فقه الحياة

مقدمة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من قال: (من يرد به خيراً يفقهه في الدين)، وعلى آله وأصحابه وورّاثه هداة الخلق وحملة دعوته إلى يوم الدين وبعد،

فهذه الرسالة مبسّطة مقتبسة من كتاب “الحلال والحرام في الإسلام” للدكتور يوسف القرضاوي، الذي عرض فيه مجموعة من الأحكام الشرعية التي يحتاجها كل مسلم، تم اقتباس عدة موضوعات منها في هذه الرسالة المسمّاة: فقه الحياة”

لتكون بين أيدي طلبة العلم بشكل يسهل الرجوع إليها عند الحاجة والاستفادة منها.

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين

الفهرس

تعريفات

الحلال: هو المباح الذي انحلت عنده عقدة الحظر، وأذن الشارع في فعله.

الحرام: هو الأمر الذي نهى الشارع عن فعله نهيا جازما، بحيث يتعرض من خالف النهي لعقوبة الله في الآخرة، وقد يتعرض لعقوبة شرعية في الدنيا أيضا.

المكروه: إذا نهى الشارع عن شيء ولكنه لم يشدد في النهي عنه فهذا الشيء يسمى (المكروه) وهو أقل من الحرام في رتبته وليس على مرتكبه عقوبة كعقوبة الحرام، غير أن التمادي فيه، والاستهتار به من شأنه أن يجرىء صاحبه على الحرام.

البـــــاب الأول

مبادئ الإسلام في الحلال والحرام

كان أمر الحلال والحرام كغيره من الأمور التي ضل فيها أهل الجاهلية ضلالا بعيدا، واضطربوا في شأنها اضطرابا فاحشا فأحلوا الحرام الخبيث، وحرموا الحلال الطيب، يستوي في ذلك الوثنيون وأهل الملل الكتابية.

وكان هذا الضلال يمثل الانحراف والتطرف في أقصى اليمين، أو الانحراف والتطرف في أقصى اليسار.

ففي أقصى اليمين وجدت البرهمية الهندية القاسية، والرهبانية المسيحية العاتية، وغيرها من المذاهب التي تقوم على تعذيب الجسد، وتحريم الطيبات من الرزق، وزينة الله التي أخرج لعباده. وقد بلغت الرهبانية المسيحية ذروة عتوها في القرون الوسطى، وبلغ تحريم الطيبات أشده عند هؤلاء الرهبان الذين كانوا يعدون بالألوف، حتى جعل بعضهم غسل الرجلين إثما، ودخول الحمام شيئا يجلب الأسف والحسرة.

وفي أقصى اليسار وجد مذهب (مزدك) الذي ظهر في فارس، ينادي بالإباحة المطلقة، ويطلق العنان للناس ليأخذوا كل شيء، ويستبيحوا كل شيء، حتى الأعراض والحرمات المقدسة عند الناس.

وكانت أمة العرب في الجاهلية مثلا واضحا على اختلال مقاييس التحليل والتحريم بالنسبة للأشياء والأعمال، فاستباحوا شرب الخمر وأكل الربا أضعافا مضاعفة، ومضارة النساء وعضلهن، و… وأكثر من ذلك أن شياطين الإنس والجن زينوا لكثير منهم قتل أولادهم وفلذات أكبادهم، فأطاعوهم. وخالفوا نوازع الأبوة في صدورهم كما قال تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم) سورة الأنعام:137.

وقد سلك هؤلاء الشركاء من سدنة الأوثان وأشباههم مسالك عدة في تزيين هذا القتل للآباء، فمنها: اتقاء الفقر الواقع أو المتوقع، ومنها: خشية العار والاحتراز منه إذا كان المولود بنتا، ومنها: التقرب إلى الآلهة بنحر الأولاد، وتقديمها قربانا إليها.

ومن العجب أن هؤلاء الذين استحلوا قتل أولادهم ذبحا أو وأدا حرموا على أنفسهم كثيرا من الطيبات من حرث وأنعام، والأعجب أنهم جعلوا هذا من أحكام الدين، فنسبوه إلى الله تعالى حكما وديانة، فرد الله عليهم هذه النسبة المفتراة (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء -بزعمهم- وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم بما كانوا يفترون) سورة الأنعام:138.

وقد بين القرآن ضلالة هؤلاء الذين أحلوا ما يجب أن يحرم، وحرموا ما ينبغي أن يحل، فقال: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله. قد ضلوا وما كانوا مهتدين) سورة الأنعام:140.

جاء الإسلام فوجد هذا الضلال والانحراف في التحريم والتحليل، فكان أول ما صنعه لإصلاح هذا الجانب الخطير من التشريع أن وضع جملة من المبادئ التشريعية، جعلها الركائز التي يقوم عليها الحلال والحرام، فرد الأمور إلى نصابها، وأقام الموازين القسط، وأعاد العدل والتوازن فيما يحل وما يحرم. وبذلك كانت أمة الإسلام بين الضالين والمنحرفين -يمينا أو شمالا- أمة وسطا، كما وصفها الله الذي جعلها، خير أمة أخرجت للناس.

الأصل في الأشياء الإباحة

كان أول مبدأ قرره الإسلام: أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع، هو الحل والإباحة، ولا حرام إلا ما ورد نص صحيح صريح من الشارع بتحريمه، فإذا لم يكن النص صحيحا -كبعض الأحاديث الضعيفة- أو لم يكن صريحا في الدلالة على الحرمة، بقي الأمر على أصل الإباحة.

وقد استدل علماء الإسلام على أن الأصل في الأشياء والمنافع الإباحة، بآيات القرآن الواضحة من مثل قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) سورة البقرة:29، (وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعا منه) سورة الجاثية:13، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) سورة لقمان:20.

وما كان الله سبحانه ليخلق هذه الأشياء ويسخرها للإنسان ويمن عليه بها، ثم يحرمه منها بتحريمها عليه، وكيف وقد خلقها له، وسخرها له، وأنعم بها عليه؟

وإنما حرم جزئيات منها لسبب وحكمة سنذكرها بعد.

ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقا شديدا، واتسعت دائرة الحلال اتساعا بالغا. ذلك أن النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدا، وما لم يجيء نص بحله أو حرمته، فهو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.

وفي هذا ورد الحديث “ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام. وما سكت عنه فهو عفو. فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، وتلا (وما كان ربك نسيا)” سورة مريم:64.

وعن سلمان الفارسي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: “الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم” فلم يشأ عليه السلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات، بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام، ويكفي أن يعرفوا ما حرم الله، فيكون كل ماعداه حلالا طيبا.

وقال رسول الله: “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها”.

وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان، بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة، وهي التي نسميها “العادات أو المعاملات” فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقيد إلا ما حرمه الشارع وألزم به. وقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) سورة الأنعام 119، عام في الأشياء والأفعال.

وهذا بخلاف العبادة فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي. وفيها جاء الحديث الصحيح “من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد”، وذلك أن حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يعبد إلا الله وألا يعبد الله إلا بما شرع، فمن ابتدع عبادة من عنده -كائنا من كان- فهي ضلالة ترد عليه. لأن الشارع وحده هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يتقرب بها إليه.

وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع منشئا لها. بل الناس هم الذين أنشؤوها وتعاملوا بها، والشارع جاء مصححا لها ومعدلا ومهذبا، ومقرا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.

وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. الأصل فيه عدم الحظر. فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى. وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟

ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) سورة الشورى:21.

والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا) سورة يونس:59.

وهذه قاعدة عظيمة نافعة، وإذا كان كذلك فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم -كالأكل والشرب واللباس- فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.

وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاؤون، ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة -وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروها- وما لم تحد الشريعة، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي”.

ومما يدل على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نعزل، والقرآن ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن).

فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه، وأنهم في حل من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع. وهذا من كمال فقه الصحابة رضي الله عنهم. وبهذا تقررت هذه القاعدة الجليلة: ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله.

التحليل والتحريم حق الله وحده

المبدأ الثاني: أن الإسلام حدد السلطة التي تملك التحليل والتحريم فانتزعها من أيدي الخلق، أيا كانت درجتهم في دين الله أو دنيا الناس، وجعلها من حق الرب تعالى وحده. فلا أحبار او رهبان، ولا ملوك أو سلاطين، يملكون أن يحرموا شيئا تحريما مؤبدا على عباد الله. ومن فعل ذلك منهم فقد تجاوز حده واعتدى على حق الربوية في التشريع للخلق، ومن رضي بعملهم هذا واتبعه فقد جعلهم شركاء لله واعتبر اتباعه هذا شركا (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) سورة الشورى:21.

وقد نعى القرآن على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين وضعوا سلطة التحليل والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم، فقال تعالى في سورة التوبة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون) سورة التوبة:31.

وقد جاء عدي بن حاتم إلى النبي -وكان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام- فلما سمع النبي هذه الآية، قال: يا رسول الله! إنهم لم يعبدوهم. فقال: (بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم).

وفي رواية أن النبي عليه السلام قال تفسيرا لهذه الآية: (أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه).

ولا زال النصارى يزعمون أن المسيح أعطى تلامذته -عند صعوده إلى السماء- تفويضا بأن يحللوا ويحرموا كما يشاؤون، كما جاء في إنجيل متى 18:18 (الحق أقول لكم، كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء). كما نعى على المشركين الذين حرموا وحللوا بغير إذن من الله.

قال تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل الله أذن لكم أن على الله تفترون) سورة يونس:59.

وقال سبحانه (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) سورة النحل:116.

ومن هذه الآيات البينات، والأحاديث الواضحات عرف فقهاء الإسلام معرفة يقينية أن الله وحده هو صاحب الحق في أن يحل ويحرم، في كتابه أو على لسان رسوله وأن مهمتهم لا تعدوا بيان حكم الله فيما أحل وما حرم (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) سورة الأنعام:119. وليست مهمتهم التشريع الديني للناس فيما يجوز لهم وما لا يجوز. وكانوا -مع إمامتهم واجتهادهم- يهربون من الفتيا، ويحيل بعضهم على بعض، خشية أن يقعوا -خطأ- في تحليل حرام أو تحريم حلال.

روى الإمام الشافعي في كتابه (الأم) عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: “أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتيا، أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بينا بلا تفسير. حدثنا ابن السائب عن الربيع ابن خيثم -وكان من أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحل هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه! أو يقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت، لم أحرمه ولم أنه عنه”. وحدثنا بعض أصحابنا أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا : هذا مكروه، وهذا لا بأس به، فأما أن نقول: هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا!!

هذا ما نقله أبو يوسف عن السلف الصالح، ونقله عنه الشافعي وأقره عليه، كما نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أن السلف لم يطلقوا الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعا.

وهكذا نجد إماما كأحمد بن حنبل يسأل عن الأمر فيقول: أكرهه أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا أستحسنه.

ومثل هذا يروى عن مالك، وأبي حنيفة وسائر الأئمة رضي الله عنهم.

تحريم الحلال وتحليل الحرام قرين الشرك بالله

وإذا كان الإسلام قد نعى على من يحرمون ويحللون جميعا، فإنه قد اختص المحرمين بحملة أشد وأعنف، نظرا لما في هذا الاتجاه من حجر على البشر وتضييق لما وسع الله عليهم بغير موجب، ولموافقة هذا الاتجاه لنزعات بعض المتدينين المتنطعين. وقد حارب النبي نزعة التنطع والتشدد هذه بكل سلاح، وذم المتنطعين وأخبر بهلكتهم إذ يقول: “ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون”.

وأعلن عن رسالته فقال “بعثت بالحنيفية السمحة” فهي حنيفية في العقيدة والتوحيد، سمحة في جانب العمل والتشريع. وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال وهما اللذان ذكرهما النبي فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: “إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا”.

فتحريم الحلال، قرين الشرك، ولهذا شدد القرآن النكير على مشركي العرب في شركهم وأوثانهم وفي تحريمهم على أنفسهم من الطيبات من أنواع الحرث والأنعام ما لم يأذن به الله، ومن ذلك تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فقد كانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، شقوا أذنها ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم، لا تنحر ولا يحمل عليها، ولا تطرد عن ماء أو مرعى، وسموها (البحيرة) أي مشقوقة الأذن، وكان الرجل إذا قدم من سفر، أو برأ من مرض أو نحو ذلك سيب ناقته وخلالها، وجعلها كالبحيرة، وتسمى (السائبة). وكانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا فهي لآلهتهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وتسمى (الوصيلة) وكان الفحل إذا لقح ولده ولده قالوا: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل عليه.. الخ، ويسمى (الحامي) وفي تفسير هذه الأربعة، أقوال كثيرة تدور حول هذا المحور.

أنكر القرآن عليهم هذا التحريم، ولم يجعل لهم عذرا في تقليد آبائهم في هذا الضلال (وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، وأكثرهم لا يعقلون. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) سورة المائدة:103، 104.

وفي سورة الأنعام مناقشة تفصيلية لما زعموا تحريمه من الأنعام من إبل وبقر وضأن ومعز، ساقها القرآن في أسلوب تهكمي ساخر ولكنه مفحم (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، قل الذكرين حرم أن الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ نبؤوني بعلم إن كنتم صادقين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين، قل آلذكرين حرم أن الأنثيين؟) الآية، سورة الأنعام:143، 144.

وفي سورة الأعراف مناقشة أخرى ينكر الله فيها على المحرمين، ويبين فيها أصول المحرمات الدائمة.

(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق؟… قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي يغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) سورة الأعراف: 32، 33.

وهذه المناقشات في السور المكية التي تعنى دائما بإثبات العقيدة والتوحيد والآخرة، تدلنا على أن هذا الأمر -في نظر القرآن- ليس من الفروع والجزئيات، وإنما هو من الأصول والكليات.

وفي المدينة ظهر بين أفراد المسلمين من يميل إلى التشدد والتزمت وتحريم الطيبات على نفسه، فأنزل الله تعالى من الآيات المحكمة ما يقفهم عند حدود الله، ويردهم إلى صراط الإسلام المستقيم (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) سورة المائدة:87-88.

التحريم يتبع الخبث والضرر

من حق الله تعالى -لكونه خالقا للناس ومنعما عليهم بنعم لا تحصى- أن يحل لهم وأن يحرم عليهم ما يشاء -كما له أن يتعبدهم من التكاليف والشعائر بما يشاء- وليس لهم أن يعترضوا أو يعصوا، فهذا حق ربوبيته لهم، ومقتضى عبوديتهم له. ولكنه تعالى رحمة منه بعباده، جعل التحليل والتحريم لعلل معقولة، راجعة لمصلحة البشر أنفسهم، فلم يحل سبحانه إلا طيبا، ولم يحرم إلا خبيثا.

صحيح أنه تعالى قد حرم على أمة اليهود بعض أصناف من الطيبات، غير أن ذلك كان عقوبة لهم على بغيهم وانتهاكهم حرمات الله، كما قال تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) سورة الأنعام:146.

وقد بين الله صورا من هذا البغي في سورة أخرى فقال تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل) سورة النساء:160،161.

فلما بعث الله خاتم رسله بالدين العام الخالد، كان من رحمته تعالى بالبشرية -بعد أن نضجت وبلغت رشدها- أن يرفع عنها إصر التحريم الذي كان تأديبا موقتا لشعب عات، صلب الرقبة -كما وصفته التوراة- وكان عنوان الرسالة المحمدية عند أهل الكتاب -كما ذكر القرآن- أنهم: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) سورة الأعراف:157.

وشرع الله لتكفير الخطيئة في الإسلام أمورا أخرى غير تحريم الطيبات، فهناك التوبة النصوح التي تمحو الذنب كما يمحو الماء الوسخ، وهناك الحسنات اللاتي يذهبن السيئات، وهناك الصدقات التي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وهناك المحن والمصائب التي تتناثر بها الخطايا كما يتناثر ورق الشجر في الشتاء إذا يبس.

وبذلك أصبح معروفا في الإسلام أن التحريم يتبع الخبث والضرر، فما كان خالص الضرر فهو حرام، وما كان خالص النفع فهو حلال، وما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في شأن الخمر والميسر (يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) سورة البقرة:219.

كما أصبح من الأجوبة الصريحة -إذا سئل عن الحلال في الإسلام- أنه (الطيبات) أي: الأشياء التي تستطيبها النفوس المعتدلة، ويستحسنها الناس في مجموعهم استحسانا غير ناشئ من أثر العادة، قال تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم؟ قل: أحل لكم الطيبات) سورة المائدة:4.

وقال: (اليوم أحل لكم الطيبات) سورة المائدة:5.

وليس من اللازم أن يكون المسلم على علم تفصيلي بالخبث أو الضرر الذي حرم الله من أجله شيئا من الأشياء، فقد يخفى عليه ما يظهر لغيره، وقد لا ينكشف خبث الشيء في عصره، ويتجلى في عصر لاحق، وعلى المؤمن أن يقول دائما: (سمعنا وأطعنا(.

ألا ترى أن الله حرم لحم الخنزير، فلم يفهم المسلم من علة لتحريمه غير أنه مستقذر، ثم تقدم الزمن فكشف العلم فيه من الديدان والجراثيم القتالة ما فيه؟ ولو لم يكشف العلم شيئا في الخنزير أو كشف ما هو أكثر من ذلك فإن المسلم سيظل على عقيدته بأنه (رجس).

ومثل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا الملاعن الثلاث (أي التي تجلب على فاعلها اللعنة من الله والناس): البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل { فلم يعرف أحد في القرون الأولى إلا أنها مستقذرة، يعافها الذوق السليم، والأدب العام، فلما تقدم الكشف العلمي عرفنا أن هذه (الملاعن الثلاثة) من أخطر الأشياء على الصحة العامة، وهي المصدر الأول لانتشار عدوى الأمراض الطفيلية الخطيرة كالانكلستوما والبلهارسيا.

وهكذا كلما نفذت أشعة العلم، واتسع نطاق الكشف تجلت لنا مزايا الإسلام في حلاله وحرامه، وفي تشريعاته كلها. وكيف لا وهو تشريع عليم حكيم رحيم بعباده (والله يعلم المفسد من المصلح، ولو شاء الله لأعنتكم، إن الله عزيز حكيم) سورة البقرة:220.

في الحلال ما يغني عن الحرام

ومن محاسن الإسلام ومما جاء به من تيسير على الناس أنه ما حرم شيئا عليهم إلا عوضهم خيرا منه مما يسد مسده، ويغني عنه، كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله.

حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه دعاء الاستخارة.

وحرم عليهم الربا وعوضهم التجارة الرابحة.

وحرم عليهم القمار، وأعاضهم عنه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام

وحرم عليهم الحرير، وأعاضهم عنه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن.

وحرم عليهم الزنا واللواط، وأعاضهم عنهما بالزواج الحلال

حرم عليهم شرب المسكرات، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن.

وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات.

وهكذا إذا تتبعنا أحكام الإسلام كلها، وجدنا أن الله جل شأنه لم يضيق على عباده في جانب إلا وسع عليهم في جانب آخر من جنسه، فإنه سبحانه لا يريد بعباده عنتا ولا عسرا ولا إرهاقا، بل يريد اليسر والخير والهداية والرحمة، كما قال تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا). سورة النساء:26، 28).

ما أدى إلى الحرام فهو حرام

ومن المبادئ التي قررها الإسلام أنه إذا حرم شيئا حرم ما يفضي إليه من وسائل وسد الذرائع الموصلة إليه.

فإذا حرم الزنا مثلا حرم كل مقدماته ودواعيه، من تبرج جاهلي، وخلوة آثمة، واختلاط عابث، وصورة عارية، وأدب مكشوف، وغناء فاحش… الخ.

ومن هنا قرر الفقهاء هذه القاعدة: (ما أدى إلى الحرام فهو حرام).

ويشبه هذا ما قرره الإسلام من أن إثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر وحده، بل يوسع الدائرة، فتشمل كل من شارك فيه بجهد مادي أو أدبي، كل يناله من الإثم على قدر مشاركته. ففي الخمر يلعن النبي عليه السلام شاربها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها … كما سنذكره بعد.

وفي الربا يلعن آكله ومؤكله (معطي الربا) وكاتبه وشاهديه.

وهكذا كل ما أعان على الحرام فهو حرام، وكل من أعان على محرم فهو شريك في الإثم.

التحايل على الحرام حرام

وكما حرم الإسلام كل ما يفضي إلى المحرمات من وسائل ظاهرة، حرم التحايل على ارتكابها بالوسائل الخفية، والحيل الشيطانية. وقد نعى على اليهود ما صنعوه من استباحة ما حرم الله بالحيل، وقال عليه السلام: “لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل”

وذلك أن اليهود حرم الله عليهم الصيد في السبت، فاحتالوا على هذا المحرم، بأن حفروا الخنادق يوم الجمعة، لتقع فيها الحيتان يوم السبت، فيأخذوها يوم الأحد. وهذا عند المحتالين جائز، وعند فقهاء الإسلام حرام، لأن المقصود الكف عما ينال به الصيد بطريق التسبب أو المباشرة.

ومن الحيل الآثمة تسمية الشيء بغير اسمه، وتغيير صورته مع بقاء حقيقته. ولا ريب أنه لا عبرة بتغيير الاسم إذا بقي المسمى ولا بتغيير الصورة إذا بقيت الحقيقة.

فإذا اخترع الناس صورا يتحايلون بها على أكل الربا الخبيث أو استحدثوا أسماء للخمر يستحلون بها شربها، فإن الإثم في الربا أو الخمر باق لازم. وفي الحديث:

“ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها”

“يأتي على الناس زمان يستحلون الربا باسم البيع”

ومن غرائب عصرنا أن يسمى الرقص الخليع (فنا) والخمور (مشروبات روحية) والربا (فائدة) وهكذا.

النية الحسنة لا تبرر الحرام

والإسلام يقدر البواعث الكريمة، والقصد الشريف والنية الطيبة، في تشريعاته وتوجيهاته كلها، والنبي يقول “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” وبالنية الطيبة تستحيل المباحات والعادات إلى طاعات و قربات إلى الله فمن تناول غذاءه بنية حفظ الحياة، وتقوية الجسد، ليستطيع القيام بواجبه نحو ربه وأمته، كان طعامه وشرابه عبادة قربة.

ومن أتى شهوته مع زوجه بقصد ابتغاء الولد أو إعفاف نفسه وأهله كان ذلك عبادة تستحق المثوبة، وفي ذلك يقول النبي عليه السلام “وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له فيها أجر؟ قال: أليس إن وضعها في حرام كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر”.

“ومن طلب الدنيا حلالا تعففا عن المسألة، وسعيا على عياله، وتعطفا على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر”.

وهكذا كل عمل مباح يقوم به المؤمن، يدخل فيه عنصر النية، فتحيله إلى عبادة. أما الحرام فهو حرام مهما حسنت نية فاعله، وشرف قصده، ومهما كان هدفه نبيلا، ولا يرضى الإسلام أبدا أن يتخذ الحرام وسيلة إلى غاية محمودة، لأن الإسلام يحرص على شرف الغاية وطهر الوسيلة معا. ولا تقر شريعته بحال مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) أو مبدأ (الوصول إلى الحق بالخوض في الكثير من الباطل) بل توجب الوصول إلى الحق عن طريق الحق وحده.

فمن جمع مالا من ربا أو سحت أو لهو حرام أو قمار أو أي عمل محظور، ليبني به مسجدا أو يقيم مشروعا خيريا، أو.. أو ‎.. لم يشفع له نبل مقصده، فيرفع عنه وزر الحرام، فإن الحرام في الإسلام لا يؤثر فيه المقاصد والنيات.

هذا ما علمه لنا رسول الله حين قال: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) سورة المؤمنون:51. وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) سورة البقرة:172. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر (ساعيا للحج والعمرة ونحوهما) يمد يديه إلى السماء “يا رب يا رب” ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟!”.

ويقول: “من مالا من حرام ثم تصدق به، لم يكن فيه أجر، وكان إصره عليه”. ويقول: “لا يكسب عبد مالا حراما، فيتصدق به فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن. إن الخبيث لا يمحو الخبيث”.

اتقاء الشبهات خشية الوقوع في الحرام

ومن رحمة الله تعالى بالناس أنه لم يدعهم في غمة من أمر الحلال و الحرام، بل بين الحلال وفصل الحرام، كما قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) سورة الأنعام:119.

فأما الحلال البين فلا حرج في فعله. وأما الحرام البين فلا رخصة في إتيانه -في حالة الاختيار.

وهناك منطقة بين الحلال البين والحرام البين، هي منطقة الشبهات التي يلتبس فيها أمر الحل بالحرمة على بعض الناس، إما لاشتباه الأدلة عليه، وإما للاشتباه في تطبيق النص على هذه الواقعة أو هذا الشيء بالذات.

وقد جعل الإسلام من الورع أن يتجنب المسلم هذه الشبهات، حتى لا يجره الوقوع فيها إلى مواقعة الحرام الصرف. وهو نوع من سد الذرائع الذي تحدثنا عنه. ثم هو كذلك لون من التربية البعيدة النظر، الخبيرة بحقيقة الحياة والإنسان.

وأصل هذا المبدأ قول الرسول عليه الصلاة والسلام: “الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يدري كثير من الناس: أمن الحلال هي أم من الحرام؟ فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئا منها يوشك أن يواقع الحرام، كما أن من يرعى حول الحمى (وهو مكان محدود يحجزه السلطان لترعى فيه أنعامه وحدها ويحجر على غيرها أن تنال منه شيئا) أوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه”.

لا محاباة ولا تفرقة في المحرمات

الحرام في شريعة الإسلام يتسم بالشمول والاطراد، فليس هناك شيء حرام على العجمي حلال للعربي وليس هناك شيء محظور على الأسود مباح للأبيض، وليس هناك جواز أو ترخيص ممنوح لطبقة أو طائفة من الناس تقترف باسمه ما طوع لها الهوى باسم أنهم كهنة أو أحبار أو ملوك أو نبلاء. بل ليس للمسلم خصوصية تجعل الحرام على غيره حلالا له. كلا، إن الله رب الجميع، والشرع سيد الجميع، فيما أحل الله بشريعته فهو حلال للناس كافة، وما حرم فهو حرام على الجميع إلى يوم القيامة.

السرقة مثلا حرام، سواء أكان السارق مسلما أم غير مسلم، وسواء أكان المسروق منه مسلما أو غير مسلم، والجزاء لازم للسارق أيا كان نسبه أو مركزه، وهذا ما صنعه الرسول وما أعلنه “وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها”.

ولقد حدث في زمن الرسول أن ارتكبت سرقة حامت فيها الشبهة حول يهودي ومسلم، واستطاع بعض أقرباء المسلم أن يثيروا الغبار حول اليهودي ببعض القرائن ويبعدوا التهمة عن صاحبهم المسلم -وهو في الواقع مرتكب السرقة- حتى هم النبي أن يخاصم عنه، اعتقادا ببراءته فنزل الوحي الإلهي يفضح الخونة، ويبرئ اليهودي، ويعاتب الرسول، ويضع الحق في نصابه، وذلك قوله سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله، إن الله كان غفورا رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، وكان الله بما يعملون محيطا. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا؟) سورة النساء:105، 109.

لقد زعمت اليهودية المحرفة أن الربا حرام على اليهودي إذا أقرض أخاه اليهودي أما غير اليهودي فلا بأس بإقراضه بالربا، هكذا يقول سفر تثنية الاشتراع (33:19) “ألا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يقرض بربا (20) للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا..”

وقد حكى القرآن عنهم مثل هذه النزعة، حيث استباحوا الخيانة مع غير أبناء جنسهم وملتهم، ولم يروا في ذلك حرجا ولا إثما. وفي ذلك يقول القرآن: (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ما دمت عليه قائما. ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) سورة آل عمران:75. نعم يقولون على الله الكذب، لأن شريعته لا تفرق بين قوم وقوم، وقد حرم الخيانة على لسان رسله وأنبيائه.

ويؤسفنا أن هذه النزعة الإسرائيلية نزعة همجية بدائية، لا تليق أن تنسب إلى دين سماوي، فإن الأخلاق الفاضلة بل الأخلاق الحقة هي التي تتسم بالإطلاق والشمول، فلا تحل لهذا ما تحرم على ذاك. والفرق بيننا وبين البدائيين إنما هو اتساع الدائرة الخلقية لا في وجودها وعدمها، فالأمانة مثلا كانت عندهم خصلة محمودة، ولكنها خاصة بأبناء القبيلة بعضهم مع بعض، فإذا خرج الأمر عن نطاق القبيلة أو العشيرة جازت الخيانة بل استحبت أو وجبت.

قال صاحب (قصة الحضارة): (إن كل الجماعات البشرية تقريبا تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها، فالهنود الأمريكيون يعدون أنفسهم شعب الله المختار، خلقهم “الروح الأعظم” خاصة ليكونوا مثالا يرتفع إليه البشر. وقبيلة من القبائل الهندية تطلق على نفسها (الناس الذين لا ناس سواهم) وأخرى تطلق على نفسها (الناس بين الناس) وقال الكاربيون (نحن وحدنا الناس) … ونتيجة ذلك أن الإنسان البدائي لم يكن يدور في خلده أن يعامل القبائل الأخرى ملتزما نفس القيود الخلقية التي يلتزم في معاملته لبني قبيلته، فهو صراحة يرى أن وظيفة الأخلاق هي تقوية جماعته، وشد أزرها تجاه سائر الجماعات، فالأوامر الخلقية والمحرمات لا تنطبق إلا على أهل قبيلته، أما الآخرون فما لم يكونوا ضيوفه، فمباح له أن يذهب في معاداتهم إلى الحد المستطاع).

الضرورات تبيح المحظورات

ضيق الإسلام دائرة المحرمات، ولكن بعد ذلك شدد في أمر الحرام، وسد الطرق المفضية إليه، ظاهرة أو خفية، فما أدى إلى الحرام فهو حرام، وما أعان على الحرام فهو حرام، وما احتيل به على الحرام فهو حرام. إلى آخر ما ذكرناه من مبادئ وتوجيهات. بيد أن الإسلام لم يغفل عن ضرورات الحياة وضعف الإنسان أمامها، فقدر الضرورة القاهرة، وقدر الضعف البشري وأباح للمسلم -عند ضغط الضرورة- أن يتناول من المحرمات ما يدفع عنه الضرورة ويقيه الهلاك.

