاجزا لما وُجد شيء من هذا العالم، وقد وُجد، فانتفى العجز وثبتت القدرة.
  • النقلية: ما جاء في الكتاب العزيز من آيات كريمة واضحة بيّنة، كقوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله: (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

  • القوي: بمعنى القادر، ومعناه: تام القوة، الذي لا يستولي عليه العجز في أي حال من الأحوال، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ).
  • المتين: الشديد القوي الذي بلغ النهاية في الشدة، فلا تنقطع قوته ولا تلحقه مشقة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).
  • القادر: هو من القدرة على الشيء، قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا)، أو بمعنى المقدّر للشيء، كقوله تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ).
  • المقتدر: تام القدرة، الذي لا يمتنع عليه شيء، ولا تعجز عنه بمنعة وقوة، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ).
  • الواجد: هو الغني بما يملك من قدرة التصرف، فلا يؤوده طلب، والخلق كلهم بقبضته.
  • العزيز: ذو العزة الكاملة، والعزة هي الغلبة والقوة، والعزيز هو المنيع الذي لا يُغلب لكمال قوته وقدرته، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ).
  • المقيت: أحد معانيه المقتدر، قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا).
  • مالك الملك: المالك هو خاص المِلك، والمُلك هو التصرف، فهو الذي يتصرّف كيف يشاء، قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
  • المَلِك: هو تام المِلْك، الحاكم المتصرف بسبب كمال القدرة، قال تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ).
  • الوارث: الباقي بعد فناء الخلق، والمسترد أملاكهم في ملكه كيفما يشاء، قال تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ).
  • صفة الإرداة:

 

تعريفها: هي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى، تخصص الممكن ببعض ما تجوز عليه، والممكن هو ما لا تجب وجوده ولا عدمه لذاته، وبذلك تشمل جميع الموجودات، فالله تعالى يتصرف في الكون حسب مشيئته وإرادته.

فسائر الممكنات مثماثلة في صفاتها الذاتية ولها أجرام قابلة للأغراض (لون، حركة، سكون)، وما يجب لأحدها يجب للآخر، وما يستحيل على أحدها يستحيل على الآخر، غير أنها تتخصص بإرادة الله سبحانه وتعالى.

ولو لم يكن الإله متصفاً بالإرادة للزم عليه ضدها، وهو الإكراه، وهذا ينافي معنى الإلوهية، ولا يمكن أن يهب الإلهُ الإنسانَ إرادة جزئية، وهو فاقد صفة الإرادة والاختيار.

وهناك فرق دقيق بين الإرادة والأمر والرضا:

فإرادة الله تعالى شاملة لجميع الموجودات وفق ما ستكون عليه في المستقبل سواء أكان ذلك خيراً أو شراً، حسناً أو قبيحاً، مأموراً به أو منهياً عنه، محبوباً له أو مكروهاً عليه، فلا يقع شيء إلا بإرادته سبحانه.

أما الأمر وهو طلب الفعل، والرضا وهو قبول الشيء والإثابة عليه، فهذان الأمران لا يتعلقان إلّا بالأمر المستحسن والشيء المحبوب، ولا يكون بالقبيح والمكروه.

فقد يريد الله عز وجل ولا يأمر ولا يرضى ككفر أبي جهل، فلا هو أمر به ولا رضي به لكنه بإرادته، وقد يريد و يأمر ويرضى كالإيمان للمؤمنين، فهو أمر به ورضي لهم به، وقد لا يريد ولا يأمر، فلم يرد كفر الأنبياء ولم يأمرهم به.

الدليل النقلي: قول الله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، وقوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ).

أما المعتزلة فقالوا إن الإرادة والأمر والرضا شيء واحد، وإن إرادة الله لا تتعلق بالشرور والقبائح؛ لأنه تعالى منزّهٌ عن ذلك، متناسيين أن الله تعالى لا يقبح منه شيء بل يكون غاب عنا وجه الحسن فيه، وأن ذلك يعني أن ما يقع من شر إنما يقع بغير إرادته سبحانه، وهذا باطل مردود.

