في ظِلاَل الأسماء الحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم

ما هذه الوقفة ؟

هي سياحة في بحر المعارف الإلهية الذي لا ساحل له وقطرة في بحر المعرفة وذرّة في ملكوت السماوات والأرض، وليس من باب الإحاطة، فليس هذا متاح لأحد كما قال الصادق المصدوق ” لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ”.

من المقدمة

وسمّيت بالحسنى أي بالغة الحُسن بلا حد أو قيد وهي مؤنث الأحسن.

وهي باب عظيم لمعرفة الله حيث كما قالو: (من عرف الله أحبه، وليس حاجة الأرواح قط إلى شيئ أعظم منها إلى معرفة ربها وكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف).

ورحم من أجاب سائل: أي شيء أعجب، فقال له: قلب عرف ربه ثم عصاه.

القريب

((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ))

ورد هذا الاسم في ثلاث مواضع، وجاء في معناه….. كقوله ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)).

وسبب نزول هذه الآية أن الصحابة الكرام لما نزل قوله تعالى ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) سلبو النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله كيف ندعوه وقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية

وَ(إِذَا) لما يُستقبل من الزمان أي أنه يستجيب في كل وقت.

(عِبَادِي) والعبودية عامة ((إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا))، وخاصة فتكون إضافة معية وتخصيص.

(فَإِنِّي قَرِيبٌ) مكان الجواب مباشرًا لهم، سريعًا فتولّاه جل جلاله ووضّحه.

والقرب المقصود مجازي لا حسي – فتعالى– عن المكان، وهناك قرب عام من كل أحد بعلمه ومراقبته ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ))

وقرب خاص لا تُدرَك له حقيقة وإنما تُعلَم آثاره على الخواص من العباد، لذلك كان قوله تعالى ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) فيها هيبة وفزع وخوف لقوم، وروحٌ وأُنس وسكون قلب قوم.

وللقرب من القريب لذة ما بعدها لذة ولخفاء الخطاب مع الحبيب سر عجيب.

متى تشعر أنه (قريب) كيف يمكن أن تتقرّب أنت منه

  • التقرّب إليه، “من تقرَّبَ إليَّ شبرًا تقربْتُ منه ذراعًا”.
  • أداء النوافل، “مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ”.
  • السجود، ” أقربُ مَا يَكونُ العبْدُ مِن ربِّهِ وَهَو ساجدٌ فَأَكثِرُوا الدُّعاءَ”

كان من دعاء النبي في سجوده “اللهم إِنَّي أعوذُ برضاكَ من سخَطِكَ وأعوذُ بمعافاتِكَ من عقوبَتِكَ وأعوذُ بك منكَ لا أُحْصي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ”.

كقوله” لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ”، ومن أدعيته “للَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ”.

  • جوف الليل، “إنَّ أقربَ ما يكونُ الربُّ من العبدِ جوفَ الليلِ الآخرِ فإنِ استطعتَ أن تكون ممن يذكرِ اللهَ في تلك الساعةِ فكُنْ”.

سأل رجل النبي: أي الليل أسمع؟ قال:” جوف الليل الآخر فصل ما شئت”.

وفي قصة سيدنا أبي موسى الأشعري الذي كا ن يقرأ في ليلة توقف النبي واستمع له ثم قال له لما أصبح:” لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ” فقال له: يا رسول الله  لو علمت بمكانك لحبّرته لك تحبيرًا.

فكيف برب العالمين إذا كان الثلث الأخير من الليل وحيث “يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ”.

وفي رواية رائعة لمسلم، “مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلاَ ظَلُومٍ  حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ”.

 فالعبد يخاف أن يقرض العدوم أو الظلوم فهو……..

  • ترك ما يباعد عن الله، “من كان يحبُّ القُرْب من الله، فليترك ما يُباعد عن الله”.
  • الدعوة إلى الله، قال أحدهم (ﺃﻟﺴﺖ ﺗﺒﻐﻲ ﺍﻟﻘﺮﺏ ﻣﻨﻪ ؟ ﻓﺎﺷﺘﻐﻞ ﺑﺪﻻﻟﺔ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﻋﻠﻴﻪ).

ثمرات القرب

  • سكينة المعيّة، ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ))، ((كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ))، ((نَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ))، ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا))، ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))، ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))، ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)).
  • قرب الفَرَج ،  ما ضرنا بُعدُ السماءِ وإن عَلت.. ما دُمت يا ربَّ السماءِ قريبُ.. أتضرُنا أبواب خَلقٍ أُغلقت*!!.. واللهُ نطرقُ بابهُ ويُجيبُ.
  • الدعاء الخفي، ((إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا)) ناداه سرًا لعلمه بقربه، إذ رفع الصوت للجليس القريب مستهجن ولله المثل الأعلى.

ومنه لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير ذات مرة فقال لهم رسول الله:” ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ (أي هونوا عليها) إنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ”.

  • الخوف من القريب، لذلك تخاف الملائكة وهي لا تعصي. لأن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان خوفه منه أشد لأنه يُطالب بما لا يُطالب به غيره، لذا كان أخطر الناس من الملك وزيره لأنه أقربهم منه.