ولهذا قال الله تعالى -بعد أن ذكر محرمات الطعام من الميتة والدم ولحم الخنزير- (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) سورة البقرة:173. وكرر هذا المعنى في أربع سور من القرآن كلما ذكر محرمات الطعام. ومن هذه الآيات وأمثالها قرر فقهاء الإسلام مبدأ هاما هو: (إن الضرورات تبيح المحظورات).

ولكن الملاحظ أن الآيات قيدت المضطر أن يكون (غير باغ ولا عاد) وفسر هذا بأن يكون غير باغ للذة طالب لها، ولا عاد حد الضرورة متجاوز في التشبع. من هذا القيد أخذ الفقهاء مبدأ آخر هو: (الضرورة تقدر بقدرها) فالإنسان وإن خضع لداعي الضرورة لا ينبغي أن يستسلم لها، ويلقي إليها بزمام نفسه، بل يجب أن يظل مشدودا إلى الأصل الحلال باحثا عنه، حتى لا يستمرئ الحرام أو يستسهله بدافع الضرورة.

والإسلام بإباحته المحظورات عند الضرورات إنما يساير في ذلك روحه العامة، وقواعده الكلية، تلك هي روح الميسر الذي لا يشوبه عسر والتخفيف الذي وضع به عن الأمة الآصار والأغلال التي كانت من قبلها من الأمم. وصدق الله العظيم (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) سورة البقرة:185. (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) سورة المائدة:6. (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) سورة النساء:28

الباب الثاني

حكم الإسلام في الأطعمة والأشربة

اختلفت الأمم والشعوب من قديم في أمر ما يأكلون وما يشربون، ما يجوز لهم، وما لا يجوز، وبخاصة في الأطعمة الحيوانية.

أما الأطعمة والأشربة النباتية فلم يعرف للبشر خلاف كثير في شأنها. ولم يحرم الإسلام منها إلا ما صار خمرا سواء اتخذ من عنب أو تمر أو شعير أو أي مادة أخرى ما دامت قد تخمرت.

وكذلك حرم ما يحدث الخدر والفتور وكل ما يضر الجسد، كما سنبين بعد. وأما الأطعمة الحيوانية فهي التي اختلف فيها الملل والجماعات اختلافا شاسعاً.

ذبح الحيوان وأكله عند البراهمة

هناك جماعات كالبراهمة وبعض المتفلسفين حرموا على أنفسهم ذبح الحيوان وأكله، وعاشوا على الأغذية النباتية، قالوا: إن في ذبح الحيوان قسوة من الإنسان على كائن حي مثله ليس له أن يحرمه من حق الحياة.

لكنا عرفنا من التأمل في الكائنات أن خلق هذه الحيوانات ليس غاية في نفسه، فإنها لم تؤت العقل والإرادة، ورأينا وضعها الطبيعي أن تسخر لخدمة الإنسان، وليس بغريب أن ينتفع الإنسان بلحمها ذبيحة، كما انتفع بتسخيرها صحيحة.

وعرفنا كذلك من سنة الله في الخليقة أن النوع الأدنى يضحى به في مصلحة النوع الأعلى منه، فالنبات الأخضر المترعرع يقطع من أجل غذاء الحيوان، والحيوان يذبح لأجل غذاء الإنسان، بل الإنسان الفرد يقاتل ويقتل في مصلحة المجموع … وهكذا.

على أن امتناع الإنسان عن ذبح الحيوان لن يحميه من الموت والهلاك، فهو إن لم يفترس بعضه بعضا سيموت حتف أنفه -وقد يكون ذلك أشد عليه ألما من شفرة حادة تعجل به.

الحيوانات المحرمة عند اليهود والنصارى

وفي الديانات الكتابية حرم الله على اليهود كثيرا جدا من الحيوانات البرية والبحرية، تكفل ببيانها الفصل الحادي عشر من سفر اللاويين من التوراة.

وقد ذكر القرآن بعض ما حرم الله على اليهود، وعلة التحريم -كما ذكرنا من قبل- أنه كان عقوبة حرمان من الله لهم على ظلمهم وخطاياهم: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) سورة الأنعام:146.

هذا شأن اليهود، وكان المفروض أن يكون النصارى تبعا لهم في هذا، فقد أعلن الإنجيل أن المسيح عليه السلام ما جاء لينقض الناموس، بل جاء ليكمله.

لكنهم هنا نقضوا الناموس واستباحوا ما حرم عليهم في التوراة -مما لم ينسخه الإنجيل- واتبعوا مقدسهم بولس في إباحة جميع الطعام والشراب، إلا ما ذبح للأصنام إذا قيل للمسيحي: إنه مذبوح لوثن.

وعلل بولس ذلك أن كل شيء طاهر للطاهرين، وأن ما يدخل الفم لا ينجس الفم، وإنما ينجسه ما يخرج منه.

وقد استباحوا بذلك أكل لحم الخنزير رغم أنه محرم بنص التوراة إلى اليوم.

عند عرب الجاهلية

وأما العرب في الجاهلية، فقد حرموا بعض الحيوانات تقذرا، وحرموا بعضها تعبدا، وتقربا للأصنام، واتباعا للأوهام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام -التي ذكرنا تفسيرها من قبل- وفي مقابل هذا استباحوا كثيرا من الخبائث كالميتة والدم المسفوح.

الإسلام يبيح الطيبات

جاء الإسلام والناس على هذه الحال في أمر الطعام الحيواني، بين مسرف في التناول، ومتطرف في الترك، فوجه نداء إلى الناس كافة في كتابه: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) سورة البقرة:168.

ناداهم بوصفهم (ناسا) أن يأكلوا من طيبات تلك المائدة الكبيرة التي أعدها لهم -وهي الأرض التي خلق لهم ما فيها جميعا- وألا يتبعوا مسالك الشيطان وطرقه التي زين بها لبعض الناس أن يحرموا ما أحل الله، فحرمهم من الطيبات، وأرداهم في مهاوي الضلال.

ثم وجه نداء إلى المؤمنين خاصة فقال:

(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم) سورة البقرة:172.173.

وفي هذا النداء الخاص للمؤمنين أمرهم سبحانه أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم وأن يؤدوا حق النعمة بشكر المنعم جل شأنه. ثم بين أنه تعالى لم يحرم عليهم إلا هذه الأصناف الأربعة المذكورة في الآية، والتي ورد ذكرها في آيات أخر، أصرحها في الدلالة على حصر المحرمات في هذه الأربعة قوله تعالى في سورة الأنعام: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير -فإنه رجس- أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) سورة الأنعام:145.

وفي سورة المائدة ذكر القرآن هذه المحرمات بتفصيل أكثر فقال تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب) سورة المائدة:3.

ولا تنافي بين هذه الآية التي جعلت المحرمات عشرة والآيات السابقة التي جعلتها أربعة، إلا أن هذه الآية فصلت الآيات الأخرى، فإن المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، كلها في معنى الميتة، فهي تفصيل لها. كما أن ما ذبح على النصب في حكم ما أهل لغير الله به، فكلاهما من باب واحد. فالمحرمات أربعة بالإجمال، عشرة بالتفصيل.

تحريم الميتة وحكمته – تحريم الدم المسفوح – لحم الخنزير – ما أهل لغير الله به – أنواع من الميتة – ما ذبح على النصب – السمك والجراد مستثنى من الميتة – الانتفاع بجلود الميتة وعظمها وشعرها – ضرورة الدواء

أول ما ذكرته الأيات من محرمات الأطعمة هو: (الميتة) وهي ما مات حتف أنفه من الحيوان والطير. أي: ما مات بدون عمل من الإنسان يقصد به تذكيته أو صيده.

وقد يتساءل الذهن العصري عن الحكمة في تحريم الميتة على الإنسان، وإلقائها دون أن ينتفع بأكلها، ونجيب على ذلك بأن في تحريمها حكما جلية منها:

-أ- أن الطبع السليم يعافها ويستقذرها، والعقلاء في مجموعهم يعدون أكلها مهانة تنافي كرامة الإنسان، ولذا نرى أهل الملل الكتابية جميعا يحرمونها، ولا يأكلون إلا المذكى وإن اختلفت طريقة التذكية.

-ب- أن يتعود المسلم القصد والإرادة في أموره كلها، فلا يحرز شيئا أو ينال ثمرة إلا بعد أن يوجه إليه نيته وقصده وسعيه، ذلك أن معنى التذكية -التي تخرج الحيوان عن كونه ميتة- إنما هو: القصد إلى إزهاق روح الحيوان لأجل أكله. وكأن الله تعالى لم يرض للإنسان أن يأكل ما لم يقصده ولم يفكر فيه -كما هو الشأن في الميتة- فأما المذكى والمصيد فإنهما لا يؤخذان إلا بقصد وسعي وعمل.

-ج- إن ما مات حتف أنفه يغلب أن يكون قد مات لعلة مزمنة أو طارئة أو أكل نبات سام أو نحو ذلك. وكل ذلك لا يؤمن ضرره. ومثل هذا إذا مات من شدة الضعف وانحلال الطبيعة.

-د- إن الله تعالى بتحريم الميتة علينا -نحن بني الإنسان- قد أتاح بذلك فرصة للحيوانات والطيور، للتغذى منها، رحمة منه تعالى بها، لأنها أمم أمثالنا كما نطق القرآن. وهذا أوضح ما يكون في الفلوات والأماكن التي لا توارى فيها ميتة الحيوان.

-هـ- أن يحرص الإنسان على ما يملكه من الحيوان فلا يدعه فريسة للمرض والضعف حتى يموت فيتلف عليه. بل يسارع بعلاجه، أو يعجل بإراحته.

تحريم الدم المسفوح

وثاني هذه المحرمات هو: الدم المسفوح، أي: السائل. سئل ابن عباس عن الطحال، فقال: كلوه. فقالوا: إنه دم. فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح. والسر في تحريمه أنه مستقذر يعافه الطبع الإنساني النظيف، كما أنه مظنة للضرر كالميتة.

وكان أهل الجاهلية إذا جاع أحدهم يأخذ شيئا محددا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانه فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه. وفي هذا يقول الأعشى:

ولا تأخذن عظما حديدا فتفصدا   وإياك والميتات لا تقربنها

ولما كان في هذا الفصد إيذاء للحيوان وإضعاف له حرمه الله تعالى.

لحم الخنزير

وثالثهما: لحم الخنزير، فإن الطباع السليمة تستخبثه، وترغب عنه، لأن أشهى غذائه القاذورات والنجاسات، وقد أثبت الطب الحديث أن أكله ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة. كما ثبت بالتجارب العلمية أن أكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القتالة وغيرها من الديدان. ومن يدري، لعل العلم يكشف لنا في الغد من أسرار هذا التحريم أكثر مما عرفنا اليوم، وصدق الله العظيم إذ وصف رسوله بقوله (ويحرم عليهم الخبائث) الأعراف:157.

ومن الباحثين من يقول: إن المداومة على أكل لحم الخنزير تورث ضعف الغيرة على الحرمات.

ما أهل لغير الله به

ورابع المحرمات: ما أهل لغير الله به. أي: ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله كالأصنام، فقد كان الوثنيون إذا ذبحوا ذكروا على ذبيحتهم أسماء أصنامهم كاللات والعزى، فهذا تقرب إلى غير الله، وتعبد بغير اسمه العظيم. فعلة التحريم هنا علة دينية محضة، لحماية التوحيد، وتطهير العقائد، ومحاربة الشرك ومظاهر الوثنية في كل مجال من مجالاتها.

إن الله الذي خلق الإنسان، وسخر له ما في الأرض، وذلل له الحيوان، أباح له إزهاق روحه في مصلحته إذا ذكر اسمه تعالى عند ذبحه، وذكر اسم الله حينئذ إعلان بأنه إنما يصنع هذا الصنيع بهذا الكائن الحي بإذن من الله ورضاه، فإذا ذكر اسم غير الله عند ذبحه فقد أبطل هذا الإذن واستحق أن يحرم من هذا الحيوان المذبوح.

أنواع من الميتة

هذه الأربعة المذكورة هي المحرمات إجمالا, وقد فصلتها آية المائدة في عشرة كما ذكرنا في أنواع الميتة التي فصلتها:

  1. المنخنقة: وهي التي تموت اختناقا، بأن يلتف وثاقها على عنقها أو تدخل رأسها في مضيق أو نحو ذلك.
  2. الموقوذة: وهي التي تضرب بالعصا ونحوها حتى تموت.
  3. المتردية: وهي التي تتردى من مكان عال فتموت ومثلها التي تتردى في بئر.
  4. النطيحة: وهي التي تنطحها أخرى فتموت.
  5. ما أكل السبع: وهي التي أكل السبع -الحيوان المفترس- جزءا منها فماتت.

وقد ذكر الله بعد هذه الأنواع الخمسة قوله تعالى (إلا ما ذكيتم) أي ما أدركتم من هذه الحيوانات وفيه حياة فذكيتموه. أي: أحللتموه بالذبح ونحوه كما سنتحدث بعد.

ويكفي في صحة إدراك ما ذكر أن يكون فيه رمق من الحياة. فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة.. وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها. وعن الضحاك: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا فحرمه الله في الإسلام إلا ما ذكى منه، فما أدرك فتحرك منه رجل أو ذنب أو طرف (عين) فذكى فهو حلال.

حكمة تحريم هذه الأنواع

والحكمة في تحريم هذه الأنواع من الميتة ما ذكرنا في تحريم الميت حتف أنفه ما عدا توقع الضرر، إذ لا يظهر ههنا. وتتأكد الحكمة الأخيرة هنا أيضا، فإن الشارع الحكيم يعلم الناس العناية بالحيوان والرأفة به والمحافظة عليه، فلا ينبغي أن يهمل حتى ينخنق أو يتردى من مكان عال أو نترك الحيوانات تتناطح حتى يقتل بعضها بعضا، ولا يجوز أن يعذب الحيوان بالضرب حتى يموت موقوذا، كما يفعل ذلك بعض قساة الرعاة -وبخاصة الأجراء منهم- وكما يحرشون بين البهائم فيغرون الثورين أو الكبشين بالتناطح حتى يهلكا أو يوشكا.

ومن هنا نص العلماء على تحريم النطيحة وإن جرحها القرن، وخرج منها الدم ولو من مذبحها، لأن المقصود -كما يلوح لي- هو عقوبة من ترك هذه الحيوانات تتناطح حتى يقتل بعضها بعضا فحرمت عليه جزاء وفاقا.

وأما تحريم ما أكل السبع ففيه -أول ما فيه- تكريم للإنسان، وتنزيه له أن يأكل فضلات السباع. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة فحرم الله ذلك على المؤمنين.

ما ذبح على النصب

  1. وعاشر المحرمات بالتفصيل هو: ما ذبح على النصب. والنصب هو الشيء المنصوب من أصنام أو حجارة تقام أمارة للطاغوت وهو ما عبد من دون الله -وكانت حول الكعبة- وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها أو عندها بقصد التقرب إلى آلهتهم وأوثانهم.

فهذا منجنس ما أهل لغير الله به، لأن في كليهما تعظيم الطاغوت، والفرق بينهما أن ما أهل لغير الله به قد يكون ذبح لصنم من الأصنام بعيدا عنه وعن النصب، وإنما ذكر عليه اسم الطاغوت. أما ما ذبح على النصب فلا بد أن يذبح على تلك الحجارة أو عندها، ولا يلزم أن يتلفظ باسم غير الله عليه.

ولما كانت هذه النصب حول الكعبة، وقد يتوهم متوهم أن في الذبح عليها تعظيما للبيت الحرام، أزال القرآن هذا الوهم ونص على تحريمها نصا صريحا وإن كان مفهوما مما أهل لغير الله به.

السمك والجراد مستثنى من الميتة

وقد استثنت الشريعة الإسلامية من الميتة المحرمة السمك والحيتان ونحوهما من حيوانات الماء. فحين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر: “قال هو الطهور ماؤه الحل ميتته”.

وقال تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه) سورة المائدة:96. قال عمر: صيده ما اصطيد منه طعامه ما رمي به. وقال ابن عباس أيضا: طعامه ميتته.

وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية من أصحابه، فوجدوا حوتا كبيرا قد جزر عنه البحر -أي ميتا- فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما، ثم قدموا إلى المدينة، فأخبروا الرسول عليه السلام فقال: “كلوا رزقا أخرجه الله لكم، أطعمونا إن كان معكم” فأتاه بعضهم بشيء فأكله.

ومثل ميتة البحر الجراد، فقد رخص رسول الله في أكله ميتا، لأن ذكاته غير ممكنة. قال ابن أبي أوفى رضي الله عنه: “غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد”.

الانتفاع بجلود الميتة وعظمها وشعرها

وتحريم الميتة إنما يعني تحريم أكلها. فأما الانتفاع بجلدها أو قرونها أو عظمها أو شعرها فلا بأس به، بل هو أمر مطلوب، لأنه مال يمكن الاستفادة منه فلا تجوز إضاعته.

عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة -أم المؤمنين- بشاة فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “هلا أخذتم إهابها -جلدها- فدبغتموه فانتفعتم به؟” فقالوا: إنها ميتة! فقال صلى الله عليه وسلم: “إنما حرم أكلها”.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم السبيل إلى تطهير جلد الميتة، وهو الدباغ، وقال في حديث “دباغ الأديم -الجلد- ذكاته” أي: إن الدباغ في التطهير بمنزلة الذكاة في إحلال الشاة ونحوها. وفي رواية: “أيما إرهاب دبغ فقد طهر”.

وهو عام يشمل كل جلد ولو كان جلد كلب أو خنزير. وبذلك قال أهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ورجحه الشوكاني.

وعن سودة أم المؤمنين قالت: “ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها -جلدها- ثم ما زلنا ننتبذ فيه -أي: نضع فيه التمر ليحلو الماء- حتى صار شنا، أي: قربة خرقة”.

حالة الضرورة مستثناة

كل هذه المحرمات المذكورة إنما هي في حالة الاختيار.

أما الضرورة فلها حكمها -كما ذكرنا من قبل- وقد قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) سورة الأنعام:119. وقال تعالى -بعد أن ذكر تحريم الميتة والدم وما بعدهما- (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) سورة البقرة:173.

والضرورة المتفق عليها هي ضرورة الغذاء، بأن يعضه الجوع -وقد حده بعض الفقهاء بأن يمر عليه يوم وليلة- ولا يجد ما يأكله إلا هذه الأطعمة المحرمة، فله أن يتناول منها ما يدفع به الضرورة ويتقي الهلاك. وقال الإمام مالك: حد ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها. وقال غيره: لا يأكل منها إلا ما يمسك الرمق… ولعل هذا هو الظاهر من قوله تعالى: (غير باغ ولا عاد) أي غير باغ (طالب) للشهوة، ولا عاد (متجاوز) حد الضرورة. وضرورة الجوع قد نص عليها القرآن نصا صريحا بقوله: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) سورة المائدة:3 “والمخمصة: المجاعة”.

ضرورة الدواء

وأما ضرورة الدواء -بأن يتوقف برؤه على تناول شيء من هذه المحرمات- فقد اختلف في اعتبارها الفقهاء.. فمنهم من لم يعتبر التداوي ضرورة قاهرة كالغذاء، واستند كذلك إلى حديث “إن الله لم يجعل شفائكم فيما حرم عليكم”.

ومنهم من اعتبر هذه الضرورة وجعل الدواء كالغذاء، فكلاهما لازم للحياة في أصلها أو دوامها، وقد استدل هذا الفريق -على إباحة هذه المحرمات للتداوي- بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما لحكة -جرب- كانت بهما. مع نهيه عن لبس الحرير، ووعيده عليه.

وربما كان هذا القول أقرب إلى روح الإسلام الذي يحافظ على الحياة الإنسانية في كل تشريعاته ووصاياه.

ولكن الرخصة في تناول الدواء المشتمل على محرم مشروطة بشروط:

  1. أن يكون هناك خطر حقيقي على صحة الإنسان إذا لم يتناول هذا الدواء.
  2. ألا يوجد دواء غيره من الحلال يقوم مقامه أو يغني عنه.
  3. أن يصف ذلك طبيب مسلم ثقة في خبرته وفي دينه معا.

على أنا نقول مما نعرفه من الواقع التطبيقي، ومن تقرير ثقات الأطباء: أن لا ضرورة طبية تحتم تناول شيء من هذه المحرمات -كدواء- ولكننا نقرر المبدأ احتياطا لمسلم قد يكون في مكان لا يوجد فيه إلا هذه المحرمات.

الفرد ليس بمضطر إذا كان في المجتمع ما يدفع ضرورته

وليس من شرط الضرورة ألا يجد الإنسان طعاما في ملكه هو فحسب، بل لا يكون مضطرا لتناول هذه الأطعمة المحرمة، إذا كان في أفراد مجتمعه -مسلمهم أو ذميهم- من يملك من فضل الطعام ما يدفع به الضرورة عنه. فإن المجتمع الإسلامي متكامل متكافل كأجزاء الجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

ومن اللفتات القيمة لفقهاء الإسلام في التكافل الاجتماعي ما قرره الإمام ابن حزم إذ قال: “لا يحل لمسلم اضطر، أن يأكل ميتة أو لحم خنزير، وهو يجد طعاما -فيه فضل عن صاحبه- لمسلم أو ذمي، لأن فرضا على صاحب الطعام إطعام الجائع.. فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا لحم الخنزير. وله أن يقاتل عن ذلك، فإن قتل فعلى قاتله القود -أي: القصاص- وإن قتل المانع، فإلى لعنة الله، لأنه منع حقا. وهو طائفة باغية. قال تعالى: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) سورة الحجرات:9. ومانع الحق باغ على أخيه الذي له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة.

الذكـاة الشــرعيــة

الحيوانات البحرية حلال كلها

الحيوانات من حيث مسكنها ومستقرها نوعان: بحرية وبرية.

فالبحرية -ونعني ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلا فيه- كلها حلال، كيفما وجدت، سواء أخذت من الماء حية أو ميتة، طفت أو لم تطف يستوي في ذلك السمك والحيتان، وما يسمى كلب البحر أو خنزير البحر أو غير ذلك، ولا عبرة بمن أخذها وصادها، مسلما أو غير مسلم، فقد وسع الله على عباده بإباحة كل ما في البحر، دون أن يحرم نوعا معينا، أو يشترط ذكاة له كغيره، بل ترك للإنسان أن يجهز على ما يحتاج إلى الإجهاز منه بما يستطيع متجنبا التعذيب ما أمكنه.

قال تعالى ممتنا على عباده: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا) سورة النحل:الآية 14. وقال: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) سورة المائدة:96، أي: المسافرين. فعم سبحانه وتعالى ولم يخص شيئا من أشياء (وما كان ربك نسيا).

المحرم من الحيوانات البرية

وأما الحيوانات البرية فلم يصرح القرآن بتحريم شيء منها إلا لحم الخنزير خاصة -والميتة والدم وما أهل لغير الله به من أي حيوان- كما تقدم في الآيات التي جاءت بصيغة محددة حاصرة للمحرمات في أربعة إجمالا وعشرة تفصيلا.

ولكن القرآن الكريم قال عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) سورة الأعراف:157.

والخبائث هي التي يستقذرها الذوق الحسي العام للناس في مجموعهم وإن أساغها أفراد منهم.

ومن ذلك أنه “نهى عليه السلام عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر”.

ومن ذلك ما روي في الصحيحين أنه “نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير”.

والمراد بالسباع ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا كالأسد والنمر والذئب ونحوها. والمراد بذي المخلب من الطير ما كان له ظفر جارح كالنسر والبازي والصقر والحدأة.

ومذهب ابن عباس رضي الله عنه لا حرام إلا الأربعة المذكورة في القرآن وكأنه يرى أن أحاديث النهي عن السباع وغيرها تفيد الكراهة لا التحريم، أو لعلها لم تبلغه. قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه فأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. وتلا: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم …) سورة الأنعام:145.

وبهذه الأية كان يرى ابن عباس أن لحم الحمر الإنسية حلال.

وإلى مذهب ابن عباس ينزع الإمام مالك، حيث لم يقل بحرمة السباع ونحوها، واكتفى بكراهتها.

ومن المقرر أن الذكاة الشرعية لا تأثير لها في الحيوانات المحرمة من حيث إباحة أكلها، إلا أنها تؤثر في تطهير الجلد دون اشتراط الدباغ.

اشتراط الذكاة لإباحة الحيوانات المستأنسة

وما أبيح أكله من الحيوانات البرية نوعان:

نوع مقدور عليه متمكن منه، كالأنعام من إبل وبقر وغنم، وغيرها من الحيوانات المستأنسة والدواجن والطيور التي تربى في المنازل ونحوها.

ونوع غير مقدور عليه ولا يتمكن منه.

أما النوع الأول فقد اشترط الإسلام لإباحته أن يذكى تذكية شرعية.

شروط الذكاة الشرعية

والذكاة الشرعية المطلوبة إنما تتم بشروط.

  1. أن يذبح الحيوان أو ينحر بآلة حادة مما ينهر الدم ويفري الأوداج ولو كان حجرا أو خشبا. فعن عدي بن حاتم الطائي قال: يا رسول الله، إننا يصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الظرار (أي الحجر أو المدر المحدد منه) وشقة العصا (أي من البوص) فقال: أمر الدم (أي أرقه) بما شئت واذكر اسم الله عليه.
  2. أن يكون في الحلق أو اللبة (النحر) وذلك بقطع في الحلق يكون الموت في أثره، أو طعن في اللبة يكون الموت في أثره.

وأكمل الذبح أن يقطع الحلقوم والمريء (وهو مجرى الطعام والشراب من الحلق) والودجان (وهما عرقان غليظان في جانبي ثغرة النحر).

ويسقط هذا الشرط إذا تعذر الذبح في موضعه الخاص كأن يتردى الحيوان في بئر من جهة رأسه بحيث لا ينال حلقه ولا لبته، أو يند ويتمرد على طبيعته المستأنسة، لهذا يعامل معاملة الصيد، ويكفي أن يجرح بمحدد في أي موضع مستطاع منه.

وفي الصحيحين عن رافع بن خديج قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفره فند بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا”.

  1. ألا يذكر عليه اسم غير الله. وهذا مجمع عليه وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتقربون إلى آلهتهم واصنامهم بالذبح لأجلها: إما بالإهلال عند الذبح بأسمائها، وإما بالذبح على الأنصاب المخصوصة لها، فحرم القرآن ذلك كله كما ذكرنا (وما أهل لغير الله به.. وما ذبح على النصب)
  2. أن يذكر اسم الله على الذبيحة هذا هو الظاهر من النصوص، فالقرآن يقول: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) سورة الأنعام:118 ويقول: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إنه لفسق..) سورة الأنعام:121. والرسول عليه السلام يقول: “ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه”.

وما يؤيد إيجاب هذا الشرط الأحاديث التي صحت في اشتراك التسمية في الصيد، عند رمي السهم أو إرسال الكلب المعلم كما سيأتي.

وذهب بعض العلماء إلى أن ذكر اسم الله لا بد منه، ولكن ليس من اللازم أن يكون ذلك عند الذبح، بل يجزئ عنه أن يذكره عند الأكل فإنه إذا سمى عند الأكل على ما يأكله لم يكن آكلا ما لم يذكر اسم الله عليه. وفي صحيح البخاري عن عائشة أن قوما حديثي عهد بجاهلية قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: “إن قوما يأتوننا باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا؟ أنأكل منها أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اذكروا اسم الله وكلوا””.

سر هذه الذكاة وحكمتها

والسر في هذه الذكاة -كما يلوح لنا- هو إزهاق روح الحيوان بأقصر طريق يريحه بغير تعذيب. لهذا اشترطت الآلة المحددة وهي أسرع أثرا واشترط الذبح في الحلق -وهو أقرب المواضع لمفارقة الحياة بسهولة- ونهي عن الذبح بالسن والظفر، لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع بهما غالبا إلا الخنق، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحداد الشفرة وإراحة الذبيحة “إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته”.

ومن هذا الإحسان ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم وقال: “إذا ذبح أحدكم فليجهز” أي: فليتم.

وعن ابن عباس أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أتريد أن تميتها موتات ؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟”

وراى عمر رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: ويلك !! قدها إلى الموت قودا جميلا.

وهكذا نجد الفكرة العامة في هذا الباب هي الرفق بالحيوان الأعجم وإراحته من العذاب ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا.

وقد كان أهل الجاهلية يجبون أسنمة الإبل -وهي حية- ويقطعون أليات الغنم وكان في ذلك تعذيب لهذه الحيوانات، ففوت النبي صلى الله عليه وسلم مقصودهم وحرم عليهم الانتفاع بهذه الأجزاء، فقال: “ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة”.

حكمة التسمية عند الذبح

أما طلب التسمية عند الذكاة فإن لها سرا لطيفا ينبغي التنبه له والالتفات إليه. في من جهة مضادة لما كان يصنع الوثنيون وأهل الجاهلية من ذكر أسماء آلهتهم المزعومة عند الذبح، وإذا كان المشرك يذكر في هذا الموضع اسم صنمه فكيف لا يذكر المؤمن اسم ربه؟

ومن جهة ثانية، فإن هذه الحيوانات تشترك مع الإنسان في أنها مخلوقة لله، وأنها كائنات حية ذات روح.. فلماذا يتسلط الإنسان عليها، ويزهق أرواحها، إلا أن يكون ذلك بإذن من خالقه، الذي خلق له ما في الأرض جميعا؟ وذكر اسم الله هنا هو إعلان بهذا الإذن الإلهي. كأن الإنسان يقول: إنني لا أفعل ذلك عدوانا على هذه الكائنات، ولا استضعافا لتلك المخلوقات، ولكن باسم الله أذبح، وباسم الله أصيد ، وباسم الله آكل.

ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى)

رأينا كيف شدد الإسلام في أمر الذبح واهتم به، لأن مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل جعلوا الذبائح من أمور العبادات بل من شؤون العقيدة وأصول الدين، فصاروا يتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم، فيذبحون على النصب عندها أو يهلون باسمها عند الذبح، وحرم ما ذبح على النصب وما أهل لغير الله به.

ولما كان أهل الكتاب أهل توحيد في الأصل، ثم سرت إليهم نزعات الشرك ممن دخل في دينهم من المشركين الذين لم يتخلصوا تماما من أدران شركهم القديم، وكان هذا مظنة لأن يفهم بعض المسلمين أن معاملة أهل الكتاب في ذلك كأهل الأوثان -رخص الله تعالى في مؤاكلة أهل الكتاب كما رخص في مصاهرتهم- فقال تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل من القرآن: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) سورة المائدة:5.

ومعنى هذه الآية إجمالا: اليوم أحل لكم الطيبات، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. وطعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حل لكم بمقتضى الأصل، لم يحرمه الله عليكم قط، وطعامكم حل لهم كذلك أيضا، فلكم أن تأكلوا من اللحوم التي ذكوا حيوانها أو صادوه، ولكم أن تطعموهم مما تذكون وتصطادون.

وإنما شدد الإسلام مع مشركي العرب، وتساهل مع أهل الكتاب، لأنهم أقرب إلى المؤمنين، لاعترافهم بالوحي والنبوة وأصول الدين في الجملة. وقد شرعت لنا موادتهم بمؤاكلتهم ومصاهرتهم وحسن معاشرتهم لأنهم إذا عاشرونا وعرفوا الإسلام في بيئته ومن أهله، على حقيقته، علما وعملا وخلقا، ظهر لهم أن ديننا هو دينهم في أسمى معانيه، وأكمل صوره، وأنقى صحائفه، مبرأ من البدع والأباطيل والوثنيات.

وكلمة (طعام الذين أوتوا الكتاب) كلمة عامة تشمل كل طعام لهم: ذبائحهم وحبوبهم وغيرها، فكل ذلك حلال لنا، ما لم يكن محرما لعينه كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، فهذه لا يجوز أكلها بالإجماع سواء أكانت طعام كتابي أو مسلم.

بقي هنا إيضاح عدة مسائل يهم المسلمين معرفتها:

ما يذبح للكنائس والأعياد

  1. إذا لم يسمع من الكتابي أنه سمى غير الله عند الذبح كالمسيح والعزير، فإن ذبيحته حلال. وأما إذا سمع منه تسمية غير الله، فمن الفقهاء من يحرم ذبيحته تلك لأنها مما أهل لغير الله به.

وبعضهم يقول: أباح الله لنا طعامهم وهو أعلم بما يقولون.

وسئل أبو الدرداء رضي الله عنه عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها (جرجس) أهدوه لها: أنأكل منه ؟ فقال أبو الدرداء للسائل: اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم. وأمره بأكله.

وسئل الإمام مالك فيما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم فقال: أكرهه ولا أحرمه. وإنما كرهه من باب الورع خشية أن يكون داخلا فيما أهل لغير الله به، ولم يحرمه لأن معنى ما أهل به عنده -بالنسبة لأهل الكتاب- إنما هو فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه فأما ما يذبحونه ويأكلونه فهو من طعامهم وقد قال تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم).

ما ذكوه بطريق الصعق الكهربائي ونحوه

  1. المسألة الثانية: هل يشترط أن تكون تذكيتهم مثل تذكيتنا: بمحدد في الحلق ؟ اشترط ذلك أكثر العلماء، والذي أفتى به جماعة من المالكية أن ذلك ليس بشرط.

قال القاضي ابن العربي في تفسير آية المائدة: “هذا دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله، وهو الحلال المطلق، وإنما كرره الله تعالى ليرفع به الشكوك ويزيل الاعتراضات عن الخواطر الفاسدة، التي توجب الاعتراضات وتحوج إلى تطويل القول.

ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما ؟ فقلت: تؤكل، لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن أباح الله لنا طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم، فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه. ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا نساءهم أزواجا، فيحل لنا وطؤهن، فكيف لا نأكل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة؟”

هذا ما قرره ابن العربي. وقال في موضع ثان: “ما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس (أي بغير قصد التذكية) ميتة حرام”. ولا تنافي بين القولين، فإن المراد: أن ما يرونه مذكى عندهم حل لنا أكله، وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة صحيحة، وما لا يرونه مذكى عندهم لا يحل لنا. والمفهوم المشترك للذكاة: هو القصد إلى إزهاق روح الحيوان بنية تحليل أكله.

وهذا هو مذهب جماعة المالكية.

وعلى ضوء ما ذكرناه نعرف الحكم في اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظة، مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه. فما داموا يعتبرون هذا حلالا مذكى فهو حل لنا، وفق عموم الآية. أما اللحوم المستوردة من بلاد شيوعية: فلا يجوز تناولها بحال، لأنهم ليسوا أهل كتاب وهم يكفرون بالأديان كلها، ويجحدون بالله ورسالاته جميعا.

ذبيحة المجوسي ومن ماثله

اختلف العلماء في ذبيحة المجوس، فالأكثرون يمنعون من أكلها لأنهم مشركون.

وقال آخرون: هي حلال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”سنوا بهم سنة أهل الكتاب”. وقد قبل الجزية من مجوس هجر.

وقال ابن حزم في باب التذكية من كتابه (المحلى): “وإنهم أهل كتاب فحكمهم كحكم أهل الكتاب في كل ذلك”.

والصابئون عند أبي حنيفة أهل كتاب أيضا.

قاعدة: ما غاب عنا لا نسأل عنه

وليس على المسلم أن يسأل عما غاب عنه: كيف كانت تذكيته ؟ وهل استوفت شروطها أم لا ؟ وهل ذكر اسم الله على الذبيحة أم لم يذكر ؟ بل كل ما غاب عنا مما ذكاه مسلم -ولو جاهلا أو فاسقا- أو كتابي، فحلال أكله.

وقد ذكرنا من قبل حديث البخاري أن قوما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال عليه السلام: “سموا الله عليه أنتم وكلوا”.

قال العلماء في هذا الحديث: هذا دليل على أن الأفعال والتصرفات تحمل على حال الصحة والسلامة، حتى يقوم دليل على الفساد والبطلان.

الصــيــد

كان كثيرا من العرب وغيرهم من الأمم يعيشون على الصيد، لذلك عني به القرآن والسنة وخصص الفقهاء له أبوابا مستقلة، فصلوا فيها ما يحل منه وما يحرم، وما يجب فيه وما يستحب.

ذلك أن هناك كثيرا من الحيوانات والطيور المستطاب لحمها، لا يتمكن الإنسان منها ولا يقدر عليها، لأنها غير مستأنسة له، فلم يشترط الإسلام فيها ما اشترط في الحيوانات الإنسية من الذكاة في الحلق أو اللبة، واكتفى في تذكيتها بما يسهل في مثلها تخفيفا على الإنسان وتوسعة عليه، وأقر الناس في هذا الأمر على ما هدتهم إليه الفطرة والحاجة، وإنما أدخل عليه تنظيمات واشتراطات تخضعه لعقيدة الإسلام ونظامه، وتصبغه -ككل شؤون المسلم- بالصبغة الإسلامية. وهذه الاشتراطات منها ما يتعلق بالصائد، ومنها ما يتعلق بالمصيد، ومنها ما يتعلق بما يكون به الصيد.

هذا كله في صيد البر، أما صيد البحر فقد تقدم أن الله أحله جملة دون قيد (أحل لكم صيد البحر وطعامه) سورة المائدة:96.

ما يتعلق بالصائد

  1. أما الصائد لصيد البر فيشترط فيه ما يشترط في الذابح: بأن يكون مسلما، أو من أهل الكتاب، أو من هو في حكم أهل الكتاب كالمجوس والصابئين.

ومن التوجيهات التي علمها الإسلام للصائد: ألا يكون عابثا بصيده، فيزهق هذا الأرواح، دون قصد منه إلى أكلها أو الانتفاع بها. وفي الحديث: “من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة، يقول: يا رب، إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة”.

وفي الحديث الآخر: “ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها يوم القيامة !! قيل: يا رسول الله، وما حقها ؟ قال: أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي به”.

هذا ويشترط في الصائد أيضا ألا يكون محرما بحج أو عمرة، فإن المسلم في فترة الإحرام يكون في مرحلة سلام كامل وأمن شامل، يمتد نطاقه حتى يشمل ما حوله من حيوان في الأرض أو طير في السماء حتى ولو كان الصيد أمامه تناله يده أو رمحه، ولكنه الابتلاء والتربية التي تكون المؤمن القوي الصابر. وفي ذلك يقول الله: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) سورة المائدة:95. (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) سورة المائدة:96. (غير محلي الصيد وأنتم حرم) سورة المائدة:1.

ما يتعلق بالمصيد

  1. وأما الشروط التي تتعلق بالمصيد، فأن يكون حيوانا مما لا يقدر الإنسان على تذكيته في الحلق واللبة، فإن قدر على تذكيته في ذلك فلا بد منها ولا يلجأ إلى غيرها، لأنها الأصل.

وكذلك لو رماه بسهمه أو سلط عليه كلبه ثم أدركه وفيه حياة مستقرة فعليه أن يحله بالذبح المعتاد في الحلق، فإن كان به حياة غير مستقرة، فإن ذبحه فحسن، وإن تركه يموت من نفسه فلا إثم عليه وفي (الصحيحين): “وإذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه”.

ما يكون به الصيد

  1. وأما ما يكون به الصيد فنوعان:

-أ- الآلة الجارحة كالسهم والسيف والرمح كما أشارت الآية (تناله أيديكم ورماحكم) سورة المائدة:94.

-ب- الحيوان الجارح الذي يقبل التعليم كالكلب والفهد من سباع البهائم، والباز والصقر من سباع الطير. قال تعالى: (قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله) سورة المائدة:4.

الصيد بالسلاح الجارح

والصيد بالآلة يشترط فيها أمران:

أولا: أن تنفذ في الجسد بحيث يكون قتلها بالنفاذ والخدش لا بالثقل. وقد سأل عدي بن حاتم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيبه ! قال: “إذا رميت بالمعراض فخزق -أي: نفذ في الجسد- فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل” والحديث متفق عليه.

وقد دل الحديث على أن المعتبر هو الخزق وإن كان القتل بمثقل، وعلى هذا يحل ما صيد برصاص البنادق والمسدسات ونحوها، فإنها تنفذ في الجسم أشد من نفاذ السهم والرمح والسيف.

أما ما رواه أحمد من حديث “لا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت” وما رواه البخاري من قول ابن عمر في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة. فالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين فييبس فيرمى بها، فهي شيء غير البندقة تماما.

ومثل البندقة ما صيد بحصى الخذف، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخذف -الرمي بحصاة ونحوها- وقال: “إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، لكنها تكسر السن، وتفقأ العين”.

ثانيا: أن يذكر اسم الله على الآلة عند الرمي والضرب بها كما علم النبي صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم. وأحاديثه هي الأصل في هذا الباب.

الصيد بالكلاب ونحوها

فإذا كان الصيد بكلب أو باز مثلا فالمطلوب فيه:

أولا: أن يكون معلما.

ثانيا: أن يصيد الصيد لأجل صاحبه، وتبعبير القرآن: أن يمسك على صاحبه لا على نفسه.

ثالثا: أن يذكر اسم الله عليه عند إرساله.

وأصل هذه الشروط هو ما نطقت به الآية الكريمة (سيألونك ماذا أحل لهم ؟ قل: أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) سورة المائدة:4.

  1. وحد التعليم معروف، وهو قدرة صاحب الكلب على التحكم فيه وتوجيهه بحيث يدعوه فيجيب، ويغريه بالصيد فيندفع وراءه. ويزجره فينزجر -على خلاف بين الفقهاء في اشتراط بعض هذه الأشياء- المهم أن يتحقق التعليم وهو أمر يدرك بالعرف.
  2. وحد الإمساك على صاحبه ألا يأكل منه. قال صلى الله عليه وسلم: “إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد، فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، فإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل فإنما أمسكه على صاحبه”.

ومن الفقهاء من فرق بين سباع البهائم كالكلاب وسباع الطير كالصقر، فأباح ما أكل منه الطير دون ما أكل منه الكلب.

والحكمة في هذين الشرطين تعليم الكلب ونحوه، ثم أمساكه على صاحبه هو السمو بالإنسان، وتنزيهه أن يأكل فضلات الكلاب، وفرائس السباع مما يمكن أن يتساهل فيه ضعفاء النفوس، فأما إذا كان الكلب معلما، وأمسك على صاحبه، فشأنه في تلك الحالة شأن الآلة التي يستعملها الصائد كالنبال والرماح.

  1. وذكر اسم الله عند إرسال الكلب كذكره عند قذف السهم أو وخز الرمح أو ضرب السيف. وقد أمرت الآية به ههنا (واذكروا اسم الله عليه) سورة المائدة:4. كما جاءت به الأحاديث الصحيحة المتفق عليها، كحديث عدي بن حاتم.

ومما يدل على هذا الشرط أنه لو شارك كلبه كلب آخر فإن صيدهما لا يحل. فحين سأل عدي النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: إني أرسل كلبي أجد معه كلبا، لا أدري أيها أخذه ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فلا تأكل؛ فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره”.

فإذا نسي التسمية عند الرمي أو الإرسال فقد وضع الله عن هذه الأمة المؤاخذة بالنسيان والخطأ، وليتدارك ذلك عند الأكل كما مر في الذبح.

وقد بينا عند الكلام على الذبح الحكمة في طلب التسمية باسم الله، وما قيل هناك يقال هنا أيضا.

إذا وجد الصيد ميتا بعد الرمية

يحدث أحيانا أن يرمي الصائد سهمه فيصيب الصيد، ثم يغيب عنه فيجده بعد ذلك ميتا، وربما كان ذلك ميتا، وربما كان ذلك بعد أيام. وفي هذه الحالة يكون الصيد حلالا بشروط:

  1. ألا يقع في الماء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا رميت سهمك. فإن وجدته قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري: الماء قتله أم سهمك؟”.
  2. ألا يجد فيه أثرا لغير سهمه يعلم أنه سبب قتله.

فعن عدي بن حاتم: قلت: يا رسول الله “أرمي الصيد فأجد فيه سهمي من الغد؟” فقال: “إذا علمت أن سهمك قتله، ولم تر فيه أثر سبع فكل”.

  1. ألا يصل الصيد إلى درجة النتن، فإن الطباع السليمة تستخبث المنتن وتشمئز منه، فضلا عما يتوقع من ضرره.

وفي (صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني: “إذا رميت سهمك فغاب -أي الصيد- ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن”.

الخمـر

الخمر هي تلك المادة الكحولية التي تحدث الإسكار.

ومن توضيح الواضح أن نذكر ضررها على الفرد في عقله وجسمه، ودينه ودنياه. أو نبين خطرها على الأسرة من حيث رعايتها والقيام على شؤونها زوجة أو أولادا. أو نشرح تهديدها للجماعات والشعوب في كيانها الروحي والمادي والخلقي.

وبحق ما قاله أحد الباحثين: إن الإنسان لم يصب بضربة أشد من ضربة الخمر، ولو عمل إحصاء عام عمن في مستشفيات العالم من المصابين بالجنون والأمراض العضالة بسبب الخمر، وعمن انتحر أو قتل غيره بسبب الخمر، وعمن يشكو في العالم من آلام عصبية ومعدية ومعوية بسبب الخمر، وعمن أورد نفسه موارد الإفلاس بسبب الخمر، وعمن تجرد من أملاكه بيعا أو غشا بسبب الخمر… لو عمل إحصاء بذلك أو ببعضه لبلغ حدا هائلا نجد كل نصح بإزائه صغيرا.

وقد كان العرب في جاهليتهم مولعين بشربها والمنادمة عليها؛ ظهر ذلك في لغتهم فجعلوا لها نحوا من مائة اسم، وفي شعرهم فوصفوها وأقداحها ومجالسها وأنواعها.

فلما جاء الإسلام أخذهم بمنهج تربوي حكيم، فتدرج معهم في تحريمها؛ فمنعهم أولا من الصلاة وهم سكارى، ثم بين لهم أن إثمها أكبر من نفعها، ثم أنزل سبحانه الآية الجامعة القاطعة في سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) سورة المائدة الآيتان:90،91.

وفي هاتين الآيتين أكد الله تحريم الخمر والميسر القمار-تأكيدا بليغا، إذ قرنهما بالأنصاب والأزلام، وجعلهما من عمل الشيطان، وإنما عمله الفحشاء والمنكر. وطلب اجتنابهما وجعل هذا الاجتناب سبيلا إلى الفلاح. وذكر من أضرارهما الاجتماعية، تقطيع الصلاة وإيقاع العداوة والبغضاء ومن أضرارهما الروحية الصد عن الواجبات الدينية من ذكر الله والصلاة. ثم طلب الانتهاء عنهما بأبلغ عبارة (فهل أنتم منتهون).

وكان جواب المؤمنين على هذا البيان الحاسم قد انتهينا يا رب، قد انتهينا يا رب.

وصنع المؤمنون العجب بعد نزول هذه الآية، فكان الرجل في يده الكأس قد شرب منها بعضا وبقي بعض فحين تبلغه الآية ينزع الكأس من فيه ويفرغها على التراب.

وقد آمن كثير من الحكومات بأضرار الخمر على الأفراد والأسر والأوطان، ومنهم من حاولوا أن يمنعوها بقوة القانون والسلطان -كأمريكا- ففشلوا، على حين نجح الإسلام وحده في محاربتها والقضاء عليها.

وقد اختلف رجال الكنيسة في موقف المسيحية من الخمر، واستندوا إلى أن في الإنجيل نصا يقول: قليل من الخمر يصلح المعدة. ولو صح هذا الكلام وكان قليل الخمر يصلح المعدة حقا لوجب الامتناع عن هذا القليل، لأن قليل الخمر إنما يجر إلى كثيرها والكأس الأولى يغري بأخرى وأخرى حتى الإدمان.

هذا على حين كان موقف الإسلام صريحا صارما من الخمر وكل ما يعين على شربها.

كل مسكر خمر

وكان أول ما أعلنه النبي في ذلك أنه لم ينظر إلى المادة التي تتخذ منها الخمر، وإنما نظر إلى الأثر الذي تحدثه وهو الإسكار، فما كان فيه قوة الإسكار فهو الخمر مهما وضع الناس لها من ألقاب وأسماء، ومهما تكن المادة التي صنعت منها -وعلى هذا البيرة وما شابهها حرام.

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشربة تصنع من العسل أو من الذرة والشعير تنبذ حتى تشتد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم فأجاب بجواب جامع: “كل مسكر خمر، وكل خمر حرام”.

وأعلن عمر على الناس من فوق منبر الرسول عليه السلام: الخمر ما خامر العقل.

ما أسكره كثيره فقليله حرام

ثم كان الإسلام حاسما مرة أخرى حين لم ينظر إلى القدر المشروب من الخمر قل أو كثر، فيكفي أن تنزلق قدم الإنسان في هذه السبيل، فيمضي وينحدر، لا يلوي على شيء.

لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما أسكر فقليله حرام”، “ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام” والفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا.

الاتجار بالخمر

ولم يكتف النبي عليه السلام بتحريم شرب الخمر قليلها وكثيرها، بل حرم الاتجار بها، ولو مع غير المسلمين، فلا يحل لمسلم أن يعمل مستوردا أو مصدرا للخمر، أو صاحب محل لبيع الخمر، أو عاملا في هذا المحل.

ومن أجل ذلك “لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة؛ عاصرها ومعتصرها -أي طالب عصرها- وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له”.

ولما نزلت آية المائدة السابقة قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية ، وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع” قال راوي الحديث: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها.

وعلى طريقة الإسلام في سد الذرائع إلى الحرام، حرم على المسلم أن يبيع العنب لمن يعرف أنه سيعصره خمرا. وفي الحديث: “من حبس العنب أيام القطاف، حتى يبيعه من يهودي -أي: ليهودي- أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا -أي: ولو كان مسلما- فقد تقحم النار على بصيرة”.

المسلم لا يهدي خمرا

وإذا كان بيع الخمر وأكل ثمنها حراما على المسلم، فإن إهدائها بغير عوض، ولغير مسلم من يهودي أو نصراني أو غيره حرام أيضا؛ فما ينبغي للمسلم أن تكون الخمر هدية منه، ولا هدية إليه، فهو طيب لا يهدى إلا طيبا ولا يقبل إلا طيبا.

وقد روي أن رجلا أراد أن يهدي للنبي عليه الصلاة والسلام رواية خمر، فأخبره النبي أن الله حرمها، فقال الرجل:

أفلا أبيعها ؟

فقال النبي: “إن الذي حرم شربها حرم بيعها”.

فقال الرجل: أفلا أكارم بها اليهود؟

فقال النبي: “إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود”.

فقال الرجل: فكيف أصنع بها؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “شنها على البطحاء”.

مقاطعة مجالس الخمر

وعلى هذه السنة أمر المسلم أن يقاطع مجالس الخمر، ومجالسة شاربيها. فعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة تدار عليها الخمر”.

إن المسلم مأمور أن يغير المنكر إذا رآه، فإذا لم يستطع أن يزيله، فليزل هو عنه، ولينأ عن موطنه وأهله.

ومما روي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه كان يجلد شاربي الخمر ومن شهد مجالسهم، وإن لم يشرب معهم. ورووا أنه رفع إليه قوم شربوا الخمر، فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم فلانا، وقد كان صائما، فقال: به ابدؤوا. أما سمعتم قول الله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) سورة النساء:140.

الخمر داء وليست دواء

بكل هذه النصوص الواضحة كان الإسلام حاسما كل الحسم في محاربة الخمر وإبعاد المسلم عنها، وإقامة الحواجز بينه وبينها، فلم يفتح أي منفذ -وإن ضاق وصغر- لتناولها أو ملابستها.

ولم يبح للمسلم شربها ولو القليل منها، ولا ملابستها ببيع أو شراء أو إهداء أو صناعة، ولا إدخالها في متجره أو في بيته، ولا إحضارها في حفلات الأفراح وغير الأفراح، ولا تقديمها لضيف غير مسلم، ولا أن تدخل في أي طعام أو شراب.

بقي هنا جانب قد يسأل عنه بعض الناس وهو استعمال الخمر كدواء. وهذا ما أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فقد سأل رجل عن الخمر، فنهاه عنها، فقال الرجل: إنما أصنعها للدواء. قال صلى الله عليه وسلم: “إنه ليس بدواء ولكنه داء” وقال عليه السلام: “إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام”.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه في شأن المسكر: “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم”.

ولا عجب أن يحرم الإسلام التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات، فإن تحريم الشيء -كما قال الإمام ابن القيم- يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشارع.

وقال: وأيضا، فإن في إباحة التداوي به -ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، وبخاصة إذا عرفت النفوس أنه نافع لها، ومزيل لأسقامها، جالب لشفائها.

وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء.

وقد تنبه ابن القيم رحمه الله إلى جانب نفسي هام فقال: إن من شرط الشفاء الدواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء. ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد منفعتها وبركتها، وحسن ظنه بها وتلقيه لها بالقبول، بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها، وأسوأ اعتقاد فيها، وكان طبعه أكره شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء لا دوا.

ومع هذا فإن للضرورة حكمها في نظر الشريعة، فلو فرض أن الخمر أو ما خلط بها تعينت دواء لمرض يخشى منه على حياة الإنسان بحيث لا يغني عنها دواء آخر -وما أظن ذلك يقع- ووصف ذلك طبيب مسلم ماهر في طبه، غيور على دينه، فإن قواعد الشريعة القائمة على اليسر، ودفع الحرج، لا تمنع من ذلك، على أن يكون في أضيق الحدود الممكنة (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) سورة الأنعام:145.

المخــدرات

(الخمر ما خامر العقل) كلمة نيرة قالها عمر بن الخطاب من فوق منبر النبي صلى الله عليه وسلم يحدد بها مفهوم الخمر، حتى لا تكثر أسئلة السائلين ولا شبهات المشتبهين. فكل ما لابس العقل وأخرجه عن طبيعته المميزة المدركة الحاكمة فهو خمر حرام حرمه الله ورسوله إلى يوم القيامة.

ومن ذلك تلك المواد التي تعرف باسم “المخدرات” مثل الحشيش والكوكايين والأفيون ونحوها، مما عرف أثرها عند متعاطيها أنها تؤثر في حكم العقل على الأشياء والأحداث، فيرى البعيد قريبا، والقريب بعيدا، ويذهل عن الواقع، ويتخيل ما ليس بواقع، ويسبح في بحر الأحلام والأوهام، وهذا ما يسعى إليه متناولوها حتى ينسوا أنفسهم ودينهم ودنياهم ويهيموا في أودية الخيال.

وهذا غير ما تحدثه من فتور في الجسد، وخدر في الأعصاب، وهبوط في الصحة وفوق ذلك ما تحدثه من خور النفس، وتميع الخلق، وتحلل الإرادة، وضعف الشعور بالواجب، مما يجعل هؤلاء المدمنين لتلك السموم أعضاء غير صالحة في جسم المجتمع.

فضلا عما وراء ذلك كله من إتلاف للمال، وخراب للبيوت، بما ينفق على تلك المواد من أموال طائلة، ربما دفعها المدمن من قوت أولاده، وربما انحرف إلى طريق غير شريف يجلب منه ثمنها.

وإذا ذكرنا أن “التحريم يتبع الخبث والضرر” تبين لنا أن حرمة هذه الخبائث التي ثبت ضررها الصحي والنفسي والخلقي والاجتماعي والاقتصادي مما لا شك فيه.

وعلى هذه الحرمة أجمع فقهاء الإسلام الذين ظهرت في أزمنتهم هذه الخبائث. وفي طليعتهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال: هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أم لم يسكر… إنما يتناولها الفجار لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة، وما توجبه من الدياثة (فقدان الغيرة) ما هو من الشراب المسكر. وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار. وعلى تناول القليل والكثير منها حد الشرب -ثمانون سوطا أو أربعون-.

ومن ظهر منه أكل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه شرب الخمر وشر منه من بعض الوجوه، ويعاقب على ذلك كما يعاقب هذا. قال: “وقاعدة الشريعة أن ما تشتهيه النفوس من المحرمات كالخمر والزنا ففيه الحد، وما لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير؛ والحشيشة مما يشتهيها آكلوها، ويمتنعون عن تركها، ونصوص التحريم في الكتاب والسنة على من يتناولها كما يتناول غير ذلك”.

كل ما يضر فأكله أو شربه حرام

وهنا قاعدة عامة مقررة في شريعة الإسلام، وهي أنه لا يحل للمسلم أن يتناول من الأطعمة أو الأشربة شيئا يقتله بسرعة أو ببطء -كالسهم بأنواعه- أو يضره ويؤذيه، ولا أن يكثر من طعام أو شراب يمرض الإكثار منه، فإن المسلم ليس ملك نفسه، وإنما هو ملك دينه وأمته. وحياته وصحته وماله، ونعم الله كلها عليه وديعة عنده، ولا يحل له التفريط فيها. قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) سورة النساء:29. وقال: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) سورة البقرة:195.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”.

ووفقا لهذا المبدأ نقول: إن تناول التبغ (الدخان) ما دام قد ثبت أنه يضر بمتناوله فهو حرام. وخاصة إذا قرر ذلك طبيب مختص بالنسبة لشخص معين. ولو لم يثبت ضرره الصحي لكان إضاعة للمال فيما لا ينفع في الدين أو الدنيا وقد “نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن إضاعة المال”. ويتأكد النهي إذا كان محتاجا إلى ما ينفقه من مال لنفسه أو عياله.

الباب الثالث

حكم الإسلام في الملبس والزينة

أباح الإسلام للمسلم، بل طلب إليه أن يكون حسن الهيئة، كريم المظهر، جميل الهندام متمتعا بما خلق الله من زينة وثياب ورياش.

الغرض من الملبس في نظر الإسلام أمران؛ ستر العورة، والزينة. ولهذا امتن الله على بني الإنسان عامة بما هيأ لهم بتدبيره من لباس ورياش فقال تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا) سورة الأعراف:26.

فمن فرط في أحد هذين الأمرين: الستر أو التزين، فقد انحرف عن صراط الإسلام إلى سبل الشيطان. وهذا سر النداءين اللذين وجههما الله إلى بني آدم -بعد النداء السابق- يحذرهم فيهما من العري، وترك الزينة، اتباعا لخطوات الشيطان. قال تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما) سورة الأعراف:27. وقال سبحانه: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) سورة الأعراف:31.

وقد أوجب الإسلام على المسلم أن يستر عورته التي يستحي الإنسان المتمدين بفطرته من كشفها، حتى يتميز عن الحيوان العاري. بل دعاه إلى هذا التستر وإن كان منفردا بعيدا عن الناس، حتى يصير الاحتشام له دينا وخلقا.

عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله ‍ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك). قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ (أي في السفر ونحوه) قال: (فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها). فقلت: فإذا كان أحدنا خاليا (أي منفردا)؟ قال: “فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحي منه”.

دين النظافة والتجمل

وقبل أن يعنى الإسلام بالزينة وحسن الهيئة وجه عناية أكبر إلى النظافة، فإنها الأساس لكل زينة حسنة، وكل مظهر جميل.

وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “تنظفوا فإن الإسلام نظيف”.

(النظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة).

وحث عليه السلام على نظافة الثياب، ونظافة الأبدان، ونظافة البيوت، ونظافة الطرق، وعني خاصة بنظافة الأسنان، ونظافة الأيدي، ونظافة الرأس.

وليس هذا عجبا في دين جعل الطهارة مفتاحا لأولى عباداته وهي الصلاة؛ فلا تقبل صلاة من مسلم حتى يكون بدنه نظيفا، وثوبه نظيفا، والمكان الذي يصلي فيه نظيفا، وذلك غير النظافة المفروضة على الجسد كله، أو على الأجزاء المتعرضة للأتربة منه، المعروفة في الإسلام بالغسل والوضوء.