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

  • القهار: فهو القابض على كل شيء والقاهر لكل الخلائق، فينفّذ إرادته على خلقه.
  • المصور: المعطي لكل شيء صورة، تميّزه عن غيره، فهي صادرة عن إرادته ومشيئته.
  • الوهّاب: كثير النعم، دائم العطايا لمن يشاء من عباده.
  • القابض: مضيق الرزق على من يشاء من عباده، ويقبض أرواح عباده.
  • الباسط: موسع الرزق على من يشاء من عباده.
  • الخافض: الذي يخفض من يستحق الخفض بالخزي والذل والعذاب في الدنيا والآخرة.
  • الرافع: الذي يرفع من يستحق الرفع من أوليائه في الدنيا والآخرة.
  • المعز: الذي يعز من استمسك بدينه.
  • المذل: الذي يذلّ أعداءه.
  • صفة العلم:

 

تعريفها: هي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى، ينكشف بها الشيء على ما هو به على وجه الإحاطة، بدون سبق خفاء، في الماضي والحاضر والمستقبل.

 

أدلتها:

 

  • العقلية: ما نراه في ظاهرة الإتقان البديع للكون وما فيه، ولو لم يتصف الإله بالعلم للزم عليه الجهل، وهو ما ينافي كمال الألوهية.

 

  • النقلية: قول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)، وقوله: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

  • العليم: هو ذو العلم الكامل، الشامل، المحيط بكل شيء، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ).
  • اللطيف: من بعض معانيه: أنه عالم بخفايا الأمور، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
  • الخبير: العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
  • الشهيد: العالم بكل مخلوق علم شهود وحضور، فلا يغيب من علمه شيء، قال تعالى: (وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
  • الحسيب: في أحد معانيه الذي يحاسب عباده يوم القيامة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا).
  • المحصي: هو الذي أحصى كل شيء بعلمه، قال تعالى: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ).
  • الواجد: في أحد معانيه من الوجدان، أي: العلم بالشيء، كقولنا وجدت فلاناً فقيهاً.
  • الحفيظ: في أحد معانيه: الذي يحفظ على الخلق أعمالهم.
  • السميع: الكاشف لكل موجود بصفة السمع، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
  • البصير: الكاشف لكل موجود بصفة البصر، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
  • الرقيب: الذي يراقب الأشياء ويلاحظها، قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا).
  • المهيمن: في بعض معانيه: الشاهد على خلقه بما يكون بينهم.
  • الواسع: في أحد معانيه: الواسع في علمه، المحيط بجميع المعلومات، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ).
  • المؤمن: مشتقة من الإيمان، أي: التصديق، وهو منتهى العلم اليقين.
  • صفة الحياة:

 

تعريفها: هي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى، تقتضي صحة الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة، لا تحتاج إلى سبب، ولا إلى مدد، بل هي أزلية أبدية.

أدلتها:

 

  • العقلية: في حين ثبت أن سبحانه وتعالى قادر، ولا تكون قدرة بلا إرادة، ولا تخصص إرادة بلا علم، فلا تكون القدرة والإرادة والعلم بدون حياة، بل هي شرط عقلي في إثباتها.

 

  • النقلية: قول الله تعالى في كتابه الكريم: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ).

وعليه، من أسمائه الحسنى وصفاته العلُى:

الحي: ذو الحياة الدائمة، فهو لم يزل موجوداً، وبالحياة موصوفاً.

 

  • صفات السمع والبصر والكلام:

 

تعريف صفتا السمع والبصر: هي صفات وجودية قائمة بذاته تعالى، ينكشف بها كل موجود.

أما تعريف صفة الكلام: صفة منزهة عن التقديم والتأخير والصحة والإعلال.

أدلتها:

 

  • العقلية: لو لم يتصف الإله بهذه الصفات لاتصف بأضدادها، وهي الصم والبكم والعمي، وهي نقص مما يستحيل على الله سبحانه وتعالى.

 

  • النقلية: قول الله تعالى في كتابه الكريم: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، وقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا).

صفات المعنوية:

الصفات المعنوية سبعة: وهي كونه تعالى قادراً، مريداً، عالماً، حياً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، وهذه الصفات تعرف مع أدلتها ومتعلقاتها من صفات المعاني المتقدمة.