فالقرب تشريف يتبعه تكليف، لذا ضوعف الوزر في حق زائر الحرم وضوعف عذاب مهات المؤمنين.

أمور عملية:

  • التقرّب بالنوافل
  • الدعاء في السجود
  • القيام وقت السحر، لالتماس القرب في أحب الأوقات إليه
  • دعاء بالسر
  • دعوة للخلق، تقريب البِعاد ورد الآبقين وتقريب العباد

البَرّ

يحدثنا القرآن الكريم عن أهل الجنة، فبعد أن يروا نعيمها وما أكرمهم الله به يقولون ((فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)).

لأنهم رأوا وعود البر قد تحققت وكيف استجاب البر دعاءهم وما أدهش ما أعده لهم البر في الجنّة من نعيم و…. إكرام البر لهم رغم ما بدر منهم من تقصير

فذكروا أنهم كانوا يدعوه في الدنيا وذكروا ضمير (هو) لأن ضمير الفصل يفيد الحصر حيث لا يستحق أحد هذا الوصف غير الله تعالى

فهو الذي يعمّ بره، ويدوم برّه فيشمل الدنيا والآخرة

البر هوه العطوف المحسن

والبر هوالإتساع في الإحسان والزيادة لحل فعل الخير

ومنه البرّ ضد البحر، والبريّة الصحراء وسميّت كذلك لاتساعها

ورجل البِر والإحسان هوه الذي تواتر برّه ومعروفه

والبرّ أبلغ من البار كقولنا علّامة أبلغ من عالم

ولاسم الله البَرّ سبعة معانٍ:

الأول: صاحب الإحسان بلا حدود، فما أحدٌ أحسن إلينا مثل إحسان الله ، بل هو قديم الإحسان دائم المعروف ، ((وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ))، ((قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)).

الثاني: الصادق في وعوده، فتقول العرب البَرّ: الصادق

وكم تكررت في القرآن ، ((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ))، ((وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّه))

الإنسان قد يُخلف وعده لأسباب خارجة عن إرادته لكن الله كل الأسباب هي ملكه، وخلقه وعود دنيوية ووعود أخروية كلها لا يُخلفها الله

ودليل إيماننا بوعود الله طبيعة استجابتنا له فحين يقول من قال: “سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ”،وحين يقول “ما نقص مالٌ من صدقةٍ”، “مَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْه”.

الثالث: الكريم الذي لايردّ عبده، لذلك قالها أهل الجنة ((إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ))

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “…………………

إما أن يجيب فورًا ((وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ))

أو يُؤخرها لحكمة ((قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا))

أو يعوضه خيرًا منها

وقد يكون أحيانًا عدم إجابة الدعوة لأسباب متعلقة بالعبد منه ضعف القلب وعدم إقباله على الله مثل القوس الرخو

وقد يكون لموانع منها المال الحرام “يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ”

بالمقابل هناك أصناف لا يردّ الله دعاءهم

“ثَلاَثَةٌ لَا يَرُدُّ الله دُعاءَهُمْ: الذَّاكِرُ الله كَثِيراً، والمَظْلُومُ، والإِمامُ المُقْسِطُ”

“ثلاثُ دَعواتٍ لا تُرَدُّ : دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ ، ودعوةُ الصائِمِ ، ودعوةُ المسافِرِ”

“دُعاءُ الأخِ لأخِيهِ بِظَهرِ الغيْبِ لا يُرَدُّ”

الرابع: الذي يبرّ عبادتك أي يتقبّلها، ومنه الحج المبرور أي المقبول وأصله من البِرّ وهو جماع الخير وحين يبرك الله أي يغمرك ببره جزاء عبادتك

لذلك لا يبخس الله عبدًا عمله كما في الحديث “إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بها في الدُّنْيا ويُجْزَى بها في الآخِرَةِ”.

الخامس: ذو الإحسان المنهمر، ففي الحديث “يدُ اللهِ ملْأَى لا يُغِيضُها نَفَقَةٌ، سحَّاءُ اللَّيْلَ والنهارَ أرأيتم ما أنفَقَ منذُ خلَقَ السماواتِ و الأرضِ؟ فإِنَّهُ لم يَغِضْ ما في يدِهِ”

والسّح: الصب، أي دائم العطاء لذلك علّمنا النبي “إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُم فَلْيُكثِر، فَإِنَّمَا يَسأَلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ”.

السادس: الذي لا يقطع الإحسان بالعصيان، فإن البرّ يكرم أهل المعصية فكيف أهل الطاعة

يكرم العاصي بستره ولو شاء لفضحه

يكرم العاصي بتتابع برّه وإن تغيّر عمله

كما قيل لعاصٍ لك أيام وصال عندنا حفظناها وليتها

يحلم عليه ويمهله ليعود “أطعتنا فأحببناك وعصيتنا فأمهلناك ولو رجعت إلينا قبلناك”.