وإذا كانت البيئة العربية بما يكتنفها من بداوة وصحراء قد تغري أهلها أو الكثيرين منهم بإهمال شأن النظافة والتجمل، فإن النبي عليه السلام ظل يتعهدهم بتوجيهاته اليقظة، ونصائحه الواعية، حتى ارتقى بهم من البداوة إلى الحضارة، ومن البذاذة المزرية إلى التجمل المعتدل.

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه الرسول -كأنه يأمره بإصلاح شعره- ففعل، ثم رجع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟”.

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا رأسه أشعث، فقال: “أما وجد هذا ما يسكن به شعره؟‍”.

ورأى آخر عليه ثياب وسخة، فقال: “أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه؟”.

وجاء إليه صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوب دون. فقال له: “ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: من كل المال قد أعطاني الله تعالى. قال: فإذا آتاك الله مالا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته”.

وأكد الحث على النظافة والتجمل في مواطن الاجتماع مثل الجمعة والعيدين فقال: “ما على أحدكم -إن وجد سعة- أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة غير ثوبي مهنته”.

الذهب والحرير الخالص حرام على الرجال

وإذا كان الإسلام قد أباح الزينة بل طلبها، واستنكر تحريمها (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) سورة الأعراف:32. فإنه حرم على الرجال نوعين من الزينة -على حين أحلهما للإناث-.

أولهما: التحلي بالذهب.

ثانيهما: لبس الحرير الخالص.

فعن علي كرم الله وجهه قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله، ثم قال: “إن هذين حرام على ذكور أمتي”.

وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة”.

وقال صلى الله عليه وسلم في حلة من الحرير: “إنما هذه لباس من لا أخلاق له”.

ورأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه، وقال: “يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده” فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله، لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومثل الخاتم ما نراه عند المترفين من قلم ذهب، ساعة الذهب، قداحة (ولاعة) الذهب، علبة الذهب للسجاير، والفم الذهب … الخ.

أما التختم بالفضة فقد أباحه عليه السلام للرجال. روى البخاري عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق (فضة) وكان في يده، ثم كان بعد في يد أبي بكر؛ ثم كان بعد في يد عمر، ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع في بئر أريس.

أما المعادن الأخرى كالحديد وغيره فلم يرد نص صحيح يحرمها بل ورد في صحيح البخاري أن الرسول قال للرجل الذي أراد تزوج المرأة الواهبة نفسها: “التمس ولو خاتما من حديد”، وبه استدل البخاري على حل خاتم الحديد.

ورخص في لبس الحرير إذا كان لحاجة صحية، فقد أذن عليه الصلاة والسلام بلبسه لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما، لحكة كانت بهما.

حكمة تحريمها على الرجال

وقد قصد الإسلام بتحريم هذين الأمرين على الرجال هدفا تربويا أخلاقيا نبيلا؛ فإن الإسلام -وهو دين الجهاد والقوة- يحب أن يصون رجولة الرجل من مظاهر الضعف والتكسر والانحلال. والرجل الذي ميزه الله بتركيب عضوي، غير تركيب المرأة، لا يليق به أن ينافس الغانيات في جر الذيول، والمباهاة بالحلي والحلل.

ثم هناك هدف اجتماعي وراء هذا التحريم.

فتحريم الذهب والحرير جزء من برنامج الإسلام في حربه للترف عامة، فالترف في نظر القرآن قرين للانحلال الذي ينذر بهلاك الأمم، وهو مظهر للظلم الاجتماعي، حيث تتختم القلة المترفة على حساب أكثرية بائسة. وهو بعد ذلك عدو لكل رسالة حق وخير وإصلاح. والقرآن يقول: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) سورة الإسراء:16. (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) سورة سبأ:34.

وتطبيقا لروح القرآن حرم النبي عليه السلام كل مظاهر الترف في حياة المسلم، فكما حرم الذهب والحرير على الرجال، حرم على الرجال والنساء جميعا استعمال أواني الذهب والفضة -كما سيأتي-.

وبعد هذا وذاك، هناك اعتبار اقتصادي له وزنه كذلك، فإن الذهب هو الرصيد العالمي للنقد، فلا ينبغي استعماله في مثل الأواني أو حلي الرجال.

حكمة الإباحة للنساء

وإنما استثنى النساء من هذا الحكم، مراعاة لجانب المرأة ومقتضى أنوثتها وما فطرت عليه من حب الزينة، على ألا يكون همها من زينتها إغراء الرجال، وإثارة الشهوات. وفي الحديث “إيما امرأة استعرضت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية”.

وقال تعالى محذرا للنساء: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) سورة النور:31.

لباس المـرأة المسلمة

وقد حرم الإسلام على المرأة أن تلبس من الثياب ما يصف وما يشف عما تحته من الجسد، ومثله ما يحدد أجزاء البدن، وبخاصة مواضع الفتنة منه، والثديين والخصر والألية ونحوها.

وفي الصحيح عن أبي هريرة، قال: “قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس (إشارة إلى الحكام الظلمة إعداء الشعوب)، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا”.

وإنما جعلن “كاسيات” لأن الثياب عليهن، ومع هذا فهن “عاريات” لأن ثيابهن لا تؤدي وظيفة الستر، لرقتها وشفافيتها، فتصف ما تحتها، كأكثر ملابس النساء في هذا العصر.

والبخت نوع من الإبل، عظام الأسنمة، شبه رؤوسهن بها، لما رفعن من شعورهن على أوساط رؤوسهن، كأنه -صلى الله عليه وسلم- كان ينظر من وراء الغيب إلى هذا الزمان، الذي أصبح فيه لتصفيف شعور النساء وتجميلها وتنويع أشكالها محلات خاصة “كوافير” يشرف عليها غالبا رجال يتقاضون على عملهم أبهظ الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثير من النساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعي تصله المرأة بشعرها، وليبدو أكثر نعومة ولمعانا وجمالا، ولتكون هي أكثر جاذبية وإغراء.

والعجيب في أمر هذا الحديث أنه ربط بين الاستبداد السياسي والانحلال الخلقي وهذا ما يصدقه الواقع، فأن المستبدين يشغلون الشعوب عادة، بما يقوي الشهوات، ويلهي الناس بالمتاع الشخصي عن مراقبة القضايا العامة.

تشبه المرأة بالرجل والرجل بالمرأة

وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن من المحظور على المرأة أن تلبس لبسة الرجل، ومن المحظور على الرجل أن يلبس لبسة المرأة. ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. ويدخل في ذلك المتشبه في الكلام والحركة والمشية واللبس غيرها.

إن شر ما تصاب به الحياة، وتبتلى به الجماعة، هو الخروج على الفطرة، والفسوق عن أمر الطبيعة، والطبيعة فيها رجل، وفيها امرأة، ولكل منهما خصائصه، فإذا تخنث الرجل، واسترجلت المرأة، فذلك هو الاضطراب والانحلال.

وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم ممن لعنوا في الدنيا والآخرة، وأمنت الملائكة على لعنهم، رجلا جعله الله ذكرا فأنث نفسه نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى، فتذكرت، وتشبهت بالرجال.

ومن أجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبس المعصفر من الثياب. روى مسلم في “صحيحه” عن علي قال: “نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب وعن لباس القسي (نوع من الحرير) … وعن لباس المعصفر”.

وروي أيضا عن ابن عمرو قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفريين فقال: “إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها “.

ثياب الشهرة والاختيال

والضابط العام للتمتع بالطيبات كلها من مأكل أو مشرب أو ملبس: ألا يكون في تناولها إسراف ولا اختيال.

والإسراف هو مجاوزة الحد في التمتع بالحلال، والاختيال أمر يتصل بالنية والقلب أكثر من اتصاله بالظاهر، فهو قصد المباهاة والتعاظم والافتخار على الناس (والله لا يحب كل مختال فخور) سورة الحديد: 23.

وقال عليه السلام: “من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة”.

ولكي يتجنب المسلم مظنة الاختيال، نهى النبي عن ثياب “الشهرة” التي من شأنها أن تثير الفخر والمكاثرة والمباهاة بين الناس بالمظاهر الفارغة. وفي الحديث: “من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة”.

وقد سأل رجل ابن عمر: ماذا ألبس من الثياب؟ فقال: ما لا يزدريك فيه السفهاء -يعني لتفاهته وسوء منظره- ولا يعيبك به الحكماء -يعني لتجاوزه حد الاعتدال-.

الغلو في الزينة بتغيير خلق الله

وقد رفض الإسلام الغلو في الزينة إلى الحد الذي يفضي إلى تغيير خلق الله، الذي اعتبره القرآن من وحي الشيطان، الذي قال عن أتباعه: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) سورة النساء:119.

تحريم الوشم وتحديد الأسنان وجراحات التجميل

ومن ذلك وشم الأبدان، ووشر الأسنان، وقد “لعن الرسول عليه الصلاة والسلام الواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة”.

أما الوشم ففيه تشويه للوجه واليدين بهذا اللون الأزرق والنقش القبيح، وقد أفرط بعض العرب فيه -وبخاصة النساء- فنقشوا به معظم البدن. هذا إلى أن بعض أهل الملل كانوا يتخذون منه صورا لمعبوداتهم وشعائرهم، كما نرى النصارى يرسمون به الصليب على أيديهم وصدورهم.

أضف إلى هذه المفاسد ما فيه من ألم وعذاب بوخز الإبر في بدن الموشوم.

كل ذلك جلب اللعنة على من تعمل هذا الشيء (الواشمة) ومن تطلب ذلك لنفسها (المستوشمة).

وأما وشر الأسنان، أي تحديدها وتقصيرها، فقد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة التي تقوم بهذا العمل (الواشرة)، والمرأة التي تطلب أن يعمل ذلك بها (المستوشرة). ولو فعل رجل ذلك، لاستحق اللعنة من باب أولى.

وكما حرم الرسول وشر الأسنان حرم التفلج، “ولعن المتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله”.

والمتفلجة هي التي تصنع الفلج أو تطلبه، والفلج: انفراج ما بين الأسنان، ومن النساء من يخلقها الله كذلك، ومنهن من ليست كذلك، فتلجأ إلى برد ما بين الأسنان المتلاصقة خلقة، لتصير متفلجة صناعة، وهو تدليس على الناس، وغلو في التزين تأباه طبيعة الإسلام.

وبهذه الأحاديث الصحيحة نعرف الحكم الشرعي فيما يعرف اليوم باسم “جراحات التجميل” التي روجتها حضارة الجسد والشهوات -أعني الحضارة الغربية المادية المعاصرة- فترى المرأة أو الرجل ينفق المئات أو الآلاف، لكي تعدل شكل أنفها، أو ثدييها أو غير ذلك. فكل هذا يدخل فيمن لعن الله ورسوله، لما فيه من تعذيب للإنسان، وتغيير لخلقة الله، بغير ضرورة تلجئ لمثل هذا العمل إلا أن يكون الإسراف في العناية بالمظهر، والاهتمام بالصورة لا بالحقيقة، وبالجسد لا بالروح.

“أما إذا كان في الإنسان عيب شاذ يلفت النظر كالزوائد التي تسبب له ألما حسيا أو نفسانيا كلما حل بمجلس، أو نزل بمكان، فلا بأس أن يعالجه، ما دام يبغي إزالة الحرج الذي يلقاه، وينغص عليه حياته، فإن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج”.

ولعل مما يؤيد ذلك أن الحديث لعن “المتفلجات للحسن” فيفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لا لغرض إلا لطلب الحسن والجمال الكاذب، فلو احتاجت إليه لإزالة ألم أو ضرر، لم يكن في ذلك بأس. والله أعلم.

ترقيق الحواجب

ومن الغلو في الزينة التي حرمها الإسلام النمص، والمراد إزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “النامصة والمتنمصة”. والنامصة، التي تفعله، والمتنمصة التي تطلبه.

وتتأكد حرمة النمص إذا كان شعارا للخليعات من النساء.

قال بعض علماء الحنابلة: يجوز الحف (يقال: حفت المرأة وجهها: أي زينته بإزالة شعره) والتحمير والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة، وشدد النووي فلم يجز الحف، واعتبره من النمص المحرم. ويرد عليه ما ذكره أبو داود في السنن: أن النامصة هي التي تنقش الحاجب حتى ترقه. فلم يدخل فيه حف الوجه وإزالة ما فيه من شعر.

وأخرج الطبري عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة، وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت.

وصل الشعر

ومن المحظور في زينة المرأة كذلك، أن تصل شعرها بشعر آخر، سواء أكان شعرا حقيقيا أم صناعيا، كالذي يسمى الآن “الباروكة”.

فقد روى البخاري عن غيره عن عائشة وأختها أسماء وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة والمستوصلة” والواصلة هي التي تقوم بوصل الشعر بنفسها أو بغيرها، والمستوصلة التي تطلب ذلك.

ودخول الرجل في هذا التحريم من باب أولى، سواء أكان واصلا كالذي يسمونه “كوافير” أو مستوصلا كالمخنثين من الشباب (كالذي يسمونهم الخنافس).

ولقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في محاربة هذا النوع من التدليس، حتى إنه لم يجز لمن تساقط شعرها نتيجة المرض أن يوصل به شعر آخر، ولو كانت عروسا ستزف إلى زوجها.

روى البخاري عن عائشة أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “لعن الله الواصلة والمستوصلة”.

وعن أسماء قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي أصابتها الحصبة، فامرق شعرها، وإني زوجتها، أفأصل فيه ؟ فقال: “لعن الله الواصلة والمستوصلة”.

وعن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها، فخطبنا، فأخرج كبة من شعر. قال: “ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود، إن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور، يعني الواصلة في الشعر”. وفي رواية أنه قال لأهل المدينة: أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: “إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم”.

وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم هذا العمل “زورا” يومئ إلى حكمة تحريمه، فهو ضرب من الغش والتزييف والتمويه، والإسلام يكره الغش، ويبرأ من الغاش في كل معاملة، مادية كانت أو معنوية، “من غشنا فليس منا”.

قال الخطابي: إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء، لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش، ولما فيها من تغيير الخلقة، وإلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله “المغيرات خلق الله”.

والذي دلت عليه الأحاديث إنما هو وصل الشعر بالشعر، طبيعيا كان أو صناعيا، فهو الذي يحمل معنى التزوير والتدليس، فأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة أو خيوط و نحوها، فلا يدخل في النهي.

وفي هذا جاء عن سعيد بن جبير قال: “لا بأس بالقرامل”. والمراد به هنا: خيوط من حرير أو من صوف تعمل ضفائر، تصل به المرأة شعرها، وبجوازها قال الإمام أحمد.

صبغ الشيب

ومما يتعلق بموضوع الزينة صبغ الشيب في الرأس أو اللحية، فقد ورد أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يمتنعون عن صبغ الشيب وتغييره، ظنا منهم أن التجمل والتزيين ينافي التعبد والتدين، كما هو شأن الرهبان والمتزهدين المغالين في الدين، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تقليد القوم، واتباع طريقتهم، لتكون للمسلمين دائما شخصيتهم المتميزة المستقلة في المظهر والمخبر.

روى البخاري عن أبي هريرة انه صلى الله عليه وسلم قال: “إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم”. وهذا الأمر للاستحباب كما يدل عليه فعل الصحابة، فقد صبغ بعضهم كأبي بكر وعمر، وترك بعضهم مثل علي وأبي بن كعب وأنس.

ولكن بأي شيء يكون الصبغ؟ أيكون بالسواد وغيره من الألوان، أم يجتنب السواد؟ أما الشيخ الكبير الذي عم الشيب رأسه ولحيته، فلا يليق به أن يصبغ بالسواد بعد أن بلغ من الكبر عتيا. ولهذا حين جاء أبو بكر الصديق بأبيه أبي قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى رأسه كأنها الثغامة بياضا. قال: “غيروا هذا (أي الشيب) وجنبوه السواد”. والثغامة نبات شديد البياض زهره وثمره.

وأما من لم يكن في مثل حال أبي قحافة وسنه فلا إثم عليه إذا صبغ بالسواد، وفي هذا قال الزهري: “كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديدا، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه”.

وقد رخص في الصبغ بالسواد طائفة من السلف منهم من الصحابة: سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغيرهم.

ومن العلماء من لم يرخص فيه إلا في الجهاد، لإرهاب الأعداء، إذا رأوا جنود الإسلام كلهم في مظهر الشباب.

وفي الحديث الذي رواه أبو ذر: “إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم”. والكتم: نبات باليمن تخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، أما صبغ الحناء فأحمر.

وروي من حديث أنس قال: “اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتا”.

إعفاء اللحى

ومما يتصل بموضوعنا إعفاء اللحى. فقد روى فيه البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب”. وتوفيرها هو إعفاؤها كما في رواية أخرى (أي تركها وإبقاؤها). وقد بين الحديث علة هذا الأمر وهو مخالفة المشركين، والمراد بهم المجوس عباد النار، فقد كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها. وإنما أمر الرسول بمخالفتهم، ليربي المسلمين على استقلال الشخصية، والتميز في المعنى والصورة، والمخبر والمظهر، فضلا عما في حلق اللحية من تمرد على الفطرة، وتشبه بالنساء، إذ اللحية من تمام الرجولة، ودلائلها المميزة.

وليس المراد بإعفائها ألا يأخذ منها شيئا أصلا، فذلك قد يؤدي إلى طولها طولا فاحشا، يتأذى به صاحبها، بل يأخذ من طولها وعرضها، كما روي ذلك في حديث عن الترمذي، وكما كان يفعل السلف، قال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، (أي تقصيرها وتسويتها)، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن.

وقال أبو شامة: “وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشهر مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها”.

أقول: بل أصبح الجمهور الأعظم من المسلمين يحلقون لحاهم، تقليدا لأعداء دينهم ومستعمري بلادهم من النصارى واليهود، كما يولع المغلوب دائما بتقليد الغالب، غافلين عن أمر الرسول بمخالفة الكفار، ونهيه عن التشبه بهم، فإن من “تشبه بقوم فهو منهم”.

نص كثير من الفقهاء على تحريم حلق اللحية مستدلين بأمر الرسول بإعفائها. والأصل في الأمر الوجوب، وخاصة أنه علل بمخالفة الكفار، ومخالفتهم واجبة.

ولم ينقل عن أحد من السلف أنه ترك هذا الواجب قط. وبعضعلماء العصر يبيحون حلقها تأثرا بالواقع، وإذعانا لما عمت به البلوى ولكنهم يقولون: إن إعفاء اللحية من الأفعال العادية للرسول وليست من أمور الشرع التي يتعبد بها. والحق أن إعفاء اللحية لم يثبت بفعل الرسول وحده بل بأمره الصريح المعلل بمخالفة الكفار. وقد قرر ابن تيمية بحق أن مخالفتهم أمر مقصود للشارع، والمشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة. قال: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به ودار التحريم عليه، فمشابهتهم في ذلك الظاهر سبب لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر، وقد يتعسر أو يتعذر زواله، وكل ما كان سببا إلى الفساد فالشارع يحرمه.

وبهذا نرى أن في حلق اللحية ثلاثة أقول: قول بالتحريم وهو الذي ذكره ابن تيمية وغيره. وقول بالكراهة وهو الذي ذكر في الفتح عن عياض ولم يذكر غيره. وقول بالإباحة وهو الذي يقول به بعض علماء العصر. ولعل أوسطها أقربها وأعدلها -وهو القول بالكراهة- فإن الأمر لا يدل على الوجوب جزما وإن علل بمخالفة الكفار، وأقرب مثل على ذلك هو الأمر بصبغ الشيب مخالفة لليهود والنصارى، فإن بعض الصحابة لم يصبغوا، فدل على أن الأمر للاستحباب.

صحيح أنه لم ينقل عن أحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها وهي عادتهم.

الباب الرابع

حكم الإسلام في البيت

المسكن أو البيت هو الذي يكن المرء من عوادي الطبيعة، ويشعر فيه الخصوصية والحرية من كثير من قيود المجتمع، فيستريح فيه الجسد، وتسكن إليه النفس، ولذا قال الله تعالى في معرض الامتنان على عباده: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) سورة النحل:80.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب سعة الدار، ويعد ذلك من عناصر السعادة الدنيوية فيقول: “أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنئ”.

وكان يدعو كثيرا بهذه الدعوات: “اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي” فقيل له: ما أكثر ما تدعو بهذه الدعوات يا رسول الله ! فقال: “هل تركن من شيء؟”.

كما حث عليه السلام على نظافة البيوت لتكون مظهرا من مظاهر الإسلام دين النظافة، وعنوانا يتميز به المسلم عن غيره ممن جعل دينهم القذارة من وسائل القربة إلى الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود”. والأفنية جمع فناء، وهو بهو البيت وساحته.

مظاهر الترف والوثنية

ولا حرج على المسلم أن يجمل بيته بألوان الزهور الطبيعية، وأنواع النقش والزينة الحلال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} (الأعراف:32).
نعم، لا حرج على المسلم في أن يعشق الجمال في بيته، وفي ثوبه ونعله، وكل ما يتصل به. وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، فقال: “إن الله جميل يحب الجمال”
وفي رواية: أن رجلا جميلا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: إني أحب الجمال، وقد أعطيتُ منه ما ترى، حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل، أفمن الكبر ذلك يا رسول الله؟ قال: “لا، ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس”

آنية الذهب والفضة

بيد أن الإسلام يكره الغلو في كل شيء. والنبي صلوات الله عليه لم يرضَ للمسلم أن يشتمل بيته على مظاهر الترف والسرف، التي نعى عليها القرآن، أو مظاهر الوثنية التي حاربها دين التوحيد بكل سلاح.

من أجل ذلك حرم الإسلام اتخاذ أواني الذهب والفضة، ومفارش الحرير والديباج في البيت المسلم، وتهدد النبي – صلى الله عليه وسلم – من ينحرف عن هذا الطريق بالوعيد الشديد. روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها: “إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم”.

روى البخاري عن حذيفة قال: “نهانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: “هو لهم [أي للكفار] في الدنيا، ولنا في الآخرة” وما حُرَّم استعماله حُرَّم اتخاذه تحفة وزينة.

وهذا التحريم للأواني والمفارش ونحوها تحريم على الرجال والنساء جميعا، فإن حكمة التشريع هنا هو تطهير البيت نفسه من مواد الترف الممقوت.

وما أروع ما قاله ابن قدامة: (يستوي في ذلك الرجال والنساء لعموم الحديث، ولأن علة تحريمها السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وهذا معنى يشمل الفريقين. وإنما أبيح للنساء التحلي للحاجة إلى التزين للأزواج، فتختص الإباحة به دون غيره. فإن قيل: لو كانت العلة ما ذكرتم لحرمت آنية الياقوت ونحوه مما هو أرفع من الأثمان (الذهب والفضة). قلنا: تلك لا يعرفها الفقراء، فلا تنكسر قلوبهم باتخاذ الأغنياء لها بعد معرفتهم بها، ولأن قلتها في نفسها تمنع اتخاذها، فيُستغنَى بذلك عن تحريمها بخلاف الأثمان) على أن الاعتبار الاقتصادي الذي أشرنا إليه في حكمة تحريم الذهب على الرجال، أشد وضوحا هنا، وأكثر بروزا.

فإن الذهب والفضة هما الرصيد العالمي للنقود، التي جعلها الله معيارا لقيمة الأموال، وحاكمًا يتوسط بينها بالعدل، وييسر تبادلها للناس. وقد هدى الله الناس إلى استعمالها نعمة منه عليهم، ليتداولوها بينهم، لا ليحبسوها في بيوتهم في صورة نقود مكنوزة، أو يعطلوها في شكل أوانٍ وأدوات للزينة.

وما أجمل ما قال الإمام الغزالي في هذا المعنى في كتاب (الشكر) من (الإحياء): (كل مَنْ اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة، فقد كَفَر النعمة، وكان أسوأ حالا ممن كنز؛ لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة والكنس، والأعمال التي يقوم بها أخِسَّاء الناس، والحبس أهون منه، وذلك أن الخزف والحديد والرصاص والنحاس، تنوب مناب الذهب والفضة في حفظ المائعات أن تتبدَّد، وإنما الأواني لحفظ المائعات، ولا يكفي الخزف والحديد في المقصود الذي أُريد به النقود. فمَن لم ينكشف له هذاـ يعني بالتفكير والمعرفة ـ انكشف له بالترجمة الإلهية، وقيل له: “مَن شرب في آنية من ذهب أو فضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)

ولا يظن ظانٌّ أن في هذا التحريم تضييقا على المسلم في بيته، فإن في الحلال الطيب مندوحة وسَعَة، وما أجمل الأواني من القيشاني والزجاج والخزف، والنحاس وسائر المعادن الكثيرة! وما أجمل المفارش والوسائد من القطن والكتَّان وغيرهما من المواد!

الإسلام يحرم التماثيل

وحرَّم الإسلام في البيت الإسلامي أن يشتمل على التماثيل، وأعني بها الصور المجسَّمة غير الممتهنة، وجعل وجود هذه التماثيل في بيت سببا في أن تفرَّ عنه الملائكة، وهم مظهر رحمة الله ورضاه تعالى. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو تصاوير”

قال القرطبي في (المفهم): إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة؛ لأن متَّخذها قد تشبَّه بالكفار؛ لأنهم يتَّخذون الصور في بيوتهم ويعظِّمونها، فكرهت الملائكة ذلك، فلم تدخل بيته هجرا له).

وحرَّم الإسلام على المسلم أن يشتغل بصناعة التماثيل، وإن كان يعملها لغير مسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: “إن من أشدِّ الناس عذابا يوم القيامة: الذين يصورون هذه الصور”
وفي رواية:” الذين يضاهون بخلق الله”.

وأخبر – صلى الله عليه وسلم – أن “مَن صَوَّر صورة كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الرُّوح، وليس بنافخ فيها أبدًا” (5). ومعنى هذا أنه يطلب إليه أن يجعل فيها حياة حقيقية. وهذا التكليف إنما هو للتعجيز والتقريع.

الحكمة من تحريم التماثيل

( أ ) ومن أسرار هذا التحريم ـ وليس هو العلة الوحيدة، كما يظنُّ بعض الناس ـ حماية التوحيد، والبعد عن مشابهة الوثنيين في تصاويرهم وأوثانهم التي يصنعونها بأيديهم، ثم يقدِّسونها ويقفون أمامها خاشعين.

إن حساسية الإسلام لصيانة التوحيد من كلِّ شُبهة للوثنية قد بلغت أشدَّها، والإسلام على حقٍّ في هذا الاحتياط وتلك الحساسية؛ فقد انتهى الأمر بأمم اتَّخذوا لموتاهم وصالحيهم صورا يذكِّرونهم بها، ثم طال عليهم الأمد فقدَّسوها شيئا فشيئا، حتى اتُّخذت آلهة تُعبد من دون الله؛ تُرجى وتُخشى، وتُلتمس من عندها البركات، كما حدث لقوم نوح، عبَّاد وَدٍّ، وسُوَاعٍ، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرٍ.

ولا عجب في دين كان من قواعد شريعته سدُّ الذرائع إلى المفاسد: أن يَسُدَّ كلَّ المنافذ التي يتسرَّب منها إلى العقول والقلوب شركٌ جلي أو خفي، أو مشابهة للوثنيين، وأهل الغلو من الأديان. ولا سيما أنه لا يُشرِّع لجيل أو جيلين، وإنما يُشرِّع للبشرية كلِّها، في شتَّى بقاعها، وإلى أن تقوم الساعة. وما يُستبعد في بيئة قد يُقبل في أخرى، وما يُعتبر مستحيلا في عصر قد يصبح حقيقة واقعة في عصر آخر، قريبٍ أو بعيدٍ.

( ب ) ومن أسرار التحريم بالنسبة للصانع (المَثَّال): أن ذلك المصور أو المثَّال الذي ينحت تمثالا، يملؤه الغرور، حتى لكأنما أنشأ خلقا من عدم، أو أبدع كائنا حيًّا من تراب. وقد حدَّثوا أن أحدهم نحت تمثالا، مكث في نحته دهرا طويلا، فلما أكمله وقف أمامه معجبا مبهورًا، أمام تقاسيمه وتقاطيعه، حتى إنه خاطبه في نشوة من الغرور والفخر: تكلَّم، تكلم!

ولهذا قال الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -: “إن الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم”. وفي الحديث القدسي عن الله تعالى: “ومَن أظلم ممَّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرَّة، فليخلقوا شَعِيرة”

( ج ) ثم إن الذين ينطلقون في هذا الفنِّ إلى مداه لا يقفون عند حد، فيصورون النساء عاريات أو شبه عاريات، ويصورون مظاهر الوثنية وشعائر الأديان الأخرى، كالصليب والوثن وغير ذلك مما لا يجوز أن يقبله المسلم.

( د ) وفضلا عن ذلك، فقد كانت التماثيل ـ ولا تزال ـ من مظاهر أرباب الترف والتنعم، يملؤون بها قصورهم، ويزينون بها حجراتهم، ويتفننون في صنعها من معادن مختلفة. وليس بعيدا على دين يحارب الترف في كل مظاهره وألوانه ـ من ذهب وفضة وحرير ـ أن يحرم كذلك التماثيل في بيت المسلم.