وفي الختام

 

وفي ختام هذه المادة، نثبت للقراء الكرام عقيدة السلف الصالح ، كما أثبتها أحد العلماء في مؤلفاته فقال:

(فيا اخوتي ويا أحبائي رضي الله عنكم، أشهدكم عبد ضعيف مسكين فقير إلى الله تعالى، في كل لحظة وطرفة، وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه، أشهدكم على نفسه، بعد أن أشهد الله تعالى وملائكته، ومن حضره من المؤمنين وسمعه أنه يشهد قولاً وعقداً أن الله تعالى إله واحد، لا ثاني له في ألوهيته، منزه عن الصاحبة والولد، مالك لا شريك له، ملك لا وزير له، صانع لا مدبر معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود سواه متفقر إليه تعالى في وجوده، فالعالم كله موجود به، وهو وحده متصف بالوجود لنفسه لا افتتاح لوجوده، ولا نهاية لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد، قائم بنفسه، ليس بجوهر متحيز فيقدّر له المكان، ولا يمرض فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي بالقلوب والأبصار إذا شاء، استوى على عرشه كما قاله، وعلى المعنى الذي أراده، كما أن العرش وما سواه به استوى، وله الآخرة والأولى، ليس له مثل معقول، ولا دلت عليه العقول، لا يجده زمان، ولا يُقلّه مكان، بل كان ولا مكان، وهو ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال: أنا الواحد الحيّ لا يؤوده حفظ المخلوقات، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات، تعالى أن تحله الحوداث أو يحلها، أو تكون بعده أو يكون قبلها، بل يقال: كان ولا شيء معه، فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه، فهو القيوم الي لا حد ينام، والقهار الذي لا يرام، ليس كمثله شيء، خلق العرش وجعله حدّ الاستواء، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسموات العلى، اخترع اللوحَ والقلمَ الأعلى، وأجراه كاتباً بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء، أبدع العالم كله على غير مثال سبق، وخلق الخلق، وأخلق الذي خلق، أنزل الأرواح في الأشباح أمناء، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، فلا تتحرك ذرة إلا إليه وعنه، خلق الكل من غير حاجة إليه، ولا موجب أوجب ذلك عليه، لكن علمه سبق بأن يخلق ما خلق، فهو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، وهو على كل شيء قديرّ، أحاط الأعين وما تُخفي الصدور، كيف لا يعلم شيئاً هو خلقه ؟ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) علم الأشياء منها قبل وجودها، ثم أوجدها على حدّ ما علمها، فلم يزل عالماً بالأشياء، لم يتجدد له علمٌ عند تجدد الإنشاء بعلمه، أتقن الأشياء وأحكمها، وبه حكم عليها من شاء وحكمها، عَلم الكلياتِ على الإطلاق، كما علم الجزئيات بإجماعٍ من أهل النظر الصحيح واتفاقٍ، فهو عالم الغيب والشهادة فتعالى الله عما يشركون، فعّال لما يريد، فهو المريد الكائنات في عالم الأرض والسموات، لم تتعلق قدرته بشيء حتى أراده، كما أنه لم يرده حتى علمه، إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم، أو يفعلَ المختارُ المتمكنُ من ترك ذلك الفعل ما لا يريد، كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي، كما يستحيل أن تقوم الثقاتُ بغير ذاتٍ موصوفة بها، فما في الوجود طاعةٌ ولا عصيان، ولا ربحٍ ولا خسران، ولا عبدٌ ولا حر، ولا برد ولا حرّ، ولا حياة ولا موت، ولا حصولٌ ولا فوت، ولا نهار ولا ليل، ولا اعتدال ولا ميل، ولا بر ولا بحر، ولا شَفع ولا وِتر، ولا جوهر ولا عرَض، ولا صحة ولا مرض، ولا فرح ولا تَرح، ولا روح ولا شبح، ولا ظلامٌ ولا ضياء، ولا أرضٌ ولا سماء، ولا تركيبٌ ولا تحليل، ولا كثير ولا قليل، ولا غداةٌ ولا أصيلٌ، ولا بياضٌ ولا سواد، ولا رقادٌ ولا سهاد، ولا ظاهرٌ ولا باطن، ولا متحركٌ ولا ساكن، ولا يابسُ ولا رطب، ولا قشر ولا لبٌ، ولا شيءٌ من هذه النسب المتضادّات منها والمختلفات منها والمتماثلات إلا وهو مراد للحق تعالى، وكيف لا يكون مراداً له وهو أوجده ؟ فكيف يوجدُ المختارُ ما لا يريد ؟، لا رادَ لأمره، ولا مُعقّب لحكمه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزٌّ من يشاء، ويذل من يشاء، ويُضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ما شاء كان، وما لم يشأ أن يكون لم يكن، لو اجتمع الخلائقُ كلهم على أن يريدوا شيئاً لم يرد الله تعالى أن يريدوه ما أرادوه، أو يفعلوا شيئاً لم يرد الله تعالى إيجاده، وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدون ما فعلوه ولا استطاعوا على ذلك، ولا أقدرهم عليه، فالمفر والإيمان، والطاعةُ والعصيان من مشيئته وحُكمه وإرادته، ولم يزل سبحانه موصوفاً بهذه الإرادة أزلاً – والعالم معدوم غيرُ موجود – وإن كان ثابتاً في العلم عينه، ثم أوجد العالم من غير تفكرٍ ولا تدبرٍ عن جهل أو عدم علم، فيعطيه التفكر والتدبر علم ما جهل، جلّ وعلا عن ذلة، بل أوجده عن العلم السابق وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه، من زمان ومكان وأكوانٍ وألوان، فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه، إذ هو القائل سبحانه: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ). وإنه سبحانه كما علِم فأحكم وأرادَ فخصّص، وقدّر فأوجد، كذلك سمع ورأى ما تحرك أو سكن، أو نطق في الورى من العالم الأسفل والأعلى، لا يُحجب سمعه البعدُ فهو القريب، ولا يُحجب بصره القربُ فهو البعيد، يسمع كلام النّفس في النفس، وصوتَ المماسّة الخفية عند اللمس، ويرى السواد في الظلماء، والماء في الماء، لا يحجبه الامتاجُ، ولا الظلماتُ ولا النور، وهو السميع البصير، تكلم سبحانه لا عن صمتٍ متقدم، ولا سكوتٍ متوهم، بكلام قديم أزلي كسائر صفاته، من علمه وإرادته وقدرته كلّم به موسى عليه السلام. سماه التنزيلَ، والزبورَ والتوراة والإنجيل، من غير حروف ولا أوصواتٍ ولا نغم ولا لغات، بل هو خالقُ الأصوات والحروف واللغاتِ، فكلامه سبحانه من غير لهاة ولا لسانٍ، كما أنّ سمعه من غير أضمْخة ولا آذان، كما أن بصره من غير حدَقة ولا أجفان، كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظرٍ في برهان، كما أن حياته من غير بخارِ تجويف قلبٍ حدث عن امتزاج الأركان، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان، فسبحانه سبحانه من بعيدٍ دانٍ عظيم السلطان، عميم الإحسان، جسيم الامتنان، كلُّ ما سواه فهو عن جوده فائض، وفضلهُ وعدلهُ الباسط له والقابض، أكمل صنع العالم، وأبدعَه حين أوجده واخترعه، لا شريك له في ملكه، ولا مدبّر معه في ملكه، إن أنعمَ فنعَّم فذلك فضله، وإن أبلى فعذَّب فذلك عدله، لم يتصرف في ملك غيره فينسبَ إلى الجور والحيف، ولا يتوجه عليه لسواه حكمٌ فيتصفَ بالجزع لذلك والخوف، كلُّ ما سواه تحت سلطان قهره، ومتصرف عن إرادته وأمره، فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور، وهو المتجاوز عن سيئات ما شاء، والآخذُ بها من شاء، هنا وفي يوم النشور، لا يحكمُ عدله في فضله ولا فضله في عدله، أخرج العالم قبضتين، وأوجد لهم منزلتين، فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي، ولم يعترض عليه معترض هناك، إذ لا موجود كان ثَمّ سواه، فالكل تحت تصريف أسمائه، فقبضة تحت أسماء بلائه، وقبضة تحت أسماء آلائه، ولو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيداً لكان، أو شقياً لما كان من ذلك في شأن، لكنه سبحانه لم يرد فكان كما أراد، فمنهم الشقي والسعيد هنا وفي يوم المعاد، فلا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه القديم، وقد قال تعالى في الصلاة: هي خمس وهي خمسون، ما يُبدل القولٌّ لديّ وما أنا بظلام للعبيد، لتصرُّفي في ملكي، وإنفاذ مشيئتي في مُلكي، وذلك لحقيقةٍ عمّيت عنها الأبصارُ والبصائر، ولم تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر، إلا بوهب إلاهي، وجود رحماني، لمن اعتنى الله به من عباده، وسبق له ذلك بحضرة إشهاده، فعلم حين أعلم أن الألوهة أعطت هذا التقسيم، وأنه من رقائق القديم، فسبحان من لا فاعل سواه، ولا موجود لنفسه إلا إياه (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) و(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) و(فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