نهج الإسلام في تخليد العظماء

ولعل قائلا يقول: أليس من الوفاء أن ترد الأمة بعض الجميل لعظمائها، الذين كتبوا بأعمالهم صفحات مجيدة في تاريخها، فتقيم لهم تماثيل مادية، تذكر الأجيال اللاحقة بما كان لهم من فضل، وما بنوه من مجد. فإن ذاكرة الشعوب كثيرا ما تنسى، واختلاف النهار والليل يُنسي؟

والجواب: إن الإسلام يكره الغلو في تعظيم الأشخاص ـ مهما بلغت مرتبتهم ـ أحياء كانوا أو أمواتا. وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : “لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله”

وجاء عنه – صلى الله عليه وسلم – كراهية التشبه بغير المسلمين في القيام حال جلوس ملوكهم فقال: “إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا”
وحذر أمته أن يغلوا في شأنه بعد وفاته فقال: “لا تجعلوا قبري عيدا”

ودعا ربه فقال: “اللهم لا تجعل قبري وثنا يُعبد”

وجاء أناس إليه – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: “يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد، عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي، التي أنزلني الله عز وجل”

ودين هذا موقفه من تعظيم البشر، لا يرضى أن يُقام لبعض الناس أنصاب كأنها الأصنام، تنفق عليها الألوف، ليشير الناس إليهم بالتعظيم والتبجيل.

وما أكثر ما يدخل أدعياء العظمة، والمزوّرون على التاريخ من هذا الباب المفتوح لكل من يقدر، أو يقدر أتباعه وأذنابه، على إقامة هذا النصب الزائف. وبذلك يضللون الشعوب عن العظماء الأصلاء.

إن الخلود الحقيقي الذي يتطلع إليه المؤمنون، هو الخلود عند الله، الذي يعلم السر وأخفى، والذي لا يضل ولا ينسى. وما أكثر العظماء الذين كُتبوا في سجل الخلود عنده، وهم جنود مجهولون عند الخلق، ذلك لأنه تعالى يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفقدوا.

وإن كان لابد من الخلود عند الناس، فلن يكون ذلك بإقامة تماثيل لمن يُراد تخليدهم من العظماء. والطريقة الفذة التي يرضاها الإسلام هي تخليدهم في القلوب والأفكار، وعلى الألسنة، بما قدموا من خير وعمل، وما تركوا وراءهم من مآثر صالحات، تكون لهم لسان صدق في الآخرين.

وما خُلِّد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخلفاؤه الراشدون وقادة الإسلام، وأئمته الأعلام، بصورة مادية، ولا تماثيل حجرية نحتت لهم. كلا. . إنما هي مناقب ومآثر، يتناقلها الخلف عن السلف، والأبناء عن الآباء، محفورة في الصدور، مذكورة بالألسنة، تعطر المجالس والندوات، وتملأ العقول والقلوب، بلا صورة ولا تمثال .

الرخصة في لعب الأطفال

وإذا كان هناك نوع من التماثيل، لا يظهر فيه قصد التعظيم ولا الترف، ولا يلزم منه شيء من المحذورات السابقة، فالإسلام لا يضيق به صدرًا، ولا يرى به بأسا.

وذلك كلعب الأولاد الصغار التي تصنع على شكل عرائس أو قطط، أو غير ذلك من السباع والحيوانات، فإن هذه الصور تمتهن باللعب وعبث الأولاد بها. قالت أم المؤمنين عائشة: كنت ألعب بالبنات عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وكان يأتيني صواحب لي فكن ينقمعن [يختفين] خوفا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسربهن إليَّ فيلعبن معي.

وفي رواية: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لها يوما: “ما هذا؟ ” قالت: بناتي، قال: “وما هذا الذي في وسطهن؟” قالت: فرس، قال: “وما هذا الذي عليه”؟ قالت: جناحان؟ قال: “فرس له جناحان”؟! قالت: أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود خيل لها أجنحة؟ فضحك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى بدت نواجذه”. والبنات المذكورة في الحديث هي الدُّمى والعرائس التي يلعب بها الجواري والولدان، وكانت السيدة عائشة حديثة السن في أول زواجها من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وكانت تلعب بهذه التصاوير.

قال الشوكاني: في هذا الحديث دليل على أنه يجوز تمكين الصغار من اللعب بالتماثيل. وقد روي عن مالك أنه كره للرجل أن يشتري لبنته ذلك. وقال القاضي عياض: إن اللعب بالبنات للبنات الصغار رخصة

ومثل لُعَب الأطفال: التماثيلُ التي تصنع من الحلوى، وتباع في الأعياد ونحوها ثم لا تلبث أن تؤكل.

التماثيل الناقصة والمشوهة

ورد في الحديث أن جبريل عليه السلام امتنع عن دخول بيت الرسول – صلى الله عليه وسلم – ؛ لوجود تمثال على باب بيته، ولم يدخل في اليوم التالي حتى قال له: “مُر برأس التمثال فليقطع، حتى يصير كهيئة الشجرة”

وقد استدل فريق من العلماء بهذا الحديث، على أن المحرم من الصور هو ما كان كاملا، أما ما فقد عضوا لا تمكنه الحياة بدونه، فهو مباح.

ولكن النظر الصحيح الصادق فيما طلبه جبريل من قطع رأس التمثال، حتى يصير كهيئة الشجرة؛ يدلنا على أن العبرة ليست بتأثير العضو الناقص، في حياة الصورة أو موتها بدونه، وإنما العبرة في تشويهها، بحيث لا يبقى منظرها موحيا بتعظيمها، بعد نقص هذا الجزء منها.

ولا ريب أننا إذا تأملنا وأنصفنا، نحكم بأن التماثيل النصفية التي تقام في الميادين، تخليدا لبعض الملوك والعظماء، أشد في الحرمة من التماثيل الصغيرة الكاملة، التي تتخذ للزينة في البيوت.

صور اللوحات والنقوش (أي الصور غير المجسمة)

ذلك هو موقف الإسلام من الصور المجسمة التي نطلق عليها عُرفًا (التماثيل).
ولكن ما الحكم في الصور واللوحات الفنية، التي ترسم على المسطحات، كالورق والثياب، والستور والجدران، والبسط والنقود ونحوها؟

والجواب: إن حكمها لا يتبين إلا إذا نظرنا في الصورة نفسها، لأي شيء هي؟ وفي وضعها، أين توضع؟ وكيف تستعمل؟ وفي قصد مصورها، ماذا قصد من تصويرها؟

فإن كانت الصورة الفنية لما يُعبد من دون الله ـ كالمسيح عند النصارى، والبقرة عند الهندوس ـ وما شابه ذلك، فإن من صورها لهذا الغرض وبهذا القصد لا يكون إلا كافرا، ناشرا للكفر والضلال.

وفي مثله جاء الوعيد الشديد عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون”
قال الطبري: “إن المراد هنا من يصور ما يُعبد من دون الله، وهو عارف بذلك، قاصد له؛ فإنه يكفر بذلك، وأما من لا يقصد ذلك، فإنه يكون عاصيا بتصويره فقط”

ومثل ذلك من علق هذه الصور تقديسا لها، فهذا عمل لا يصدر من مسلم، إلا إذا طرح الإسلام وراء ظهره. وقريب من ذلك من صوَّر ما لا يُعبد، قاصدا بتصويره مضاهاة خلق الله، أي مدعيا أنه يخلق ويبدع، كما يخلق الله جل وعلا، فهو بهذا القصد يخرج من دين التوحيد، وفي مثل هذا جاء الحديث: “إن أشد الناس عذابا الذين يضاهون بخلق الله”. وهذا أمر يتعلق بنية المصور وحده.

ولعل مما يؤيد هذا: الحديث عن الله تعالى: “ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة أو ذرَّة”فالتعبير بقوله: “ذهب يخلق كخلقي” يدل على القصد إلى المضاهاة، ومنازعة الألوهية خصائصها من الخلق والإبداع، وتحدي الله تعالى لهم أن يخلقوا حبة أو ذرة ـ أي غلة ـ يشير إلى أنهم في فعلهم قصدوا هذا المعنى.

ولهذا يجزيهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة حين يقال لهم: أحيوا ما خلقتم! وتكليف المصور منهم أن ينفخ الروح في صورته، وليس بنافخ فيها أبدا.

ومما يحرم تصويره واقتنائه: الصور التي يُقدَّس أصحابها تقديسا دينيا، أو يعظَّمون تعظيما دنيويا، فالأولى كصور الأنبياء والملائكة والصالحين، مثل إبراهيم وإسحاق، وموسى ومريم وجبريل وغيرهم، وهذه تروج عند النصارى، وقد قلدهم بعض المبتدعة من المسلمين، فصوروا عليًّا وفاطمة وغيرهما، رضي الله عنهما.

والثانية كصور الملوك والزعماء والفنانين في عصرنا، وهذه أقل إثما من تلك، ولكن يتأكد الإثم فيها، إذا كان أصحابها من الكفرة أو الظلمة أو الفساق، كالحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، والزعماء الذين يدعون إلى غير رسالة الله، والفنانين الذين يمجدون الباطل، ويشيعون الفاحشة والميوعة في الأمة.

ويبدو أن كثيرا من الصور في عصر النبوة وما بعده، كانت من النوع الذي يُقدَّس ويُعظَّم، إذ كانت في الغالب من صنع الروم والفرس ـ أي النصارى والمجوس ـ فلم تكن تخلو من تأثير عقيدتهم وتقديسهم لرؤساء دينهم أو دولتهم.

وقد روى مسلم عن أبي الضحى قال: كنت مع مسروق في بيتٍ فيه تماثيل، فقال لي مسروق: هذه تماثيل كسرى؟ فقلت: “لا، هذه تماثيل مريم” كأن مسروقا ظن أن التصوير من مجوسي، وكانوا يصورون صور ملوكهم حتى في الأواني، فظهر أن التصوير كان من نصراني. . وفي هذه القصة: قال مسروق: سمعت عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ يقول: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: “إن أشد الناس عذابا عند الله المصورون”

وأما ما عدا ذلك من الصور واللوحات، فإن كانت لغير ذي روح، كصور النبات والشجر، والبحار والسفن والجبال، والشمس والقمر والكواكب، ونحوها من المناظر الطبيعية ـ لنبات أو جماد ـ فلا جناح على من صورها أو اقتناها، وهذا لا جدال فيه.

وإن كانت الصورة لذي روح، وليس فيها ما تقدم من المحظورات: أي لم تكن مما يقدس ويعظم، ولم يقصد فيها مضاهاة خلق الله، فالذي أراه، أنها لا تحرم أيضًا. وفي ذلك جاءت جملة الأحاديث الصحاح.

ففي الصحيحين، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة” ، قال بسر: ثم اشتكى زيد بعد، فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة قال: فقلت لعبيد الله الخولاني ـ ربيب ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ـ وكان معه: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: “إلا رقما في ثوب”؟ ومعناه: أنه استثنى الصورة المنقوشة على الثياب.

وروى الترمذي بسنده عن عتبة، أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف [صحابيا آخر] قال: فدعا أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته، فقال له سهل: لِمَ تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقال فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – ما قد علمت، قال سهل: أو لم يقل: “إلا ما كان رقما في ثوب”؟ فقال أبو طلحة: بلى، ولكنه أطيب لنفسي.

لا يدل هذان الحديثان على أن الصور المحرمة إنما هي المجسمة، التي نطلق عليها (التماثيل)؟!
أما الصور التي ترسم في لوحات، أو تنقش على الثياب والبسط والجدران ونحوها، فليس هناك نص صحيح صريح، سليم من المعارضة يدل على حرمتها.

نعم هناك أحاديث صحيحة، أظهر فيها النبي- صلى الله عليه وسلم – كراهيته فقط لهذا النوع من التصاوير؛ لما فيه من مشابهة المترفين وعشاق المتاع الأدنى.

روى مسلم، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة الأنصاري قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل” قال: فأتيت عائشة فقلت: إن هذا يخبرني أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: =لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل” فهل سمعتِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذكر ذلك؟ فقالت: لا … ولكن سأحدثكم ما رأيته فعل، رأيته خرج في غزاته، فأخذت نمطًا فسترته على الباب، فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه، فجذبه أي: [النمط] حتى هتكه ـ أو قطعه ـ وقال: “إن الله لم يأمرنا أن نكسوَ الحجارة والطين” قالت: فقطعنا منه وسادتين، وحشوتهما ليفا، فلم يعِب ذلك عليَّ

ولا يؤخذ من الحديث أكثر من الكراهة التنزيهية لكسوة الحيطان ونحوها بالستائر ذات التصاوير.

قال النووي: وليس في الحديث ما يقتضي التحريم؛ لأن حقيقة اللفظ: إن الله لم يأمرنا بذلك. وهذا يقتضي أنه ليس بواجب ولا مندوب، ولا يقتضي التحريم

ومثل هذا ما رواه مسلم أيضا عن عائشة، قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “حولي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته، ذكرت الدنيا”

فلم يأمرها عليه الصلاة والسلام بقطعه، وإنما أمرها بتحويله من مكانه في مواجهة الداخل إلى البيت، وذلك كراهية منه – صلى الله عليه وسلم – أن يرى في مواجهته هذه الأشياء، التي تذكره عادة بالدنيا وزخارفها. ولا سيما أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يصلي السنن والنوافل كلها في البيت، ومثل هذه الأنماط والأستار ذات التصاوير والتماثيل، من شأنها أن تشغل القلب عن التزام الخشوع، والإقبال الكامل على مناجاة الله سبحانه.

وقد روى البخاري عن أنس قال: كان قِرام [ستر] لعائشة، سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم – : “أميطيه عني، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي” وبهذا يتبين أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، أقر في بيته وجود ستر فيه تمثال طائر، ووجود قِرام فيه تصاوير.

ومن أجل هذه الأحاديث وأمثالها قال بعض السلف: “إنما ينهى عما كان له ظل (أي المجسّم) ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل”

ومما يؤيد هذا الرأي ما جاء في الحديث عن الله تعالى: “ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذَرَّة فليخلقوا شَعيرة”. فإن خلق الله تعالى ـ كما هو مشاهد ـ ليس رسما على سطح، بل هو خلق صور مجسمة ذات جرم، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} (آل عمران:6).

ولا يعكر على هذا المذهب إلا حديث عائشة في إحدى روايات الشيخين أنها اشترت نُمْرُقة [وسادة] فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ فقال: “ما بال هذه النمرقة”؟ فقالت: اشتريتها لك: تقعد عليها وتتوسدها، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم” ثم قال: “إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة”. وزاد مسلم في رواية، عن عائشة قالت: فأخذته، فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت ـ تعني أنها شقت النمرقة فجعلتها مرفقتي.

ولكن هذا الحديث يعارضه جملة أمور:

  • أنه قد روي بروايات مختلفة ظاهرة التعارض، بعضها يدل على أنه – صلى الله عليه وسلم – استعمل الستر الذي فيه الصورة، بعد أن قطع، وعملت منه الوسادة، وبعضها يدل على أنه لم يستعمله أصلا.
  • أن بعض رواياته يدل على الكراهة فقط، وأن الكراهة إنما هي لستر الجدران بالصور، وذلك نوع ترف لا يرضاه. ولهذا قال ـ في رواية مسلم التي ذكرناها من قبل ـ: “إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين”.
  • حديث مسلم عن عائشة نفسها، في الستر الذي فيه تمثال طائر. وقول النبي – صلى الله عليه وسلم – لها: “حولي هذا، فإني كلما رأيتُه ذكرت الدنيا” لا يدل على الحرمة مطلقا.
  • أنه معارض بحديث القرام، الذي كان في بيت عائشة أيضا، وأمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بإماطته عنه؛ لأن تصاويره تعرض له في صلاته، قال الحافظ: “وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة في النمرقة، فهذا يدل على أنه أقره وصلى وهو منصوب، إلى أن أمر بنزعه، من أجل ما ذكر من رؤيته لصورته حالة الصلاة، ولم يتعرض لخصوص كونها صورة”.

وجمع الحافظ بينهما بأن الأول كانت تصاويره من ذات الأرواح، وهذا كانت تصاويره من غير الحيوان. ولكن يعكر على هذا الجمع حديث القرام الذي كان فيه تمثال طائر.

  • أنه معارض بحديث أبي طلحة الأنصاري الذي استثنى ما كان رقما في ثوب، وقد قال القرطبي: “يجمع بينها بأن يحمل حديث عائشة على الكراهة، وحديث أبي طلحة على مطلق الجواز، وهو لا ينافي الكراهة” واستحسنه الحافظ ابن حجر.
  • أن راوي حديث النمرقة عن عائشة ـ وهو ابن أخيها: القاسم بن محمد ابن أبي بكر ـ كان يجيز اتخاذ الصور التي لا ظل لها.
    فعن ابن عون قال: دخلت على القاسم، وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حَجَلة فيها تصاوير القندس والعنقاء).

قال الحافظ: يحتمل أنه تمسك بعموم قوله: “إلا رقما في ثوب” وكأنه جعل إنكار النبي – صلى الله عليه وسلم – على عائشة تعليق الستر المذكور، مركبا من كونه مصوّرًا، ومن كونه ساترا للجدار. ويؤيده رواية: “إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين”.

والقاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو راوي حديث النمرقة، فلولا أنه فهم الرخصة في مثل الحَجَلة ما استجاز استعمالها).

ولكن هناك احتمال، قد يبدو من هذه الأحاديث الواردة في شأن الصور والمصورين، هو أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – شدد في أمرها أول الأمر، لقرب عهدهم بالشرك وعبادة الأوثان، وتقديس الصور والتماثيل، فلما استقرت عقيدة التوحيد في النفوس، ورسخت جذورها في القلوب والعقول، رخص في الصور التي لا جسم لها، وإنما هي نقوش ورسوم، وإلا لم يرضَ بوجود ستر أو قِرام في بيته فيه صورة أو تمثال. ولم يستثنِ التصاوير التي تُرقم وتُنقش في الثياب، ومثل الثياب الورق والجدران وغيرها.

قال الطحاوي من أئمة الحنفية: “إنما نهى الشارع أولا عن الصور كلها، وإن كانت رقما؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بعبادة الصور، فنهى عن ذلك جملة، ثم لما تقرر نهيه عن ذلك، أباح ما كان رقما في ثوب، للضرورة إلى اتخاذ الثياب، وأباح ما يمتهن؛ لأنه يأمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن، وبقي النهي فيما لا يُمتهن”.

امتهان الصورة يجعلها حلالا

هذا، وكل تغيير في الصورة، يجعلها أبعد عن التعظيم وأدنى إلى الامتهان، ينقلها من دائرة الكراهة إلى دائرة الإباحة. وقد جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام استأذن على النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإن كنت لابد فاعلا، فاقطع رأسها، أو اقطعها وسائد، أو اجعلها بسطا.

ولهذا حين رأت عائشة في وجه النبي – صلى الله عليه وسلم – الكراهة للنمرقة ذات التصاوير، جعلتها مرفقتين، لما في ذلك من امتهانهما، والبعد بهما عن أدنى شبهة لتعظيم الصورة.
وقد جاء عن السلف استعمال الصورة الممتهنة، ولم يروا فيها حرجا، فعن عروة: أنه كان يتكئ على المرافق فيها التماثيل؛ الطير والرجال).

وقال عكرمة: كانوا يكرهون ما نصب من التماثيل نصبا، ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام، وكانوا يقولون: في التصاوير في البسط والوسادة التي توطأ ذل لها.

الصور الفوتوغرافية

ومما لا خفاء فيه أن كل ما ورد في التصوير والصور، إنما يعني الصور التي تُنحت، أو تُرسم على حسب ما ذكرنا.

أما الصور الشمسية (الفوتوغرافية) ـ التي تُؤخذ بآلة الفوتوغرافيا ـ فهي شيء مستحدث، لم يكن في عصر الرسول، ولا سلف المسلمين، فهل ينطبق عليه ما ورد في التصوير والمصورين؟
أما الذين يقصرون التحريم على التماثيل (المجسمة) فلا يرون شيئا في هذه الصور، وخصوصا إذا لم تكن كاملة.

وأما على رأي الآخرين، فهل تُقاس هذه الصور الشمسية على تلك التي تبدعها ريشة الرسام؟ أم أن العلة التي نصت عليها بعض الأحاديث في عذاب المصورين ـ وهي أنهم يضاهون خلق الله ـ لا تتحقق هنا في الصور الفوتوغرافية؟ وحيث عدمت العلة عدم المعلول، كما يقول الأصوليون.
إن الواضح هنا، ما أفتى به الشيخ محمد بخيت غفر الله له ـ مفتي مصر ـ أن أخذ الصورة بالفوتوغرافيا ـ الذي هو عبارة عن حبس الظل، بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة ـ ليس من التصوير المنهي عنه في شيء؛ لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة، وصنع صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة من قبل، يضاهي بها حيوانا خلقه الله تعالى، وليس هذا المعنى موجودًا في أخذ الصورة بتلك الآلة.

هذا وإن كان هناك من يجنح إلى التشدد في الصور كلها، وكراهيتها بكل أنواعها، حتى الفوتوغرافية منها، فلا شك أنه يرخص فيما توجبه الضرورة أو تقتضيه الحاجة والمصلحة منها، كصور البطاقات الشخصية، وجوازات السفر، وصور المشبوهين، والصور التي تتخذ وسيلة للإيضاح ونحوها، مما لا تتحقق فيه شبهة القصد إلى التعظيم، أو الخوف على العقيدة. فإن الحاجة إلى اتخاذ هذه الصور أشد وأهم، من الحاجة إلى اتخاذ (النقش) في الثياب الذي استثناه النبي – صلى الله عليه وسلم -.

موضوع الصورة

هذا، ومن المقرر أن لموضوع الصورة أثرًا في الحكم بالحرمة أو غيرها. ولا يخالف مسلم في تحريم الصورة، إذا كان موضوعها مخالفا لعقائد الإسلام، أو شرائعه وآدابه، فتصوير النساء عاريات، أو شبه عاريات، وإبراز مواضع الأنوثة والفتنة منهن، ورسمهن أو تصويرهن في أوضاع مثيرة للشهوات، موقظة للغرائز الدنيا، كما نرى ذلك واضحا في بعض المجلات والصحف، ودور (السينما) كل ذلك مما لا شك في حرمته وحرمة تصويره، وحرمة نشره على الناس، وحرمة اقتنائه واتخاذه في البيوت أو المكاتب والمحلات، وتعليقه على الجدران، وحرمة القصد إلى رؤيته ومشاهدته.

ومثل هذا صور الكفار والظلمة والفساق، الذين يجب على المسلم أن يعاديهم لله ويبغضهم في الله، فلا يحل لمسلم أن يصور أو يقتني صورة لزعيم ملحد، ينكر وجود الله، أو وثني يشرك مع الله البقر أو النار أو غيرها، أو يهودي أو نصراني يجحد نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – ، أو مدعٍ للإسلام، وهو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يشيع الفاحشة والفساد في المجتمع، كالممثلين والممثلات، والمطربين والمطربات، الذين يستبيحون تلك المحرمات.

ومثل هذا، الصور التي تعبر عن الوثنية أو شعائر بعض الأديان التي لا يرضاها الإسلام، كالأصنام والصلبان وما شابهها. ولعل كثيرا من البسط والستور والنمارق، التي كانت في عصر النبي – صلى الله عليه وسلم -، كانت مشتملة على هذا النوع من التصاوير والتهاويل. وقد روى البخاري، “أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه”. والتصاليب: صور الصليب.

وروى ابن عباس أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – في عام الفتح، لما رأى الصور التي في البيت الحرام، لم يدخل حتى أمر بها فمحيت. ولا شك أنها كانت صورا تعبر عن وثنية مشركي مكة، وضلالهم القديم.

وكان الأمر النبوي بطمس هذه التماثيل كما جاء عن أبي الهياج:”قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله: ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته”.

فماذا عسى أن تكون هذه الصورة التي أمر الرسول بتلطيخها وطمسها إلا أن تكون مظهرا من مظاهر الوثنية الجاهلية، التي حرص الرسول على تنظيف المدينة من آثارها. ولهذا جعل العودة إلى شيء منها كفرا بما أنزل الله!!

خلاصة لأحكام الصور والمصورين

ونستطيع أن نجمل أحكام الصور والمصورين في الخلاصة التالية:

( أ ) أشد أنواع الصور في الحرمة والإثم صور ما يُعبد من دون الله ـ كالمسيح عند النصارى، والبقرة عند الهندوس ـ فهذه تؤدي بمصورها إلى الكفر، إن كان عارفًا بذلك، قاصدًا له.
والمجسم في هذه الصور أشد إثما ونُكرا. وكل من رَوَّج هذه الصور، أو عظَّمها بوجه من الوجوه، داخل في هذا الإثم بقدر مشاركته.

( ب ) ويليه في الإثم من صور ما لا يُعبد، ولكنه قصد مضاهاة خلق الله. أي: ادعى أنه يبدع ويخلق كما يخلق الله، فهو بهذا يقارب الكفر. وهذا أمر يتعلق بنية المصور وحده.

( ج ) ودون ذلك الصور المجسمة لما لا يعبد، ولكنها مما يُعظَّم، كصور الملوك والقادة والزعماء وغيرهم، ممن يزعمون تخليدهم بإقامة التماثيل لهم، ونصبها في الميادين ونحوها. ويستوي في ذلك أن يكون التمثال كاملا أو نصفيا.

( د ) ودونها الصور المجسمة لكل ذي روح، مما لا يُقدَّس ولا يُعظَّم، فإنه مُتفق على حرمته، يستثنى من ذلك ما يمتهن، كلعب الأطفال، ومثلها ما يؤكل من تماثيل الحلوى.

( هـ ) وبعدها الصور غير المجسمة ـ اللوحات الفنية ـ التي يُعظَّم أصحابها، كصور الحكام والزعماء وغيرهم، وخاصة إذا نصبت وعلقت. وتتأكد الحرمة إذا كان هؤلاء من الظلمة والفسقة والملحدين، فإن تعظيمهم هدم للإسلام.

( و ) ودون ذلك أن تكون الصورة غير المجسمة لذي روح لا يُعظَّم، ولكن تعد من مظاهر الترف والتنعم، كأن تُستر بها الجُدُر ونحوها، فهذا من المكروهات فحسب.

( ز ) أما صور غير ذي الروح، من الشجر والنخيل، والبحار والسفن، والجبال، والنجوم، ونحوها من المناظر الطبيعية، فلا جناح على من صورها أو اقتناها، ما لم تشغل عن طاعة، أو تؤدِّ إلى ترف أو سرف، فتكره، أو تحرم.

( ح ) وأما الصور الشمسية (الفوتوغرافية) فالأصل فيها الإباحة، ما لم يشتمل موضوع الصورة على محرم، كتقديس صاحبها تقديسا دينيًّا، أو تعظيمه تعظيما دنيويا، وخاصة إذا كان المعظم من أهل الكفر والفسوق، كالوثنيين والشيوعيين، والفنانين المنحرفين، والفنانات المنحرفات.

(ط) وأخيرا، إن التماثيل والصور المحرمة إذا شوهت أو امتهنت، انتقلت من دائرة الحرمة إلى دائرة الحل، كصور البُسُط التي تدوسها الأقدام والنعال ونحوها.

اقتناء الكلاب لغير حاجة

ومما نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عنه، اقتناء الكلاب في البيوت لغير حاجة. وقد رأينا بعض هؤلاء المترفين، ينفقون على الكلاب، ويبخلون على بني الإنسان، ورأينا منهم من لا يكتفي بإنفاق ماله على تدليل كلبه، بل يفرغ عاطفته فيه، على حين يجفو قريبه، وينسى جاره وأخاه.

كما أن وجود الكلاب ببيت المسلم مظنة لنجاسة الأواني ونحوها، مما يلغُ فيه الكلب. وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب:، وقيل في حكمة المنع من اقتناء الكلب: إنه ينبح الضيف، ويروع السائل، ويؤذي المارة.

عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلتُ إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام (ستر) فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فليقطع، فيجعل منه وسادتان توطآن، ومُر بالكلب فليخرج”.

وهذا المنع إنما هو للكلاب التي تُقْتنى، لغير حاجة ولا منفعة.

كلاب الصيد والحراسة مباحة

أما الكلاب التي تُقتنى لحاجة ككلاب الصيد، أو كلاب الحراسة للزرع أو الماشية مثل كلب الغنم، أو نحوها، فهي مستثناة من هذا الحكم. وفي الحديث المتفق عليه، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من اتخذ كلبا، إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية، انتقص من أجره كل يوم قيراط”

وقد استدل بعض الفقهاء من هذا الحديث على أن المنع من اتخاذ الكلاب، إنما هو منع كراهة لا منع تحريم، لأن الحرام يمتنع اتخاذه على كل حال، سواء نقص الأجر أم لا.
والنهي عن اقتناء الكلاب في البيوت، ليس معناه القسوة عليها أو الحكم بإعدامها؛ فقد طُلب من النبي ذلك، ولكنه قال – صلى الله عليه وسلم -: “لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرتُ بقتلها”

وهو عليه الصلاة والسلام يشير بهذا الحديث إلى هذا المعنى الكبير، والحقيقة الجليلة التي نبه عليها القرآن الكريم؛ إذ قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} (الأنعام:38). فهناك أمّة الكلاب، وأمة القطط، وأمة الفئران، وأمة النمل، ونحوها.

وقد قص النبي – صلى الله عليه وسلم – على أصحابه قصة الرجل، الذي وجد في الصحراء كلبا يلهث: يأكل الثرى من العطش، فذهب إلى البئر، ونزع خفه فملأها ماء، وأمسكها بفيه، حتى روي الكلبُ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “فشكر الله له، فغفر له” . فقالوا له: إن لنا في البهائم لأجرا يا رسول الله؟ قال: “في كل كبد رضبة أجر.

رأي العلم الحديث في اقتناء الكلاب

هذا، وربما وجدنا في ديارنا أناسا من عشاق الغرب، يزعمون لأنفسهم الرِّقة الحانية والإنسانية العالية، والعطف على كل كائن حي، وينكرون على الإسلام أن يحذر من هذا الحيوان الوديع، الأليف الأمين. فإلى هؤلاء نسوق هذا المقال العلمي القيم، الذي كتبه عالم ألماني متخصص في مجلة ألمانية، بيَّن فيه بجلاء الأخطار التي تنشأ عن اقتناء الكلاب، أو الاقتراب منها، وقد نشرته (مجلة الأزهر):

(إن ازدياد شغف الناس باقتناء الكلاب في السنوات الأخيرة، يضطرنا إلى لفت نظر الرأي العام إلى الأخطار التي تنجم عن ذلك، خصوصا أن الحال لم تقتصر على مجرد اقتنائها، بل قد تعدت ذلك إلى مداعبتها وتقبيلها، والسماح لها بلحس أيدي الصغار والكبار؛ بل كثيرا ما تترك تلعق فضلات الطعام، من الصحون المعدة لحفظ مأكل الإنسان ومشربه.

ومع أن في كل ما ذكر من العادات عيوبا ينبو عنها الذوق السليم، ولا ترتضيها الآداب، هذا فضلا عن أنها لا تتفق مع قواعد الصحة والنظافة، إلا أننا نغض النظر عنها من هذه الوجهة؛ لخروجها عن مجرى الحديث في هذا المقال، تاركين تقديرها للتربية الخُلقية وتهذيب النفس.

أما من الوجهة الطبية ـ وهي التي تهمنا في هذا البحث ـ فإن الأخطار التي تهدد صحة الإنسان وحياته؛ بسبب اقتناء الكلاب ومداعبتها ليست مما يستهان بها، فإن كثيرا من الناس قد دفع ثمنا غاليا لطيشه، إذ كانت الدودة الشريطية بالكلاب؛ سببا في الأدواء المزمنة المستعصية، بل كثيرا ما أودت بحياة المصابين بأمراضها، وتظهر في الإنسان على شكل بثرة، وكذلك في المواشي خصوصا في الخنازير، ولكنها لا توجد تامة النمو إلا في الكلاب، وكذلك في بنات آوى والذئاب، ويندر وجودها في القطط.

ولأطوار نشوء دودة الكلب الشريطية خواص فريدة في علم الحيوان، فمن البويضة الواحدة تنشأ رؤوس ديدان شريطية عديدة بالقرحات الناتجة عنها، كما أنه يمكن أن ينتج عن البويضات المتشابهة بثرات مختلفة اختلافا تاما، هذا إلى أن رؤوس الديدان المتولدة من القروح، تتحول إلى ديدان شريطية كاملة التكوين، بالغة النمو بمصران الكلاب، ومع ذلك يلاحظ أن وزن الكبد يزداد ازديادًا بالغا، قد يصل من خمسة إلى عشرة أضعاف وزنه العادي، وأما في الإنسان فإنها تصل إلى حجم قبضة اليد أو رأس الطفل الصغير، وتمتلئ سائلا أصفر، وتزن من 10 إلى 20 رطلا.

وعلى كل حال، فإن هذه القرحة أينما وُجدت خطرٌ أكيد على صحة المصاب بها وحياته، ولكن مما يدعو للأسف الشديد، أن الحالات التي تموت فيها هذه الطفيليات، دون أن تترك أثرا، أو تحدث أضرارا، نادرة بالنسبة للحالات الأخرى، وهذا فضلا عن أن محاربتها بالطرق الكيميائية لم تأتِ بأية فائدة، وطالما لا يلتجئ المصاب إلى أسلحة الجراحين، لا ينقذه من الوبال أي طريق من طرق العلاج الأخرى.

وهذه الأسباب مجتمعة تضطرنا لاتخاذ جميع الوسائل المستطاعة لمكافحة هذا المرض العُضال، ووقاية الإنسان من أخطاره الفجائية، وقد يكون من أنجع الطرق في مكافحتها، هو أن نجتهد في حصر هذه الدودة في الكلاب، وحبسها عن الانتشار، وذلك لعدم استطاعتنا في الواقع منع اقتناء الكلاب بتاتًا، ويمكن للإنسان -وقاية لصحته وحرصا على حياته- أن يراعي بدقة زائدة، الابتعاد الكلي عن مداعبة الكلاب، فلا يسمح لها بالاقتراب منه؛ كما ينبغي تربية الأطفال على الاحتراس من الاختلاط بالكلاب، فلا تُترك تلعق أيديهم، ولا يُسمح لها بالإقامة بأماكن نزهة الأطفال ولهوهم.

فإنه مما يدعو للأسف الشديد أن نرى عددا كبيرًا من الكلاب، خصوصا في ميادين رياضة الأطفال. هذا إلى برازها المبعثر في كل أركانها؛ كما ينبغي إعداد أوانٍ خاصة لإطعام الكلاب، فلا تترك تلعق في الصحون التي يستعملها الإنسان، ولا يسمح لها بدخول متاجر المأكولات، والأسواق العمومية أو المطاعم. . . إلى آخره، وعلى العموم يجب أخذ الحيطة التامة، بإبعادها عن كل ما له مساس بمأكل الإنسان أو مشربه)

وبعد، فقد رأيت كيف نهى رسول الله عن مخالطة الكلاب، وحذر من ولوغها في أواني الطعام والشراب، وحذر من اقتنائها لغير ضرورة! كما أوصى بالرحمة والإحسان بها. وكيف اتفقت تعاليم محمد العربي الأمي، مع أحدث ما وصل إليه العلم المعاصر والطب الحديث، وإننا لا يسعنا إلا أن نقول ما قاله القرآن: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:3،4).

الباب الخامس

حكم الإسلام في المعتقدات والتقاليد

العقيدة السليمة هي أساس المجتمع الإسلامي، والتوحيد هو جوهر هذه العقيدة، وروح الإسلام كله. وحماية هذه العقيدة وهذا التوحيد الخالص، هو أول ما يسعى إليه الإسلام في تشريعه وفي إرشاده. ومحاربة المعتقدات الجاهلية التي أشاعتها الوثنية الضالة أمر لا بد منه؛ لتطهير المجتمع المسلم من شوائب الشرك، وبقايا الضلال.

احترام سنن الله في الكون

وكان من أول العقائد التي غرسها الإسلام في نفوس أبنائه: أن هذا الكون الكبير الذي يعيش الإنسان فوق أرضه وتحت سمائه، لا يسير جزافا، أو يمشي على غير هدى، كما أنه لا يسير وفق هوى أحد من الخلق، فإن أهواءهم ـ مع عماها وضلالها ـ متضاربة متنافرة {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (المؤمنون:71).
ولكن هذا الكون مربوط بقوانين مطردة، وسنن ثابتة، لا تتبدل ولا تتحول، كما أعلن القرآن ذلك في غير آية: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلًا} (فاطر:43). {وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} (الإسراء:77).

وقد تعلم المسلمون من كتاب ربهم، وسنة نبيهم، أن يحترموا هذه السنن الكونية، ويطلبوا المسببات من أسبابها التي ربطها الله بها، ويعرضوا عما يُقال عن الأسباب الخفية المزعومة، التي يلجأ إليها ويروجها عادة سدنة المعابد، ومحترفو الدجل، والمتاجرون بالأديان.

حرب على الأوهام والخرافات

وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوجد في المجتمع طائفة من الدجالين تعرف باسم (الكهان) أو (العرافين) الذين يدَّعون معرفة الغيوب الماضية أو المستقبلية أو الخفية، عن طريق اتصالهم بالجن أو غير ذلك، فأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم الحرب على هذا الدَّجل، الذي لا يقوم على علم ولا هدى ولا كتاب منير.

وتلا عليهم ما أوحى الله به: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله} (النمل:65). فلا الملائكة ولا الجن، ولا البشر يعلمون الغيب.

وأعلن عليه الصلاة والسلام بأمر ربه: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:188).

وأخبر تعالى عن جن سليمان: {أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (سبأ:14).

فمن ادعى معرفة الغيب الحقيقي، فهو كاذب على الله وعلى الحقيقة وعلى الناس.

تصديق الكهان كفر

ولم تقتصر حملة الإسلام على الكهان والدجالين وحدهم، بل أشرك معهم في الإثم من يجيئونهم، ويسألونهم ويصدقونهم في أوهامهم وتضليلهم. قال صلى الله عليه وسلم : “مَن أتى عرافًا، فسأله عن شيء، فصدقه بما قال: لم تقبل له صلاة أربعين يوما”.
وقال: “من أتى كاهنا فصدقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على محمد”. ذلك أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم أن الغيب لله وحده، وأن محمدًا لا يعلم الغيب، ولا غيره من باب أولى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (الأنعام:50).
فإذا عرف المسلم هذا من قرآنه صريحا واضحا، ثم صدق أن بعض الخلق يكشفون أستار القَدَر، ويعلمون ما يكنه صدر الغيب من أسرار، فقد كفر بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

الاستقسام بالأزلام

وللحكمة التي ذكرناها حرَّم الإسلام الاستقسام بالأزلام. والأزلام ـ وتسمى القِداح ـ هي سهام كانت لدى العرب في الجاهلية مكتوب على أحدها: أمرني ربي. وعلى الثاني: نهاني ربي. والثالث: غُفل من الكتابة؛ فإذا أرادوا سفرًا أو زواجًا أو مشاركة، أو نحو ذلك، أتوا إلى بيت الأصنام ـ وفيه الأزلام ـ فاستقسموها أي: طلبوا علم ما قُسم لهم من السفر والغزو ونحوه، فإن خرج السهم الآمر، أقدموا على الأمر، وإن خرج السهم الناهي، أحجموا وأمسكوا عنه، وإن خرج الغُفل أجالوها مرة أو مرات أخرى، حتى يخرج الآمر أو الناهي.

ويشبه هذا في مجتمعنا ضرب الرمل والودَع، وفتح الكتاب والكوتشينة وقراءة الفنجان، وكل ما كان من هذا القبيل، وهو حرام منكر في الإسلام.

قال تعالى بعد أن ذكر ما حرم على عباده من الأطعمة: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} (المائدة:3). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لن ينال الدرجات العُلَى من تكهن أو استقسم ـ أي بالأزلام ـ أو رجع من سفر تطيرا”

السحر

ومن ذلك أن الإسلام قاوم السحر والسحرة، وقال القرآن فيمن يتعلمون السحر: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} (البقرة:102).

وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم السحر من كبائر الذنوب الموبقات، التي تُهلك الأمم قبل الأفراد، وتُردي أصحابها في الدنيا قبل الآخرة قال: “اجتنبوا السبع الموبقات” قالوا: يا رسول الله، وما هي؟ قال: “الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات”.
وقد اعتبر بعض فقهاء الإسلام السحر كُفرًا، أو مؤديا إلى الكفر، وذهب بعضهم إلى وجوب قتل الساحر، تطهيرًا للمجتمع من شره.

وعلمنا القرآن الاستعاذة من شر أرباب السحر: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (الفلق:4). والنفث في العقد من طرائق السَحَرة وخواصهم.

وكما حرم الإسلام على المسلم الذهاب إلى العرافين لسؤالهم عن الغيوب والأسرار، حرم عليه أن يلجأ إلى السحر أو السَّحرة لعلاج مرض ابتلي به، أو حل مشكلة استعصت عليه، فهذا ما برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، قال: “ليس منا من تطير أو تُطُيِّر له، أو تَكَّهن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له”

ويقول ابن مسعود: “مَن أتى عرافا أو ساحرًا أو كاهنا، فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد”

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : “لا يدخل الجنة مُدمن خمر، ولا مُؤمن بسحر، ولا قاطع رحم”

فالحرمة هنا ليست على الساحر وحده، وإنما تشمل كل مؤمن بسحره، مشجع له، مصدق لما يقول.

وتشتد الحرمة وتفحش إذا كان السحر يُستعمل في أغراض، هي نفسها محرمة، كالتفريق بين المرء وزوجه، والإضرار البدني، وغير ذلك مما يعرف في بيئة السحارين.

تعليق التمائم (الحُجُب)

ومن هذا الباب تعليق التمائم والودع ونحوها، على اعتقاد أنها تشفي من المرض أو تقي منه، ولا زال في القرن العشرين من يعلق على بابه حذاء فرس، ولا زال بعض المُضَللين إلى اليوم في كثير من بلاد الدنيا، يستغلون جهل الدهماء، ويكتبون لهم حُجُبًا وتمائم، يخطون فيها خطوطا وطلاسم، ويتلون عليها أقساما وعزائم، ويزعمون أنها تحرس حاملها من اعتداء الجن، أو مس العفاريت، أو شر العين والحسد، إلى آخر ما يزعمون.

وللوقاية والعلاج طرق معروفة شرعها الإسلام، وأنكر على مَن تركها، واتجه إلى طرق الدجاجلة المضلين.

قال صلى الله عليه وسلم: “تداووا، فإن الذي خلق الداء خلق الدواء”. وفي البخاري: “ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء” وعند مسلم: “لكل داء دواء”
وقال: “إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي هذه الثلاثة: شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كية بنار”

وهذه الأنواع الثلاثة تشمل بروحها، وبالقياس عليها في عصرنا، ما يُتنَاوَل من الدواء بطريق الفم، والتداوي بطريق العملية الجراحية، والتداوي بطريق الكي، ومنه العلاج بالكهرباء.
أما تعليق خرزة أو وَدَعة أو حجاب، أو قراءة بعض الرُّقَى المُطَلْسمة، للعلاج أو الوقاية، فهو جهل وضلال يُصادم سنن الله، وينافي توحيده

عن عقبة بن عامر: أنه جاء في ركب: عشرة، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبايع تسعة، وأمسك عن رجل منهم فقالوا: ما شأنه؟ قال: “إن في عضده تميمة”! فقطع الرجل التميمة، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “من علَّق فقد أشرك”

وفي حديث آخر قال: “من عَلَّق تميمة، فلا أتم الله له، ومن علق وَدَعَة فلا وَدَع الله له”

وعن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال من صُفْر، فقال:”ويحك، ما هذه”؟ فقال: من الواهنة، قال:”أما إنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبدا”

وقد أثَّرت هذه التعاليم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فارتفعوا بأنفسهم عن قَبول هذه الأضاليل، وتصديق تلك الأباطيل.

عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن حكيم وبه حُمرة، فقلت: ألا تُعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك. وفي رواية: الموت أقرب من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من علق شيئا وُكِل إليه”

عن ابن مسعود أنه دخل على امرأته، وفي عُنقها شيء معقود فجذبه، فقطعه ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الرُّقَى والتمائم والتِّولة شرك”، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرُّقَى والتمائم قد عرفناها، فما التِّولة؟ قال: شيء تصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن”. وهو لون من ألوان السحر.

قال الخطابي: المنهي عنه من الرقى ما كان بغير لسان العرب، فلا يدرى ما هو، ولعله قد يدخله سحر أو كفر، فأما إذا كان مفهوم المعنى، وكان فيه ذكر الله تعالى، فإنه مستحب (18).
والرُّقية حينئذ دعاء ورجاء إلى الله، لا علاج ودواء. وقد كانت رُقى أهل الجاهلية ممزوجة بالسحر والشرك أو الطلاسم، التي ليس لها معنى مفهوم.

وقد ورد أن ابن مسعود نهى امرأته عن مثل هذه الرُّقَى الجاهلية، فقالت له: فإني خرجت يومًا فأبصرني فلان، فدمعت عيني التي تليه ـ أي أنه أصابها بعين حاسدة شريرة ـ فإذا رقيتها سكنت دمعتها، وإذا تركتها دمعت. فقال ابن مسعود لها: ذلك الشيطان إذا أطعتِهِ تركك، وإذا عصيتِهِ طعن بأصبعه في عينك، ولكن لو فعلتِ كما فعل رسول الله *، كان خيرًا لكِ وأجدرَ أن تُشْفين: تنضحين في عينك الماء، وتقولين: أذهب الباس رب الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما.

التطيّر (التشاؤم)

والتطير أو التشاؤم ببعض الأشياء، من أمكنة وأزمنة وأشخاص، وغير ذلك، من الأوهام التي راجت سوقها ـ ولا تزال رائجة ـ عند كثير من الجماعات والأفراد، وقديمًا قال قوم صالح له: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} (النمل:47).

وكان فرعون وقومه إذا أصابتهم سيئة: {يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} (الأعراف:131). وكثيرًا ما قال الكفار الضالون، حينما ينزل بهم بلاء الله لدعاتهم ورسل الله إليهم: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} (يس:18).

وكان جواب هؤلاء المرسلين: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس: 19]. أي سبب شؤمكم مصاحب لكم، وهو كفركم وعنادكم، وعتوكم على الله ورسله.

وكان لعرب الجاهلية في هذا الجانب سبح طويل، واعتقادات شتَّى، حتى جاء الإسلام فأبطلها، وردهم إلى النهج العقلي القويم.

ونظم النبي صلى الله عليه وسلم التطير مع الكهانة والسحر في سلك واحد، وقال: “ليس منا من تطير أو تُطير له أو تكهن أو تُكهن له أو سحر أو سُحر له”. وقال صلى الله عليه وسلم : “العيافة والطِّيرة والطرق من الجِبت”.

العيافة: الخط في الرمل، وهو ضرب من التكهن، لا يزال حتى اليوم.

الطرق: الضرب بالحصى، وهو نوع من التكهن أيضا.

الجبت: ما عبد من دون الله تعالى.

إن هذا التطير أمر قائم على غير أساس من العلم، أو الواقع الصحيح، إنما هو انسياق وراء الضعف، وتصديق للوهم، وإلا فما معنى أن يصدق إنسان عاقل: أن النحس في شخص معين، أو مكان معين، أو ينزعج من صوت طائر أو حركة عين، أو إصبع، أو سماع كلمة؟!

وإذا كان في الطبع الإنساني شيء من الضعف يُسول للإنسان أن يتشاءم من بعض الأشياء لأسباب خاصة، فإن عليه ألا يستسلم لهذا الضعف ويتمادى فيه، وخصوصا إذا وصل إلى مرحلة العمل والتنفيذ.

وقد رُوي في ذلك حديث ضعيف: “ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الظن والطِّيرة والحسد، فإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغِ”.
ولو صح الحديث تكون هذه الأمور الثلاثة مجرد خواطر وأحاديث نفس، لا أثر لها في السلوك العملي، وقد عفا الله عنها.

عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك”.

قال ابن مسعود: وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل، يعنى ابن مسعود: ما منا أحد إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، ولكن الله يُذهب ذلك عن قلب من يتوكل عليه، ولا يثبت على ذلك الخاطر.

حرب على تقاليد الجاهلية

وكما شن الإسلام حملاته على معتقدات الجاهلية وأوهامها، لما لها من خطر على العقل والخُلُق والسلوك، شنَّ غارات مثلها على تقاليد الجاهلية، التي كانت تقوم على العصبية والكبرياء والفخر وتمجيد القبيلة.

لا عصبية في الإسلام

وكان أول ما صنعه الإسلام في ذلك، أن أهال التراب على العصبية بكل صورها، وحَرَّم على المسلمين أن يُحيوا أي نزعة من نزعاتها، أو يدعوا إليها، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم براءته ممن يفعل ذلك قال: “من قُتل تحت راية عمية، يغضب للعصبة، ويقاتل للعصبة، فليس من أمتي”.

وقال: “من قُتل تحت راية عمية يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فَقِتْلة جاهلية”، فلا امتياز للون معين من البشر، ولا لجنس خاص من الناس، ولا لرقعة من الأرض، ولا يحل لمسلم أن يتعصب للون على لون، ولا لقوم على قوم، ولا لإقليم على إقليم.

ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، أن ينتصر لقومه، لمجرد انتسابه إليهم، محقين كانوا أو مبطلين، مظلومين أو ظالمين.

عن واثلة بن الأسقع قال: قلتُ: يا رسول الله، ما العصبية؟ قال: “أن تعين قومك على الظلم”. والحديث وإن كان فيه بعض الضعف، فإن معناه متفق عليه، فإن إعانة القوم على الظلم من شر الجاهلية، ومن أسوأ ما يصيب المجتمعات.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (النساء:135). وقال سبحانه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} (المائدة:8).

وعدَّل النبي صلى الله عليه وسلم مفهوم الكلمة، التي كانت شائعة في الجاهلية، ومأخوذة على ظاهرها: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. ولما قالها صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد أن رسخ في قلوبهم الإيمان ـ مريدا بها معنًى آخر ـ عجبوا ودهشوا، وقالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: “تمنعه من الظلم فذلك نصر له”.

ومن هنا نعلم أن كل دعوة بين المسلمين إلى عصبية إقليمية، أو إلى عصبية عنصرية، إنما هي دعوة جاهلية، يبرأ منها الإسلام ورسوله وكتابه.

فالإسلام لا يعترف بأي ولاء لغير عقيدته، ولا بأي رابطة غير أخوته، ولا بأي فواصل تميز بين الناس غير الإيمان والكفر. فالكافر المعادي للإسلام عدوٌّ للمسلم ولو كان جاره في وطنه، أو أحد بني قومه، بل ولو كان أخاه لأبيه وأمه.

قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (المجادلة:22). وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} (التوبة:23).

لا اعتداد بالأنساب والألوان

روى البخاري أن أبا ذر وبلالا الحبشي رضي الله عنهما ـ وكلاهما من السابقين الأولين ـ تغاضبا، وفي سورة الغضب قال أبو ذر لبلال: يا ابن السوداء! فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي لأبي ذر: “أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية”

وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله”.

وقال صلى الله عليه وسلم : “الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب”.

وبهذا حرَّم الإسلام على المسلم أن يسير مع هوى الجاهلية في التفاخر بالأنساب والأحساب، والتعاظم بالآباء والأجداد، وقول بعضهم لبعض: أنا ابن فلان، وأنا من نسل كذا، وأنت من سلالة كذا، أنا من البيض وأنت من السود، أنا عربي وأنت أعجمي!

وما قيمة الأنساب والسلالات، إذا كان الناس جميعا ينتمون إلى أصل واحد؟ ولو فرض أن للأنساب قيمة، فما فضل الإنسان أو ذنبه، إن وُلِد من هذا الأب أو ذاك؟

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : “إن أنسابكم هذه ليست بِمَسَبَّة على أحد، كلكم بنو آدم، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى”.

“الناس لآدم وحواء. . . إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

وصبَّ النبي صلى الله عليه وسلم جامَ غضبه على المتفاخرين بالآباء والأجداد، في عبارات صارمة قارعة، فقال: “لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا. . إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعل يُدَهْدِه الخُرْء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مُؤمن تقيٌّ وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب”.

وفي هذا الحديث ذكرى للذين يعتزون بأجدادهم القدماء، من الفراعنة والأكاسرة وغيرهم من عرب الجاهلية وعجمها، الذين ليسوا إلا فحم جهنم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي حجة الوداع، حيث الآلاف يستمعون إلى رسول الإسلام، في أوسط أيام التشريق، في الشهر الحرام، والبلد الحرام، ألقى النبي صلى الله عليه وسلم خطبة الوداع، فكان من المبادئ التي أعلنها: “يا أيها الناس. . إن ربكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ} (الحجرات:13).

النياحة على الموتى

ومن التقاليد التي حاربها الإسلام تقاليد الجاهلية في الموت، وما يتصل به من نياحة وعويل، وغلو في إظهار الحزن والجزع.

وقد علَّم الإسلام أتباعه أن الموت، إنما هو رحلة من دار إلى دار، فليس فناء مطلقا، ولا عدمًا صرفًا، وأن الجزع لا يُحيي ميتًا، ولا يرد قضاء قضى الله به.

فعلى المؤمن أن يتقبل الموت، كما يتقبل كل مصيبة تصيبه صابرًا محتسبًا، آخذًا العبرة، آملا في لقاء أبدي في الدار الآخرة، مرددًا قول القرآن: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156).

أما صنيع أهل الجاهلية فهو منكر حرام، برِئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية”.

ولا يحل للمسلم أن يلبس من شارات الحِداد، أو يترك التزين، أو يغير الزي والهيئة المعتادة؛ إظهارًا للجزع والحزن، إلا ما كان من زوجة على زوجها، فإنها يجب أن تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا، وفاءً لحق الزوجية، وللرباط المقدس الذي جمع بينهما، حتى لا تكون معرضًا للزينة، ومتعلقًا لأبصار الخُطَّاب في مدة العدة، التي اعتبرها الإسلام امتدادا للزوجية السابقة في كثير من الحقوق، وسياجًا لها. إلا إذا كانت حاملا، فعدتها وضع الحمل.

أما إذا كان الميت غير الزوج ـ كالأب والابن والأخ ـ فلا يحل للمرأة الحداد عليه أكثر من ثلاث ليال. روى البخاري ومسلم عن زينب بنت أبي سلمة، أنها روت عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين تُوفي أبوها أبو سفيان بن حرب، وعن زينب بنت جحش، حين توفي أخوها، وأن كلا منهما دعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرا”.

وهذا الإحداد على الزوج واجب، لا تساهل فيه، ولقد جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي تُوفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنَكْحَلُها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: لا”. وهو يدل على حرمة التزين والتجمل، طوال المدة المفروضة.

وأما الحزن من غير جَزَع، والبكاء من غير عويل، فذلك من الأمور الفطرية التي لا إثم فيها. وسمع عمر بعض النسوة يبكين على خالد بن الوليد، فأراد بعض الرجال منعهن، فقال له: دعهن يبكين على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة.

والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت.

الباب السادس

حكم الإسلام في اللهو والترفيه

الإسلام دين واقعي، لا يحلق في أجواء الخيال والمثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع. ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة أولو أجنحة، ولكنه يعاملهم بشرًا، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.

لذلك لم يفرض على الناس ـ ولم يفترض فيهم ـ أن يكون كل كلامهم ذكرًا، وكل صمتهم فكرًا، وكل سماعهم قرآنا، وكل فراغهم في المسجد. وإنما اعترف بهم وبفطرتهم وغرائزهم التي خلقهم الله عليها، وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون، ويضحكون ويلعبون، كما خلقهم يأكلون ويشربون.

ساعة وساعة

ولقد بلغ السمو الروحي ببعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مبلغًا، ظنوا معه أن الجد الصارم، والتعبد الدائم، لا بد أن يكون ديدنهم، وأن عليهم أن يديروا ظهورهم لكل متع الحياة، وطيبات الدنيا، فلا يلهون ولا يلعبون، بل تظل أبصارهم وأفكارهم، متجهة إلى الآخرة ومعانيها، بعيدة عن الحياة ولهوها ولعبها.

ولنستمع إلى حديث هذا الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي ـ وكان من كُتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال يحدثنا عن نفسه: لقيني أبو بكر وقال: كيف أنت يا حنظلة؟
قلتُ: نافق حنظلة!!
قال: سبحان الله، ما تقول؟
قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنَّا رأيُ العين فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا (لاعبنا) الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا!!
قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا!
قال حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قلت: نافق حنظلة يا رسول الله!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك”؟!
قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، ونسينا كثيرا!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة”، وكرر هذه الكلمة: ساعة وساعة ثلاث مرات

الرسول الإنسان

وكانت حياته صلى الله عليه وسلم مثالا رائعا للحياة الإنسانية المتكاملة: فهو في خلوته يصلي ويطيل الخشوع والبكاء والقيام حتى تتورم قدماه، وهو في الحق لا يُبالي بأحد في جنب الله، ولكنه مع الحياة والناس بشر سويٌّ، يحب الطيبات، ويبش ويبتسم، ويداعب ويمزح، ولا يقول إلا حقًّا.

كان صلى الله عليه وسلم يحب السرور وما يجلبه، ويكره الحزن وما يدفع إليه من ديون ومتاعب، ويستعيذ بالله من شره، ويقول: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن”.

ومما ورد في مزاحه: أن امرأة عجوزًا جاءته تقول له: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال لها: “يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز” وانزعجت المرأة وبكت ـ ظنا منها أنها لن تدخل الجنة ـ فلما رأى ذلك منها بين لها غرضه: إن العجوز لن تدخل الجنة عجوزًا، بل ينشئها الله خلقا آخر، فتدخلها شابة بكرا، وتلا عليها قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْشَانَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} (الواقعة:35 – 37) ”

القلوب تمل

وكذلك كان أصحابه الطيبون الطاهرون، يمزحون ويضحكون، ويلعبون ويتندرون؛ معرفة منهم بحظ النفس، وتلبية لنداء الفطرة، وتمكينا للقلوب من حقها في الراحة واللهو البريء؛ لتكون أقدر على مواصلة السير في طريق الجد. وإنه لطريق طويل.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.

وقال: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل، ليكون أعون لها على الحق.

فلا بأس على المسلم أن يتفكه ويمزح بما يشرح صدره، ولا حرج عليه أن يروح نفسه ونفوس رفقائه بلهو مباح. على ألا يجعل ذلك ديدنه وخلقه في كل أوقاته، ويملأ به صباحه ومساءه، فينشغل به عن الواجبات، ويهزل في موضع الجد. ولذا قيل: أعط الكلام من المزح، بقدر ما يعطى الطعام من الملح.

كما أنه لا ينبغي للمسلم أن يجعل من أقدار الناس وأعراضهم محل مزاحه وتندره. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} (الحجرات:11).

ولا ينبغي أن يجره كذلك حب إضحاك الناس، إلى اتخاذ الكذب وسيلة. وقد حذر من ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: “ويل للذي يُحدث بالحديث، ليضحك منه القوم فيكذب، ويل له ويل له.

ألوان من اللهو الحلال

وهناك ألوان كثيرة من اللهو، وفنون من اللعب، شرعها النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ترفيهًا عنهم، وترويحا لهم، وهي في الوقت نفسه تهيئ نفوسهم؛ للإقبال على العبادات والواجبات الأخرى، أكثر نشاطا وأشد عزيمة، وهي مع ذلك في كثير منها رياضات تدربهم على معاني القوة، وتعدُّهم لميادين الجهاد في سبيل الله. ومن ذلك:

  • مسابقة العَدْو (الجري على الأقدام):

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون على الأقدام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقرهم عليه، وقد رَوَوْا أن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، كان عدَّاء سريعَ العدْو.

وكان النبي نفسه صلوات الله عليه، يسابق زوجته عائشة رضي الله عنها؛ مباسطة لها، وتطييبا لنفسها، وتعليمًا لأصحابه.

قالت عائشة: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثت حتى إذا أرهقني اللحم (أي سمنت) سابقني فسبقني، فقال:هذه بتلك”. يشير إلى المرة الأولى.

  • المصارعة:

ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صارع رجلا معروفا بقوته يسمى (رُكانة) فصرعه النبي أكثر من مرة.

وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم صارعه ـ وكان شديدا ـ فقال: شاة بشاة، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم . فقال: عاودني في أخرى، فصرعه. فقال: عاودني، فصرعه النبي الثالثة. فقال الرجل: ماذا أقول لأهلي؟ شاة أكلها الذئب، وشاة نشزت، فما أقول في الثالثة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك”.

وقد استنبط الفقهاء من هذه الأحاديث النبوية مشروعية المسابقة على الأقدام، سواء أكانت بين الرجال بعضهم مع بعض، أو بينهم وبين النساء المحارم أو الزوجات. كما أخذوا منها أن المسابقة والمصارعة ونحوها لا تنافي الوقار والشرف، والعلم والفضل وعلو السن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين سابق عائشة كان فوق الخمسين من عمره.

  • اللعب بالسهام (التصويب):

ومن فنون اللهو المشروعة اللعب بالسهام والحراب:

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يمر على أصحابه في حلقات الرمي (التصويب) فيشجعهم ويقول: “ارموا وأنا معكم”.

ويرى عليه الصلاة والسلام أن هذا الرمي ليس هواية أو لهوا فحسب، بل هو نوع من القوة التي أمر الله بإعدادها: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (الأنفال:60) وقال صلى الله عليه وسلم في ذلك: “ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي”.

وروي مرفوعا، وموقوفا عن سعد بن أبي وقاص: “عليكم بالرمي، فإنه من خير لهوكم”.

غير أنه عليه السلام حذَّر اللاعبين، من أن يتخذوا من الدواجن ونحوها غرضا لتصويبهم وتدريبهم، وكان ذلك مما اعتاده بعض العرب في الجاهلية.

وقد رأى عبد الله بن عمر جماعة يفعلون ذلك، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غَرضًا.

وإنما لعن من فعل ذلك لما فيه من تعذيب للحيوان وإتلاف نفسه، فضلا عن إضاعة المال. ولا ينبغي أن يكون لهو الإنسان ولعبه، على حساب غيره من الكائنات الحية.

فقد ورد أن “النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريش بين البهائم”. وذلك بتسليط بعضها على بعض، وكان من العرب وبعض الشعوب الأخرى من يأتون بكبشين أو ثورين، يتناطحان حتى يهلكا، أو يقاربا الهلاك، وهم يتفرجون ويضحكون.

قال العلماء: وجه النهي عن التحريش أنه إيلام للحيوانات، وإتعاب لها، دون فائدة إلا لمجرد العبث.

  • اللعب بالحراب (الشيش):

ومثل اللعب بالسهام: اللعب بالحراب (الشيش).

وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة، أن يلعبوا بها في مسجده الشريف، وأذن لزوجته عائشة أن تنظر إليهم، وهو يقول لهم: “دونكم يا بني أرفدة”. وهي كُنية يُنادَى بها أبناء الحبشة عند العرب.

ويبدو أن عمر ـ لطبيعته الصارمة ـ لم يَرُقْه هذا اللهو، وأراد أن يمنعهم، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة قال: بينما الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم، دخل عمر، فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دعهم يا عمر”.

وإنها لسماحة كريمة من رسول الإسلام، أن يقر مثل هذا اللعب في مسجده المكرم، ليجمع فيه بين الدين والدنيا، وليكون ملتقى المسلمين في جدهم حين يجدون، وفي لهوهم حين يلهون، على أن هذا ليس لهوًا فقط، بل هو لهو ورياضة وتدريب. وقد قال المهلب تعقيبا على هذا الحديث: إن المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه.

فلينظر مسلمو العصور المتأخرة، كيف أقفرت مساجدهم من معاني الحياة والقوة، وبقيت في كثير من حالاتها مقرًّا للعاطلين؟!

وإنه لتوجيه نبوي كريم في معاملة الزوجات وترويح أنفسهن، بإتاحة مثل هذا اللهو المباح. قالت عائشة زوج النبي الكريم: لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو.

وقالت: كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته (وهن اللُّعب) وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن (يستخفين هيبة منه) فَيُسرِّبهن إليَّ، فيلعبن معي.

  • ألعاب الفروسية:

الفروسية من الرياضات التي تقوي البدن، وتكسب الممارس لها خفة في الحركة، وسرعة في الأداء، وترتبط بالشجاعة والشهامة والثقة بالنفس، والقدرة على ترويض الجواد، والتحكم في حركاته.

وقد شجع الإسلام هذه الرياضة وثمنها غاليًا، ورفع من شأنها؛ لارتباطها بالجهاد في سبيل الله، وفي إعداد القوة والمنعة؛ للدفاع عن الدين والأمة والوطن.

قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ} (الأنفال:60).

وقال رسوله الكريم: “الخيل معقود بنواصيها الخير”.

وقال صلى الله عليه وسلم : “ارموا واركبوا”.

والخيل كذلك زينة في هذه الحياة، قال الله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} (النحل:8).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين (للرمي)، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة”.

وجاء عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: “سابق بين الخيل وأعطى السابق”.

وكل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم تشجيع على السباق، وإغراء به، لأنه ـ كما قلنا ـ لهو ورياضة وتدريب.

وقيل لأنس: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراهن؟ قال: نعم والله، لقد راهن على فرس يقال له سبحة، فسبق الناس، فهَشَّ لذلك وأعجبه.

والرِّهان المباح أن يكون الجُعل الذي يبذل من غير المتسابقين، أو من أحدهما فقط، فأما إذا بذل كل منهما جُعلا على أن من سبق منهما أخذ الجعلين معا، فهو القمار المنهي عنه. وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الخيل الذي يعد للقمار: “فرس الشيطان”. وجعل ثمنها وزرًا، وعلفها وزرًا، وركوبها وزرًا.

وقال: “الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن، فالذي يرتبط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله. . . وذكر ما شاء الله (يعني أن كل ذلك له حسنات) وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان، فالذي يربطه الإنسان يلتمس بطنها (أي للنتاج) فهي ستر من فقر”.

  • الصيد:

ومن اللهو النافع الذي أقره الإسلام الصيد، وهو في الواقع متعة ورياضة واكتساب، سواء أكان عن طريق الآلة كالنبال والرماح، أو عن طريق الجوارح كالكلاب والصقور. وقد سبق أن تحدثنا عن الاشتراطات والآداب التي طلبها الإسلام فيه.

ولم يمنع الإسلام الصيد إلا في حالتين:

الحالة الأولى: حالة المُحرم بالحج والعمرة؛ فإنه في مرحلة سلام كامل، لا يقتل فيها ولا يسفك دمًا، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. . . {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (المائدة:95،96).

والحالة الثانية: حالة الحرم في مكة، فقد جعلها الإسلام منطقة سلام وأمن لكل كائن حي، ينتقل في أرجائها، أو يطير في سمائها، أو ينبت في أرضها، فهي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : “لا ينفّر صيدها، ولا يقطع شجرها، ولا يُختلَى خلاها”.

  • اللعب بالنَّرد (الطاولة):

وكل لعب فيه قمار، فهو حرام. والقمار كل ما لا يخلو اللاعب فيه من ربح أو خسارة. وهو الميسر الذي قرنه القرآن بالخمر والأنصاب والأزلام.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : “من قال لصاحبه، تعال أقامرك، فليتصدق”. يعني أن مجرد الدعوة إلى المقامرة ذنب، يوجب الكفارة بالتصدق.

ومن ذلك اللعب بالنرد (الزهر) إذا اقترن بقمار، فهو حرام اتفاقا.

وإن لم يقترن به فقال جمهور العلماء: يحرم. وقال بعضهم: يكره ولا يحرم. وحجة المحرمين ما رواه بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه”.

وما رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله”، والحديثان صريحان عامان في كل لاعب، قامر أم لم يقامر.

وقال الشوكاني: روي أنه رَخَّص في النرد ابن مغفَّل وابن المسيِّب على غير قمار. ويبدو أنهما حملا الأحاديث على من لعب بقمار.

  • اللعب بالشطرنج:

ومن ألوان اللهو المعروفة: الشطرنج، وقد اختلف الفقهاء في حكمه: بين الإباحة، والكراهة، والتحريم.

واحتج المحرمون بأحاديث، رووها عن النبي *، ولكن نقاد الحديث وخبراءه ردوها وأبطلوها، وبينوا أن الشطرنج لم يظهر إلا في زمن الصحابة، فكل ما ورد فيه من أحاديث باطل، كما احتجّ آخرون بأنه يصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهذا ما أكده ابن تيمية ومن وافقه.

أما الصحابة رضي الله عنهم، فاختلفوا في شأنه.

قال ابن عمر: هو شر من النرد .

وقال علي: هو من الميسر. (ولعله يقصد: إذا اختلط به القمار).

وروي عن بعضهم كراهيته فحسب.

كما ورد عن بعض الصحابة والتابعين أنهم أباحوه. من هؤلاء: ابن عباس، وأبو هريرة وابن سيرين، وهشام بن عروة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير.

وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء الأعلام هو الذي نراه، فالأصل ـ كما علمنا ـ الإباحة، ولم يجِئ نص على تحريمه. على أن فيه ـ فوق اللهو والتسلية ـ رياضة للذهن، وتدريبا للفكر، وهو لذلك يخالف النرد؛ ولذلك قالوا: إن المعول في النرد على الحظ، فأشبه الأزلام، والمعول في الشطرنج على الحذق والتدبير، فأشبه المسابقة بالسهام .

شروط الإباحة للشطرنج

وقد اشترط من أباحه شروطا ثلاثة يجب أن تُراعى:

  • ألا تؤَخَّر بسببه صلاةٌ عن وقتها، فإن أكبر خطورته في سرقة الأوقات، والشَّغْل عن الواجبات.
  • ألا يخالطه قمار.
  • أن يحفظ اللاعب لسانه حال اللعب من الفحش والخنا ورديء الكلام.

فإذا فرّط في هذه الثلاثة أو بعضها اتَّجه القول إلى التحريم.

الغناء والموسيقى

ومن اللهو الذي تستريح إليه النفوس، وتطرب له القلوب، وتنعم به الآذان: الغناء. وهذا صحيح، وهو كذلك أداة عاتية من أدوات الإثارة والهدم، والإلهاء للأمة عن غاياتها الجليلة، وقضاياها الكبيرة، وواجباتها الجسيمة.

وآفة هذا اللون من اللهو: أنه ارتبط تاريخيًّا وواقعيا بالترف ومجالس الشرب، وغدا جزءا أساسيا من حياة اللاهين المتحللين، من فضائل الجِدِّ والعفاف، كما احترفته ـ على مدار التاريخ ـ فئات اتسم أكثرها بالميوعة والخلاعة، والبعد عن أحكام الدين، وأخلاق المتقين.

ولهذا غلب على الحس الديني النفور والتنفير منه، ووقف علماء الإسلام منه ـ في مختلف الأزمنة ـ مواقف مختلفة، ما بين مُحَرِّمٍ وكارهٍ ومبيحٍ.

ولا ريب أن هناك أنواعا من الغناء اتفقوا على تحريمها، وأخرى اتفقوا على إباحتها، وثالثة هي موضع الاجتهاد والنظر.

فأما ما اتفقوا على تحريمه، فهو ما اشتمل على معصية أو دعا إليها.

وأما المباح باتفاق، فهو الغناء الفطري الذي يترنم به الإنسان لنفسه، أو المرأة لزوجها، أو الأولاد بعضهم لبعض، ومنه حداء الإبل، ومثله غناء النساء المعتاد في الأعراس، في مجتمعهن الخاص، ونحو ذلك.

وما عدا ذلك فهو مما تختلف فيه الأنظار.

والذي أراه: أن الغناء في ذاته لا حرج فيه، وهو داخل في جملة (الطيبات) أو المستلذات التي أباحها الإسلام، وأن الإثم إنما هو فيما يشتمل عليه، أو يقترن به من العوارض، التي تنقله من دائرة الحل إلى الحرمة، أو الكراهة التحريمية.

وأكثر من ذلك أنه يُستحب في المناسبات السارة؛ إشاعة للسرور، وترويحًا للنفوس، وذلك كأيام العيد والعرس، وقدوم الغائب، وفي وقت الوليمة، والعقيقة عند ولادة المولود، وعند إطلال أي حادث سعيد يفرح به الناس.

فعن عائشة رضي الله عنها: أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “يا عائشة، ما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو”.

وقال ابن عباس: زوجت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أهديتم الفتاة”؟ قالوا: نعم، قال: “أرسلتم معها من يغني”؟ قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم”.

وعن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنى ـ في عيد الأضحى ـ تغنيان وتضربان، والنبي صلى الله عليه وسلم مُتغَشٍّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال: “دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد”.

وقد ذكر الإمام الغزالي في كتاب (الإحياء) أحاديث غناء الجاريتين، ولعب الحبشة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وتشجيع النبي لهم بقوله: دونكم يا بني أرفدة. وقول النبي لعائشة: “تشتهين أن تنظري”، ووقوفه معها حتى تمل هي وتسأم، ولعبها بالبنات مع صواحبها. ثم قال: (فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين، وهي نصٌّ صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام، وفيها دلالة على أنواع من الرخص:

الأول: اللعب، ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب.

والثاني: فعل ذلك في المسجد.

والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم : دونكم يا بني أرفدة، وهذا أمر باللعب، والتماس له، فكيف يقدر كونه حراما؟

والرابع: منعه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما عن الإنكار والتغيير، وتعليله بأنه يوم عيد، أي هو وقت سرور، وهذا من أسباب السرور.

والخامس: وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك وسماعه، لموافقة عائشة رضي الله عنها، وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان ـ بمشاهدة اللعب ـ أحسن من خشونة الزهد والتقشف، في الامتناع والمنع منه.

والسادس: قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ابتداء: “أتشتهين أن تنظري”.

والسابع: الرخصة في الغناء، والضرب بالدف من الجاريتين. . . إلى آخر ما قاله الغزالي في كتاب السماع من الإحياء.

وقد جاء عن كثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أنهم سمعوا الغناء، ولم يروا بسماعه بأسا.

أما ما ورد فيه من أحاديث نبوية مُحرّمة أو زاجرة ومهددة، فكلها مُثْخنة بالجراح، لم يسلم منها حديث من طعن، عند فقهاء الحديث وعلمائه، قال القاضي أبو بكر بن العربي: لم يصح في تحريم الغناء شيء. وقال ابن حزم: كل ما روي فيها باطل موضوع.

ولكن آفة هذه الطيّبات: أن الكثير منها – للأسف – اقترن بالمحرمات والمكروهات. فقد اقترن الغناء والموسيقى كثيرا بالترف، ومجالس الخمر، والسهر الحرام، مما جعل كثيرا من العلماء يحرمونه أو يكرهونه، وقال بعضهم: إن الغناء من “لهو الحديث” المذكور في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (لقمان:6).

وقال ابن حزم: إن الآية ذكرت صفة من فعلها كان كافرا بلا خلاف، إذا اتخذ سبيل الله هزوا، ولو أنه اشترى مصحفا؛ ليضل به عن سبيل الله، ويتخذه هزوا لكان كافرا، فهذا هو الذي ذمَّ الله عز وجل، وما ذمَّ سبحانه قط من اشترى لهو الحديث، ليتلهى به ويروح نفسه، لا ليضل عن سبيل الله .

وردَّ ابن حزم أيضا على الذين قالوا: إن الغناء ليس من الحق، فهو إذًا من الضلال. قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} (يونس:32). قال: ” إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”. فمن نوى باستماع الغناء عونًا على معصية الله فهو فاسق ـ وكذلك كل شيء غير الغناء ـ ومن نوى ترويح نفسه، ليقْوَى بذلك على طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك على البر، فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق. ومن لم ينوِ طاعة ولا معصية، فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها، وقعوده على باب داره متفرجًا، وصبغه ثوبه لازورديًّا أو أخضر أو غير ذلك”.

قيود لا بد من مراعاتها

على أن هناك قيودًا لا بد أن نراعيها في أمر الغناء:

  • فلا بد أن يكون موضوع الغناء، مما لا يخالف عقائد الإسلام وأحكامه وفرائضه، فالأغاني التي تسخر بأصل الدين، أو بفكرة الألوهية، أو النبوة، أو الآخرة، مرفوضة تمامًا، ومثل ذلك كل ما يخالف أدب الإسلام وتعاليمه، فإذا كانت هناك أغنية تمجد الخمر، أو تدعو إلى شربها مثلا، فإن أداءها حرام، والاستماع إليها حرام، وهكذا ما شابه ذلك، والأغنية التي تمدح (أبو عيون حزينة) لا توافق النصوص التي تأمر بالغض من الأبصار.
  • وربما كان الموضوع غير منافٍ لتوجيه الإسلام، ولكن طريقة أداء المغنِّي أو المغنِّية له، تنقله من دائرة الحِل إلى دائرة الحرمة، وذلك بالتكسر والتميع وتعمد الإثارة للغرائز، والإغراء بالفتن والشهوات، وبعضهم أو بعضهن معروف بذلك، فهو لا يُغنّي بلسانه فقط، بل بجسمه كله، وحركاته كلها.
  • كما أن الدين يحارب الغلو والإسراف في كل شيء، حتى في العبادة، فما بالك بالإسراف في اللهو، وشغل الوقت به، والوقت هو الحياة؟! لا شك أن الإسراف في المباحات يأكل وقت الواجبات، وقد قيل بحق: (ما رأيت إسرافا إلا وبجانبه حق مضيع).
  • تبقى هناك أشياء يكون كل مستمع فيها مفتي نفسه، فإذا كان الغناء، أو لون خاص منه، يستثير غريزته، ويغريه بالفتنة، ويطغي فيه الجانب الحيواني على الجانب الروحاني، فعليه أن يتجنبه حينئذ، ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه ودينه وخلقه، فيستريح ويريح.
  • ومن المتفق عليه أن الغناء يحرم إذا اقترن بمحرمات أخرى كأن يكون في مجلس شرب، أو تخالطه خلاعة أو فجور، فهذا هو الذي أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهله وسامعيه بالعذاب الشديد، حين قال: “ليشربن أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يُعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير”.

وليس بلازم أن يكون مسخ هؤلاء مسخًا للشكل والصورة، وإنما هو مسخ النفس والروح، فيحملون في إهاب الإنسان نفس القرد، وروح الخنزير.

وقد ألّفنا كتابا كاملا في فقه الغناء والموسيقى، بسطنا فيه الأحكام، وفصّلنا الأدلّة، لأهمية الموضوع في حياة الناس.

القمار قرين الخمر

والإسلام الذي أباح للمسلم ألوانا من اللهو واللعب، حرم كل لعب يخالطه قمار، وهو ما لا يخلو اللاعب فيه من ربح أو خسارة. وقد ذكرنا قبل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : “من قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق”.

ولا يحل لمسلم أن يجعل من لعب القمار (الميسر) وسيلته للَّهْو والتسلية، وتمضية أوقات الفراغ، كما لا يحل له أن يتخذ منه وسيلة لاكتساب المال، بحال من الأحوال.

وللإسلام من وراء هذا التحريم الجازم حِكَم بالغة، وأهداف جليلة، منها:

  • أنه يريد من المسلم أن يتبع سنن الله في اكتساب المال، وأن يطلب النتائج من مقدماتها، ويأتيَ البيوت من أبوابها، وينتظر المسببات من أسبابها.

والقمار ـ ومنه اليانصيب ـ يجعل الإنسان يعتمد على الحظ والصدفة والأماني الفارغة، لا على العمل والجد واحترام الأسباب التي وضعها الله، وأمر باتخاذها.

  • والإسلام يجعل لمال الإنسان حرمة، فلا يجوز أخذه منه، إلا عن طريق مبادلة مشروعة، أو عن طيب نفس منه، بهبة أو صدقة. أما أخذه بالقمار، فهو من أكل المال بالباطل.
  • ولا عجب بعد هذا، أن يورث العداوة والبغضاء بين اللاعبين المتقامرين، وإن أظهروا بألسنتهم أنهم راضون، فإنهم دائما بين غالب ومغلوب، وغابن ومغبون. والمغلوب إذا سكت، سكت على غيظ وحنق: غيظ من خاب أمله، وحنق من خسرت صفقته، وإن خاصم خاصم فيما التزمه بنفسه، واقتحم فيه بعضده.
  • والخيبة تدفع المغلوب إلى المعاودة، عسى أن يعوض في الثانية ما خسر في الأولى. والغالب تدفعه لذة الغلبة إلى التكرار، ويدعوه قليله إلى كثيره، ولا يدعه حرصه ليقلع، وعما قليل تكون الدائرة عليه، وينتقل من نشوة الظفر إلى غَمِّ الإخفاق. وهكذا دواليك مما يربط كليهما بمنضدة اللعب، فلا يكادان يفارقانها. وهذا هو السر في كارثة الإدمان في لاعبي الميسر.
  • من أجل ذلك كانت هذه الهواية خطرا شديدا على المجتمع، كما هي خطر على الفرد؛ إنها هواية تلتهم الوقت والجهد، وتجعل من المقامرين أناسا عاطلين، يأخذون من الحياة ولا يعطون، ويستهلكون ولا ينتجون. والمقامر مشغول دائما بقماره عن واجبه نحو ربه،، وواجبه نحو نفسه، وواجبه نحو أسرته، وواجبه نحو أمته.
  • ولا يُستبعد على من عشق (المائدة الخضراء) ـ كما يسمونها ـ أن يبيع من أجلها دينه وعرضه ووطنه، فإن صداقة هذه المائدة تنتزعه من الصداقة لأي شيء، أو أي معنى آخر.

كما أنها تغرس فيه حب المقامرة بكل شيء. حتى بشرفه وعقيدته وقومه، في سبيل كسب موهوم.

وما أصدق القرآن وأروعه حين جمع بين الخمر والميسر في آياته وأحكامه، فإن أضرارهما على الفرد والأسرة والوطن والأخلاق متشابهة، وما أشبه مدمن القمار بمدمن الخمر، بل قلما يوجد أحدهما دون الآخر.

ما أصدق القرآن حين علمنا أنهما من عمل الشيطان، وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وجعلهما رجسا واجب الاجتناب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (المائدة:90،91).

اليانصيب ضرب من القمار

وما يسمى (باليانصيب) هو لون من ألوان القمار، ولا ينبغي التساهل والترخيص فيه باسم (الجمعيات الخيرية) و (الأغراض الإنسانية).

إن الذين يستبيحون اليانصيب لهذا، كالذين يجمعون التبرعات لمثل تلك الأغراض بالرقص الحرام، و (الفن) الحرام. ونقول لهؤلاء وهؤلاء: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا”.

والذين يلجؤون إلى هذه الأساليب، يفترضون في المجتمع أن قد ماتت فيه نوازع الخير، وبواعث الرحمة، ومعاني البر، ولا سبيل إلى جمع المال، إلا بالقمار أو اللهو المحظور؟! والإسلام لا يفترض هذا في مجتمعه، بل يؤمن بجانب الخير في الإنسان، فلا يتخذ إلا الوسيلة الطاهرة للغاية الشريفة، تلك الوسيلة هي الدعوة إلى البر، واستثارة المعاني الإنسانية، ودواعي الإيمان بالله والآخرة.

دخول السينما

ويتساءل كثير من المسلمين عن موقف الإسلام من دور الخيالة (السينما) والمسرح وما شابهها. وهل يحل للمسلم ارتيادها أم يحرم عليه؟

ولا شك أن (السينما) وما ماثلها أداة هامة من أدوات التوجيه والترفيه، وشأنها شأن كل أداة، فهي إما أن تستعمل في الخير، أو تستعمل في الشر، فهي بذاتها لا بأس بها ولا شيء فيها، والحكم في شأنها يكون بحسب ما تؤديه وتقوم به.

وهكذا نرى في السينما: هي حلال طيب، بل قد تُستحب وتُطلب، إذا توفرت لها الشروط الآتية:

أولا: أن تتنزه موضوعاتها التي تُعرض فيها عن المجون والفسق، وكل ما ينافي عقائد الإسلام وشرائعه وآدابه، فأما الروايات التي تثير الغرائز الدنيا، أو تحرض على الإثم أو تغري بالجريمة، أو تدعو لأفكار منحرفة، أو تروج لعقائد باطلة، إلى آخر ما نعرف، فهي حرام، لا يحل للمسلم أن يشاهدها أو يشجعها، فضلا عن أن ينتجها، أو يشارك في إنتاجها بوجه ما.

ثانيا: ألا تشغله عن واجب ديني أو دنيوي. وفي طليعة الواجبات الصلوات الخمس، التي فرضها الله كل يوم على المسلم، فلا يجوز للمسلم أن يضيع صلاة مكتوبة ـ كصلاة المغرب ـ من أجل رواية يشاهدها. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (الماعون:4،5). وفسر السهو عنها بتأخيرها حتى يفوت وقتها. وقد جعل القرآن من جملة أسباب تحريم الخمر والميسر، أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

ثالثا: أن يتجنب مرتادها الملاصقة والاختلاط المثير، بين الرجال والنساء الأجنبيات عنهم، منعا للفتنة، ودرءا للشبهة، ولا سيما أن المشاهدة لا تتم إلا تحت ستار الظلام، وقد مر بنا الحديث: “لأن يطعن في رأس أحدكم بمِخْيَط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له”.

الباب السابع

حكم الإسلام في العلاقات الاجتماعية

أقام الإسلام العلاقة بين أبناء مجتمعه على دعامتين أصيلتين:

أولاهما: رعاية الأخوة التي هي الرباط الوثيق بين بعضهم مع بعض.

والثانية: صيانة الحقوق والحرمات التي حماها الإسلام لكل فرد منهم، من دم وعرض ومال.

وكل قول أو عمل أو سلوك، فيه عدوان على هاتين الدعامتين أو خدش لهما، يحرمه الإسلام تحريما يختلف في الدرجة، على حسب ما ينجم عنه من ضرر مادي أو أدبي.

وفي الآيات التالية نموذج من هذه المحرمات، التي تضر بالأخوة وحرمات الناس.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (الحجرات:10 – 12).

قرر تعالى في أولى هذه الآيات أن المؤمنين إخوة، تجمعهم أخوة الدين مع أخوة البشرية، والأخوّة القومية والوطنية، ومقتضى الأخوة أن يتعارفوا ولا يتناكروا، ويتواصلوا ولا يتقاطعوا، ويتصافوا ولا يتشاحنوا، ويتحابوا ولا يتباغضوا، ويتحدوا ولا يختلفوا.

وفي الحديث الصحيح: “لا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا”.

لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما

ومن هنا حرم الإسلام على المسلم أن يجفو أخاه المسلم، ويقاطعه، ويُعرض عنه، ولم يرخص للمتشاحنين إلا في ثلاثة أيام، حتى تهدأ ثائرتهما، ثم عليهما أن يسعيا للصلح والصفاء، والاستعلاء على نوازع الكبر والغضب والخصومة، فمن الصفات الممدوحة في القرآن: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (المائدة:54).

قال النبي صلى الله عليه وسلم :”لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام” وفي رواية أبي داود: “فإن مرت به ثلاث، فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وخرج المسلم من الهجرة”.

وتتأكد حرمة القطيعة إذا كانت لذي رحم أوجب الإسلام صلتها، وأكد وجوبها ورعاية حرمتها. قال تعالى: {وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء:1) وصور الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلة، ومبلغ قيمتها عند الله فقال: “الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله”.

وقال: “لا يدخل الجنة قاطع”. فسره بعض العلماء بقاطع الرحم، وفسره آخرون بقاطع الطريق، فكأنهما بمنزلة واحدة.

وليست صلة الرحم الواجبة: أن يكافئ القريب قريبه صلة بصلة، وإحسانا بإحسان، فهذا أمر طبيعي مفروض، إنما الواجب أن يصل ذوي رحمه وإن هجروه، قال صلى الله عليه وسلم : “ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها”.

وهذا ما لم يكن ذلك الهجران وتلك المقاطعة لله، وفي الله، وغضبا للحق؛ فإن “أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”.

وقد هجر النبي وأصحابُه الثلاثةَ الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك خمسين يوما، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، ولم يكن أحد يجالسهم أو يكلمهم أو يحييهم، حتى أنزل الله في كتابه توبته عليهم.

وهجر النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه شهرًا.

وهجر عبد الله بن عمر ابنا له إلى أن مات، لأنه لم يَنْقَدْ لحديث ذكره له أبوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى فيه الرجال أن يمنعوا النساء من الذهاب إلى المساجد.

أما إذا كان الهجران والتشاحن لدنيا، فإن الدنيا لأهون على الله وعلى المسلم، من أن تؤدي إلى التدابر وتقطيع الأواصر بين المسلم وأخيه. كيف وعاقبة التمادي في الشحناء حرمان من مغفرة الله ورحمته؟!

وفي الحديث الصحيح: “تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظِرُوا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا”.

ومن كان صاحب حق، فيكفي أن يجيئه أخوه معتذرا، وعليه أن يقبل اعتذاره ويُنهي الخصومة، لا ينبغي له أن يرده، ويرفض اعتذاره. وفي الحديث: “من اعتذر إلى أخيه بمعذرة فلم يقبلها، كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس”.

إصلاح ذات البين

وإذا كان على المتخاصمين أن يُصفّيا ما بينهما وفقا لمقتضى الأخوة، فإن على المجتمع واجبا آخر؛ فإن المفهوم أن المجتمع الإسلامي مجتمع متكامل متعاون، فلا يجوز له أن يرى بعض أبنائه يتخاصمون أو يتقاتلون، وهو يقف موقف المتفرج، تاركا النار تزداد اندلاعا، والخرق يزداد اتساعا.

بل على ذوي الرأي والمقدرة أن يتدخلوا لإصلاح ذات البين، متجردين للحق، مبتعدين عن الهوى. كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات:10).

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه فضل هذا الإصلاح، وخطر الخصومة والشحناء، فقال: “ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة”؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال:”إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين”.

وقد حرم الله في الآيات التي ذكرناها جملة أشياء صان بها الأخوة، وما توجبه من حرمة الناس.