الشهادة الثانية وكما أشهدت الله وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بتوحيده، فكذلك أَشهده سبحانه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه واختاره، واجتباه من وجوده ذلك، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله إلى جميع الناس كافة، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ صلى الله عليه وسلم ما أنزل من ربه إليه، وأدى أمانته، ونصح أمتهن ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه، فخطب وذكر، وخوّف وحذّر، وبشر وأنذر، ووعد وأوعد، وأمطرَ وأرعد، وما خص بذلك التذكير أحداً من أحد، عن إذن الوَاحد الصمد، ثم قال: (ألا هل بلغت ؟) فقالوا: بلغت يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم أشهد)، وإني مؤمن بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما علمت وما لم أعلم، فما جاء به: فقرر أن الموت عن أجل مسمى عند الله إذا جاء لا يؤخر، فأنا مؤمن بهذا إيماناً لا ريب فيه ولا شك، كما آمنت وأقررت أن سؤال فتّاني القبر حق، وعذاب القبر حق، وبعث الأجساد من القبور حق، والعرض على الله تعالى حق، والحوض حق، والميزان حق، وتطاير الصحف حق، والصراط حق، والجنة حق، والنار حق، وفريقاً في الجنة وفريقاً في النار حق، وكرب ذلك اليوم حق على طائفةٍ، وطائفةٌ أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر، وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين، وإخراجَ أرحم الراحمين بعد الشفاعة من النار من شاء حق، وجماعة من أهل الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق، والتأييد للمؤمنين الموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق، والتأييد لأهل النار في النار حق، وكل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله عُلم أو جُهل بحق.

فهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كلّ من وصلت إليه أن يؤديها إذا سئلها حيثما كان نفعنا الله وإياكم بهذا الإيمان، وثبتنا عليه عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الحيوان، وألّنا منها دار الكرامة والرَّضوان، وحال بيننا وبين دارٍ سَرابيلها من القَطِران، وجعلنا من العِصابة التي أخذت الكتب بالإيمان، وممن انقلب من الحوض وهو ريّان، وثقل له الميزان، وثبت له على الصراط القدمان، إنه المُنعم المحسان، فالحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنتهديَ لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق).

  • للاستزادة حول الموضوع، يمكن الرّجوع للمراجع التّالية:
  • العقيدة الإسلامية – عبد الرّحمن حبنّكة
  • الإيمان أركانه حقيقته ونواقضه – محمّد نعيم ياسين
  • قصّة الإيمان – نديك الجسر
  • توحيد الخالق – عبد المجيد الزنداني
  • أسماء الله الحسنى – محمّد راتب النّابلسي
  • عقيدة التّوحيد – سعاد ميبر
  • حي بن يقظان – ابن طفيل
  • رجال الفكر والدّعوة – أبو الحسن النّدوي
جميع الحقوق محفوظة 2024 © سبيلي