  • لا يسخر قوم من قوم:

وأول هذه الأشياء السخرية من الناس. . فلا يحل لمؤمن يخشى الله، ويرجو الدار الآخرة، أن يسخر من أحد من الناس، أو يجعل من بعض الأشخاص موضع هزئه وسخريته، وتندره ونكاته، ففي هذا كِبر خفي، وغرور مُقَنَّع، واحتقار للآخرين، وجهل بموازين الخيرية عند الله. ولذا قال تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} (الحجرات:11).

إن الخيرية عند الله تقوم على الإيمان والإخلاص، وحسن الصلة بالله تعالى، لا على الصور والأجسام، ولا على الجاه والمال. وفي الحديث: “إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.

فهل يجوز أن يسخر من إنسان رجل أو امرأة، لعاهة في بدنه، أو آفة في خِلْقته، أو فقر في ماله؟!

وقد ثبت أن عبد الله بن مسعود انكشفت ساقه، وكانت دقيقة هزيلة، فضحك منها بعض الحاضرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “أتضحكون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من جبل أحد”.

وقد حكى القرآن عن مجرمي المشركين، كيف كانوا يسخرون بالمؤمنين الأخيار، ولا سيما المستضعفين منهم كبِلالٍ وعمار، وكيف ستنقلب الموازين يوم الحساب فيصبح الساخرون موضع السخرية والاستهزاء: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} (المطففين:29 – 34).

وقد نصت الآية بصريح العبارة على النهي عن سخرية النساء، مع أنها تُفهم ضمنًا، وتدخل تبعًا، وذلك لأن سخرية النساء بعضهن من بعض، من الأخلاق الشائعة بينهن.

  • لا تلمزوا أنفسكم:

وثاني هذه المحرمات هو اللَّمز، ومعناه في اللغة: الوخز والطعن، ومعناه هنا العيب؛ فكأن من يعيب الناس، إنما يوجه إليهم وخزة بسيف أو طعنة برمح. وهذا حق؛ بل ربما كانت وخزة اللسان أشد وأنكَى، وقد قيل:

جراحات السنان لها التئام … ولا يَلْتَامُ ما جرح اللسان

ولصيغة النهي في الآية إيحاء جميل، فهي تقول: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} (الحجرات:11) والمراد لا يلمز بعضكم بعضا، ولكن القرآن يعبر عن جماعة المؤمنين كأنهم نفس واحدة، لأنهم جميعا متعاونون متكافلون، فمن لمز أخاه فإنما يلمز نفسه في الحقيقة، لأنه منه وله.

  • لا تنابزوا بالألقاب:

ومن اللمز المحرم: التنابز بالألقاب، وهو التنادي بما يسوء منها ويكره، مما يحمل سخرية ولمزا، ولا ينبغي لإنسان أن يسوء أخاه، فيناديه بلقب يكرهه ويتأذى منه، فهذا مدعاة لتغير النفوس، وعدوان على الأخوة، ومنافاة للأدب والذوق الرفيع.

  • سوء الظن:

والإسلام يريد أن يقيم مجتمعه على صفاء النفوس، وتبادل الثقة، لا على الرِّيَب والشكوك، والتهم والظنون. ولهذا جاءت الآية برابع هذه المحرمات التي صان بها الإسلام حرمات الناس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات:12) وهذا الظن الآثم هو ظن السوء. فلا يحل للمسلم أن يسيئ ظنه بأخيه المسلم دون مسوغ ولا بينة ناصعة.

إن الأصل في الناس أنهم أبرياء. ووساوس الظن لا يصح أن تعرض ساحة البريء للاتهام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث”.

والإنسان لضعفه البشري، لا يسلم من خواطر الظن والشك في بعض الناس، وخصوصا فيمن ساءت بهم علاقته. ولكن عليه ألا يستسلم لها، ولا يسير وراءها، وهذا معنى ما ورد في الحديث: “إذا ظننت فلا تحقق”.

  • التجسس:

إن عدم الثقة في الآخرين يدفع إلى عمل قلبي باطن هو سوء الظن، وإلى عمل بدني ظاهر هو: التجسس، والإسلام يقيم مجتمعه على نظافة الظاهر والباطن معًا، ولهذا قرن النهي عن التجسس بالنهي عن سوء الظن. وكثيرا ما كان هذا سببا لذاك، وفي الصحيحين: “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا”.

إن للناس حرمة لا يجوز أن تُهتك بالتجسس عليهم، وتتبع عوراتهم، حتى وإن كانوا يرتكبون إثمًا خاصًّا بأنفسهم، ما داموا مستترين به، غير مجاهرين.

عن أبي الهيثم، عن دخين، كاتب عقبة بن عامر، قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرط فيأخذوهم. فقال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاءه دخين. فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داع لهم الشُّرط، فقال عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من ستر عورة مؤمن، فكأنما استحيا موءودة من قبرها”.

وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام تتبع عورات الناس من خصال المنافقين، الذين قالوا آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. وحمل عليهم حملة عنيفة على ملأ الناس، فعن ابن عمر قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فنادى بصوت رفيع فقال: “يا معشر من قد أسلم بلسانه، ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله”.

ومن أجل الحفاظ على حُرمات الناس حَرَّم الرسول صلى الله عليه وسلم أشد التحريم، أن يطلع أحد على قوم في بيتهم بغير إذنهم، وأهدر في ذلك ما يصيبه من أصحاب البيت قال: “من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حَلَّ لهم أن يفقأوا عينه”.

كما حرم أن يتسمع حديثهم بغير علم منهم ولا رضًا، قال: “من استمع إلى حديث قوم، وهم له كارهون، صُبَّ في أذنيه الآنُكُ يوم القيامة”. والآنك: الرصاص المذاب.

وأوجب القرآن على كل من أراد أن يزور إنسانا في بيته ألا يدخل حتى يستأذن ويسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (النور:27،28).

وفي الحديث: “أيما رجل كشف سترًا، فأدخل بصره قبل أن يؤذن له، فقد أتى حدًّا لا يحل له أن يأتيه”.

ونصوص النهي عن التجسس وتتبع العورات عامة تشمل الحكام والمحكومين معًا. وقد روى معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم”.

وروى أبو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم قال: “إن الأمير إذا ابتغى الرِّيبة في الناس أفسدهم”.

  • الغيبة:

وسادس ما نهت عنه الآيات التي مرت معنا هو: الغيبة {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} (الحجرات:12).

وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحدد مفهومها لأصحابه على طريقته في التعليم بالسؤال والجواب، فقال لهم: “أتدرون ما الغيبة” قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: “ذكرك أخاك بما يكره” قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته”. أي: ارتكبتَ بُهتانًا في حقّه.

وما يكرهه الإنسان يتناول خَلقه وخُلقه ونسبه، وكل ما يخصه. وعن عائشة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية (زوج النبي وضرتها) كذا وكذا ـ تعني أنها قصيرة ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “لقد قلتِ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته”.

إن الغيبة هي شهوة الهدم للآخرين، هي شهوة النهش في أعراض الناس وكراماتهم وحرماتهم، وهم غائبون. إنها دليل على الخِسَّة والجُبْن، لأنها طعن من الخلف، وهي مظهر من مظاهر السلبية، فإن الاغتياب جهد من لا جهد له. وهي مِعول من معاول الهدم، لأن هواة الغيبة، قَلَّما يسلم من ألسنتهم أحد، بغير طعن ولا تجريح.

فلا عجب إذا صورها القرآن في صورة منفرة، تتقزز منها النفوس، وتنبو عنها الأذواق: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات:12). والإنسان يأنف أن يأكل لحم أي إنسان، فكيف إذا كان لحم أخيه؟! وكيف إذا كان ميتا؟ !

وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا التصوير القرآني في الأذهان، ويُثَبِّته في القلوب، كلما لاحت فرصة لهذا التأكيد والتثبيت.

قال ابن مسعود: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل (أي غاب من المجلس) فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي لهذا الرجل: “تخلل” فقال: مِمَّ أتخلل؟ ما أكلت لحما! قال: “إنك أكلت لحم أخيك”.

وعن جابر قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فهبت ريح منتنة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : “أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين”.

حدود الرخصة في الغيبة

كل هذه النصوص تدلنا على قداسة الحرمة الشخصية للفرد في الإسلام.

ولكن هناك صور استثناها علماء الإسلام من الغيبة المحرمة، وهي استثناء يجب الاقتصار فيه على قدر الضرورة.

ومن ذلك المظلوم الذي يشكو ظالمه، ويتظلم منه فيذكره بما يسوؤه، مما هو فيه حقا، فقد رُخِّص له في التظلم والشكوى، قال الله تعالى: {لَا يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ الله سَمِيعًا عَلِيمًا} (النساء:148).

وقد يسأل سائل عن شخص معين؛ ليشاركه في تجارة، أو يزوجه ابنته، أو يوليه من قِبَله عملا هاما، وهنا تعارض واجب النصيحة في الدين وواجب صيانة عِرض الغائب، ولكن الواجب الأول أهم وأقدس فقدم على غيره.

وقد أخبرت فاطمة بنت قيس النبي صلى الله عليه وسلم عن اثنين تقدما لخطبتها، فقال لها عن أحدهما: “إنه صعلوك لا مال له”، وقال عن الآخر: “إنه لا يضع عصاه عن عاتقه”. يعني أنه كثير الضرب للنساء.

ومن ذلك الاستفتاء والاستعانة على تغيير المنكر.

ومن ذلك أن يكون للشخص اسم أو لقب، أو وصف يكرهه، ولكنه لم يشتهر إلا به، كالأعرج والأعمش وابن فلانة.

ومن ذلك تجريح الشهود، ورواة الأحاديث والأخبار، وبهذا قام علم الجرح والتعديل، فلولا هذا لقال مَن شاء ما شاء.

والضابط العام في إباحة هذه الصور أمران:

  • الحاجة:

فما لم تكن هناك حاجة ماسَّة إلى ذكر غائب بما يكره، فليس له أن يقتحم هذا الحِمَى المحرم، وإذا كانت الحاجة تزول بالتلميح، فلا ينبغي أن يلجأ إلى التصريح، أو بالتعميم فلا يذهب إلى التخصيص. فالمستفتي مثلا إذا أمكن أن يقول: ما قولكَ في رجل يصنع كذا وكذا. فلا ينبغي أن يقول: ما قولك في فلان ابن فلان. وكل هذا بشرط ألا يذكر شيئا غير ما فيه، وإلا كان بُهتانا حراما.

  • النية:

والنية وراء هذا كله فيصل حاسم، والإنسان أدرى بحقيقة بواعثه من غيره، النية هي التي تفصل بين التظلم والتشفي، بين الاستفتاء والتشنيع، بين الغِيبة والنقد، بين النصيحة والتشهير. والمؤمن ـ كما قيل ـ أشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح.

ومن المقرر في الإسلام أن السامع شريك المغتاب، وأن عليه أن ينصر أخاه في غيبته ويرد عنه. وفي الحديث: “من ذَبَّ عن عرض أخيه الغِيبة، كان حقا على الله أن يعتقه من النار”. “من رد عن عِرض أخيه في الدنيا رد الله عن وجهه النار يوم القيامة”.

فمن لم تكن له هذه الهِمَّة، ولم يستطع رد هذه الألسنة المفترسة عن عرض أخيه، فأقل ما يجب عليه أن يعتزل هذا المجلس، ويُعرض عن القوم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإلا فما أجدره بقول الله: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} (النساء:140).

  • النميمة:

وإذا ذكرت الغيبة في الإسلام ذكر بجوارها خصلة تقترن بها، حرمها الإسلام كذلك أشد الحرمة، تلك هي النميمة. وهي نقل ما يسمعه الإنسان عن شخص إلى ذلك الشخص على وجه يوقع العداوة بين الناس، ويكدر صفو العلائق بينهم، أو يزيدها كدرا.

وقد نزل القرآن بذم هذه الرذيلة منذ أوائل العهد المكي؛ إذ قال: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} (القلم:10،11).

وقال صلى الله عليه وسلم : “لا يدخل الجنة قتات”. والقتات هو النمام. وقيل: النمام هو الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا، فينم عليهم. والقتات: هو الذي يتسمع عليهم، وهم لا يعلمون ثم ينم.

وقال صلى الله عليه وسلم : “شرار عباد الله: المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت”.

إن الإسلام، في سبيل تصفية الخصومة وإصلاح ذات البين، يبيح للمصلح أن يخفي ما يعلم من كلام سيئ قاله أحدهما عن الآخر، ويزيد من عنده كلاما طيبا، لم يسمعه من أحدهما في شأن الآخر، وفي الحديث: “لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا” ويغضب الإسلام أشد الغضب على أولئك الذين يسمعون كلمة السوء، فيبادرون بنقلها تزلفًا أو كيدًا، أو حبًّا في الهدم والإفساد.

ومثل هؤلاء لا يقفون عندما سمعوا، إن شهوة الهدم عندهم تدفعهم إلى أن يزيدوا على ما سمعوا، ويختلقوا إن لم يسمعوا.

إنْ يسمعوا الخير أخفَوْه، وإن سمعوا … شرًّا أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبُوا

دخل رجل على عمر بن عبد العزيز، فذكر له عن آخر شيئا يكرهه. فقال عمر: إن شئتَ نظرنا في أمرك، فإن كنتَ كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات:6). وإن كنتَ صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} (القلم:11). وإن شئت عفونا عنك. قال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدا.

  • حرمة الأعراض:

لقد رأينا كيف صان الإسلام بتعاليمه وأحكامه الأعراض والحرمات، بل كيف وصل برعاية الحرمات للناس إلى حد التقديس. وقد نظر عبد الله بن عمر رضي الله عنه يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك.!! وحرمة المؤمن تتمثل في حرمة عرضه ودمه وماله.

وفي حجة الوداع خطب النبي صلى الله عليه وسلم في جموع المسلمين فقال: “إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا”. وقد حفظ الإسلام عرض الفرد من الكلمة التي يكرهها، تذكر في غيبته وهي صدق، فكيف إذا كان الكلام افتراء لا أصل له؟! إنها حينئذ تكون حُوبا كبيرا، وإثما عظيما. وفي الحديث: “من ذكر امرأً بشيء ليس فيه ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم، حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه”. وعن سعيد بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق” (4). ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (الأحزاب:58).

وأشد هذا اللون من الاعتداء على الأعراض، هو رمي المؤمنات العفيفات بالفاحشة، لما فيه من ضرر بالغ بسمعتهن، وسمعة أسرهن، و من خطر على مستقبلهن، فضلا عما فيه من حب إشاعة الفاحشة في المجتمع المؤمن.

ولذا عده الرسول من الكبائر السبع الموبقات، وأوعد القرآن عليه بأشدّ أنواع الوعيد: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} (النور:23 – 25).

وقال: {إِن الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور:19).

  • حرمة الدماء:

قدس الإسلام الحياة البشرية، وصان حرمة النفوس، وجعل الاعتداء عليها أكبر الجرائم عند الله، بعد الكفر به تعالى. وقرر القرآن: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة:32).

ذلك أن النوع الإنساني كله أسرة واحدة، والعدوان على نفس من أنفُسه: هو في الحقيقة عدوان على النوع، وتجرؤ عليه.

وتشتد الحرمة إذا كان المقتول مؤمنا بالله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء:93).

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم”.

ويقول: “لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما”.

ويقول: “كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجلَ يموت مشركا، أو الرجلَ يقتل مؤمنا متعمدا”.

ولهذه الآيات والأحاديث رأى ابن عباس رضي الله عنهما: أن توبة القاتل لا تُقبل، وكأنه رأى أن من شرط التوبة ألا تقبل إلا برد الحقوق إلى أهلها، أو استرضائهم، فكيف السبيل إلى رد حق المقتول إليه أو استرضائه؟!

وقال غيره: إن التوبة النصوح مقبولة، وإنها تمحو الشرك، فكيف ما دونه؟

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان:68 – 70).

القاتل والمقتول في النار

وعَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم قتال المسلم بابًا من الكفر، وعملا من أعمال أهل الجاهلية الذين كانوا يشنون الحرب، ويريقون الدماء من أجل ناقة أو فرس. قال صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر”.

“لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض”.

وعن أبي بكرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟! قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ”.

ومن أجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل عمل يؤدي إلى القتل أو القتال، ولو كان إشارة بالسلاح: “لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار”.

من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان أخاه لأبيه وأمه. بل قال: “لا يحل لمسلم أن يروع مسلما”. أي يخيفه ويفزعه.

ولا يقف الإثم عند حد القاتل وحده، بل كل من شاركه بقول أو فعل، يصيبه من سخط الله بقدر مشاركته، حتى من حضر القتل يناله نصيب من الإثم، ففي الحديث: “لا يقفن أحدكم موقفا يُقتل فيه رجل ظلمًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه”.

حرمة دم المعاهد والذمي

وإنما عنيت النصوص بالتحذير من قتل المسلم وقتاله؛ لأنها جاءت تشريعا وإرشادا للمسلمين في مجتمع إسلامي، وليس معنى هذا أن غير المسلم دمه حلال، فإن النفس البشرية معصومة الدم، حرمها الله وصانها بحكم بشريتها، ما لم يكن غير المسلم محاربا للمسلمين، فعند ذلك قد أحل هو دمَه. أما إذا كان معاهدا أو ذميا فإن دمه مصون، لا يحل لمسلم الاعتداء عليه.

وفي ذلك يقول نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم : “من قتل معاهدا لم يَرَح رائحة الجنة [أي لم يشمها] وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما”.

وفي رواية: “من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة”.

متى تسقط حرمة الدم؟

قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ} (الأنعام:151) وهذا الحق الذي ذكره القرآن أن يكون جزاء على جريمة من ثلاث:

  • القتل ظُلما؛ فمن ثبتت عليه جريمة القتل، وجب عليه القصاص نفسا بنفس، والشر بالشر يحسم، والبادئ أظلم. {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة:179).
  • المجاهرة بارتكاب فاحشة الزِّنى بحيث يراه أربعة من عدول الناس رؤية عيانية، وهو يرتكبها، ويشهدون عليه بذلك، بشرط أن يكون قد عرف طريق الحلال بالزواج.

ويقوم مقام الشهادة أن يقر على نفسه أمام الحاكم أربع مرات. ولم نرَ هذا تم في الإسلام، إلا بالإقرار المُكرر، أمّا الشهادة فمن الصعب جدا، أو شبه المستحيل: أن يجاهر أحد بارتكاب الزنى مع امرأة أجنبية، بحيث يراه أربعة رجال عدول من الناس، وهو يرتكب الفاحشة جهارا!!.

  • الخروج على دين الإسلام بعد الدخول فيه، والمجاهرة بهذا الخروج تحديا للجماعة الإسلامية. والإسلام لا يكره أحدا على الدخول فيه، ولكنه يرفض التلاعب بالدين، شأن اليهود الذين قالوا: {آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (آل عمران:72).

وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم استباحة الدم المحرم في هذه الثلاثة فقال: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة”.

ولكن حق استباحة الدم بإحدى هذه الثلاث، إنما يستوفيه ولي الأمر، وليس للأفراد أن يستوفوه بأنفسهم، حتى لا يضطرب الأمن، وتسود الفوضى، ويجعل كل فرد من نفسه قاضيا ومنفذا؛ إلا في حالة القتل العمد ـ العدوان الذي يوجب القصاص ـ فإن الإسلام أباح لولي الأمر بعد أن يستوفي كل الإجراءات القضائية والتنفيذية، أن يمكّن لأولياء المقتول أن يستوفوا القصاص بأيديهم في حضرة ولي الأمر، شفاء لصدورهم، وإطفاء لكل رغبة في الثأر عندهم، وامتثالا لقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (الإسراء:33).

قتل الإنسان نفسه

وكل ما ورد في جريمة القتل يشمل قتل الإنسان لنفسه، كما يشمل قتله لغيره، فمن قتل نفسه بأي وسيلة من الوسائل، فقد قتل نفسا حَرَّم الله قتلها بغير حق.

وحياة الإنسان ليست ملكا له، فهو لم يخلق نفسه، ولا عضوا من أعضائه، أو خلية من خلاياه، وإنما نفسه وديعة عنده استودعه الله إياها، فلا يجوز له التفريط فيها، فكيف بالاعتداء عليها؟ فكيف بالتخلص منها؟ قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29).

إن الإسلام يريد من المسلم أن يكون صُلب العود، قوي العزم، في مواجهة الشدائد، ولم يُبحْ له بحال أن يفر من الحياة، ويخلع ثوبها، لبلاء نزل به، أو أمل كان يحلم به فخاب، فإن المؤمن خُلق للجهاد لا للقعود، وللكفاح لا للفرار، وإيمانه وخلقه يأبيان عليه أن يفر من ميدان الحياة، ومعه السلاح الذي لا يُفل، والذخيرة التي لا تنفد: سلاح الإيمان المكين، وذخيرة الخلق المتين.
لقد أنذر الرسول صلى الله عليه وسلم مَن يُقدم على هذه الجريمة البشعة ـ جريمة الانتحار ـ بحرمانه من رحمة الله في الجنة، واستحقاق غضب الله في النار.

قال صلى الله عليه وسلم : “كان فيمن قبلكم رجل به جُرح، فجزع فأخذ سكينا، فحزَّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله: بادرني عبدي بنفسه، فحرَّمْتُ عليه الجنة”.

فإذا كان هذا حرمت عليه الجنة، من أجل جراحة لم يحتمل ألمها، فقتل نفسه. فكيف بمَن يقتل نفسه من أجل صفقة خسر فيها قليلا أو كثيرا، أو من أجل امتحان أخفق فيه، أو فتاة صدت عنه؟

ألا فليسمع ضعاف العزائم هذا الوعيد، الذي جاء به الحديث النبوي يبرق ويُرعِد: “من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سُمًّا فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا”.

  • حرمة الأموال:

لا حرج على المسلم في أن يجمع من المال ما شاء، ما دام يجمعه من حله، وينميه بالوسائل المشروعة.

وإذا كان في بعض الأديان، كما في المسيحية: “أن الغني لا يدخل ملكوت السموات حتى يدخل الجمل سمَّ الخياط”. فإن الإسلام يقول: “نعم المال الصالح للرجل الصالح”. والقرآن يقول: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5].

وما دام الإسلام يقر ملكية الفرد المشروعة للمال، فإنه يحميها بتشريعه القانوني، وتوجيهه الأخلاقي، أن تعدو عليها يد العادين، غصبا أو سرقة أو احتيالا.

وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين حرمة المال وحرمة الدم والعرض في سياق واحد: “فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام. . .”، وجعل السرقة منافية لما يوجبه الإيمان، فقال: “لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن”.

وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ الله وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38).

وقال صلى الله عليه وسلم : ” لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه”.

قال ذلك لشدة ما حرم الله من مال المسلم على المسلم.

وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (النساء:29).

الرّشوة حرام

ومن أكل أموال الناس بالباطل: أخذ الرشوة، وهي ما يُدفع من مال إلى ذي سلطان أو وظيفة عامة، ليحكم له أو على خصمه بما يريد هو، أو ينجز له عملا ليس هو أولى به، أو يؤخر لغريمه عملا، وهلم جرًّا.

وقد حرم الإسلام على المسلم أن يسلك طريق الرشوة للحكام وأعوانهم، كما حرم على هؤلاء أن يقبلوها إذا بُذلت لهم. وحظر على غيرهم أن يتوسطوا بين الآخذين والدافعين.

قال تعالى: {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:188).

وقال صلى الله عليه وسلم : “لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم”.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي”.

ولا يتخلف الرائش ـ وهو الوسيط بين الراشي والمرتشي ـ عن ذلك، لأنه حلقة الوصل بينهما، والأداة الميسرة لهذه الآفة، ومن عاون على ظلم، فقد تعاون على الإثم والعدوان، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2]. وقد رُوي (والرائش) في بعض الراويات.

وإذا كان آخذ الرشوة قد أخذها ليظلم فما أشد جرمه. وإن كان سيتحرى العدل، فذلك واجب عليه، لا يؤخذ في مقابله مال.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى اليهود ليُقَدِّر ما يجب عليهم في نخيلهم من خراج، فعرضوا عليه شيء من المال يبذلونه له، فقال لهم: فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها”.

ولا غرابة في تحريم الإسلام للرشوة، وتشديده على كل مَن اشترك فيها، فإن شيوعها في مجتمع شيوع للفساد والظلم، من حكم بغير الحق، أو امتناع عن الحكم بالحق، وتقديم مَن يستحق التأخير، وتأخير مَن يستحق التقديم، وشيوع روح النفعية في المجتمع، لا روح الواجب.

هدايا الرعية إلى الحكام

والإسلام يحرم الرشوة في أي صورة كانت، وبأي اسم سميت، فتسميتها باسم (الهدية) لا يخرجها من دائرة الحرام إلى الحلال.

وفي الحديث: “من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا [منحناه راتبا] فما أخذه بعد ذلك فهو غلول”.

وأهدي إلى عمر بن عبد العزيز هدية ـ وهو خليفة ـ فردها، فقيل له: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية. قال: كان ذلك له هدية، وهو لنا رشوة.

وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم واليًا يجمع صدقات الأزد ـ قبيلة ـ فلما جاء إلى الرسول، أمسك بعض ما معه، وقال: هذا لكم، وهذا لي هدية، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك، حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا”؟

ثم قال: “ما لي أستعمل الرجل منكم، فيقول: هذا لكم، وهذا لي هدية، ألا جلس في بيت أمه ليُهدى له، والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حق إلا أتى اللهَ يحمله [يعني يوم القيامة] فلا يأتين أحدُكم يوم القيامة ببعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر!! ثم رفع يديه، حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: “اللهم هل بلغت؟ “.

وقال الإمام الغزالي: “إذا ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والوالي ـ ومن في حكمهما ـ ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه، فما كان يُعطى بعد العزل، وهو في بيت أمه، يجوز له أن يأخذه في ولايته، وما يعلم أنه يعطاه لولايته، فحرام أخذه، وما أشكل عليه من هدايا أصدقائه، أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولا؟ فهو شبهة فليجتنبه”.

الرشوة لرفع الظلم

ومن كان له حق مضيع، لم يجد طريقة للوصول إليه إلا بالرشوة، أو وقع عليه ظلم، لم يستطع دفعه عنه إلا بالرشوة، فالأفضل له أن يصبر، حتى ييسر الله له أفضل السبل لرفع الظلم، ونيل الحق.

فإن سلك سبيل الرشوة من أجل ذلك، فالإثم على الآخذ المرتشي، وليس عليه إثم الراشي في هذه الحالة، ما دام قد جرب كل الوسائل الأخرى فلم تأتِ بجدوى، وما دام يرفع عن نفسه ظلما، أو يأخذ حقا له، دون عدوان على حقوق الآخرين.

وقد استدل بعض العلماء على ذلك بأحاديث الملحفين الذين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة، فيعطيهم وهم لا يستحقون، فعن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أحدكم ليخرج بصدقته من عندي متأبّطها ـ يحملها تحت إبطه ـ وإنما هي له نار”، قال عمر: يا رسول، الله كيف تعطيه وقد علمتَ أنها له نار؟

قال: “فما أصنع؟ يأبون إلا مسألتي، ويأبى الله عز وجل لي البخل”. فإذا كان ضغط الإلحاح جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي السائل ما يعلم أنه نار على آخذه، فكيف ضغط الحاجة إلى دفع ظلم أو أخذ حق مهدر؟!

إسراف الفرد في ماله حرام

وإذا كان لمال الغير حرمة، تمنع من التعدي عليه خفية أو جهارا. فإن لمال الإنسان نفسه حرمة أيضا بالنسبة لصاحبه، تمنعه أن يضيعه، أو يسرف فيه، أو يبعثره ذات اليمين وذات الشمال.
ذلك أن للأمة حقا في مال الأشخاص، وهي مالكة وراء كل مالك، ولذلك جعل الإسلام للأمة الحقَّ في الحجر على السفيه المتلاف في ماله؛ لأنها صاحبة حق فيه. وفي ذلك يقول القرآن: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (النساء:5).

فهنا يخاطب الله الأمة بقوله: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} مع أنها في ظاهر الأمر أموالهم. ولكن مال كل فرد في الحقيقة هو مال لأمته جمعاء.

إن الإسلام دين القسط والاعتدال. وأمة الإسلام أمة وسط. والمسلم عدل في كل أموره، ومن هنا نهى الله المؤمنين عن الإسراف والتبذير، كما نهاهم عن الشح والتقتير. قال تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف:31).
وقال: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء:26،27)، والتبذير إنما يكون بالإنفاق فيما حرم الله، كالخمر والمخدرات، وأواني الذهب والفضة ونحوها، قَلَّ القدر المنفَق أو كثُر. أو يكون بإضاعة المال، بإتلافه على نفسه وعلى الناس، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.

أما الإسراف فيكون بالتوسع في الإنفاق فيما لا يحتاج إليه، مما لا يبقى للمنفِق بعده غنى يغنيه.
قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (البقرة:219). “إن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء :26،27). وقال: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} (الإسراء:29). وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} (الفرقان:67).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان عند أحدكم شيء، فليبدأ بنفسه ثم بمن يعول، وهكذا وهكذا” (34). وقال صلى الله عليه وسلم : “خير الصدقة ما أبقت غنى”.

وعن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله، خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه من بين يديه، فقال: “هاتها” [مغضبا] فأخذها منه ثم حذفه بها بحيث لو أصابته لأوجعته، ثم قال: “يأتيني أحدكم بمال لا يملك غيره، ثم يجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذها لا حاجة لنا فيها”. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة.

وقال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط. فالإنفاق الكثير هو التبذير، والتقليل جدا هو التقتير، والعدل هو الفضيلة، وهو المراد من قوله تعالى: {قُلِ الْعَفْوَ} ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة. فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة، وشرع النصارى على المساهلة التامة، وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور. فلذلك كان أكمل من الكل.

جميع الحقوق محفوظة 2024 © سبيلي