السابع: المصلح المطهّر، فالأبرار هم الأطهار، فلا يدخل أهل الجنة الجنة إلّا بعد أن يطهّر الله قلوبهم و …… بالابتلاءات والكفارات

لذلك يعلمنا لنبي أن ندعوا “اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْهَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ”.

واسمع لحديث جامع للنبي صلى الله عليه وسلم (45 دعوة في حديث واحد): “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ،وَخَيْرَ الدُّعَاءِ، وَخَيْرَ النَّجَاحِ، وَخَيْرَ الْعَمَلِ،وَخَيْرَ الثَّوَابِ،وَخَيْرَ الْحَيَاةِ، وَخَيْرَ الْمَمَاتِ، وَثَبِّتْنِي، وَثَقِّل مَوَازِينِي، وَحَقِّقْ إِيمَانِي، وَارْفَعْ دَرَجَاتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي، وَاغْفِرْ خَطِيئَتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَخَوَاتِمَهُ، وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ، وَظَاهِرَهُ، وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا مِنَ الْجَنَّةِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ أنْ تَرْفَعَ ذِكْرِي، وَتَضَعَ وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبِي، وَتُحَصِّنَ فَرْجِي، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ أنْ تُبَارِكَ فِي نَفْسِي، وَفِي سَمْعِي، وَفِي بَصَرِي، وَفِي رُوحِي، وَفِي خَلْقِي، وَفِي خُلُقِي، وَفِي أَهْلِي، وَفِي مَحْيَايَ، وَفِي مَمَاتِي، وَفِي عَمَلِي، فَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلَا مِنَ الْجَنَّةِ”.

فادعوه بها

نستخدم اسمهُ البَرّ في دعائنا كما كانت السيدة عائشة تفعل فكانت تقول بعد الآية الكريمة ((فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)) تقول: اللهم منّ علينا وقِنا عذاب السموم إنك أنت البرّ الرحيم (في الصلاة).

أن تكون أنت بارًّا أن تتخلق بصفات البرّ (البرّ لايؤذي الذرّ).

الحق

لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك حين نسمع قول الله وثناؤه على نفسه (فتعالى الله الملك الحق) نقف لنتفيّأ ظلال هذا الاسم الكريم (الحق)

في اللغة هو نقيض الباطل وحقّ الأمر يعني كان فيه يقين، وحقّه أي غلبه، والثوب المحقق محكم النسج، والحق من الإبل الذي يحمل عليه لقوته، والأحق من الخيل الذي لا يعرف لقوته، والحاقة القيامة لأنها تحق كل شيء فالمعنى العام للحق الكامل الذي لا عيب فيه ولا نقصان والله تعالى المنزّه عن النقص والعيب.

والحق له خاصيتان وجوده ثابت والمقصود النافع بالمقابل الباطل: معدوم وليس نافع ولأن الله تعالى واجب الوجود كامل الصفات والنعوت والثابت الذي لا يتغير بل كل شيئ لأجله يتغير وعليه كان هو الحق.

الصوارف عن الحق:

 1- الكبر: حيث عرّفه النبي بطر الحق أي رفضه وعدم تقبله فكان صرف المتكبر عن الحق أبلغ عقوبة (سأصرف عن آياتي اللذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) وكل من ضل وأعرض كان بسبب الكبر وعدم قبول الحق ,ابليس (أنا  خير منه خلقتني من نار)، فرعون (أنا خير من هذا الذي هو مهين)، وأبو جهل (قل له أني عدوّه حيّا وميّتا) لذلك قال النبي الأعظم ” لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبه من كبر”.

2- اتباع الهوى: “أن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل” فأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق وأما طول الأمل فيُنسى الآخره بل اتباع الهوى قائد الضلال (ومن أضل ممن اتبع هواه).

3- الخوف: فكثير يدفعهم الخوف للتخلي من ركب الحق كما حصل مع هرقل حين خاف على ملكه ومات على كفره وكذلك من يخاف الأصحاب وتعليقاتهم.

4- الذنوب: إن القلب بما يغشاه من الذنوب يعمي حتى لا يبصر القلب.

5- صحبة السوء كما في الحديث “ونافخ الكير إما يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة” اي ستجد منه ضرراً مباشراُ أو غير مباشر لذلك حذرنا ابن عباس فقال (لا تجالس اهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب) (لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم).

ورحم الله من قال (فلا تصحب أخا الفسق واياك واياه فكم من فاسق أردى مطيعا حين آخاه يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه وللناس على الناس مقاييس وأشباه وللقلب على القلب دليل حين يلقاه).

6- السكوت عن الباطل: فإنه إن سكت الصالحون عن النطق بالحق التبس على الناس الحق والباطل فيشيع الباطل فيظنونه حق حيث حين يسكت المحقّون ينطق المبطلون فيتعودوا على من يشاهدوه وينكروا ما لم يشاهدوه لذلك أخذ الله العهد على أهل العلم (لتبيننهُ) وجعل أشرف المهام الدعوة للحق (ومن أظلم قولاً ممن دعا الى الله).

7- ترك بعض الحق: يعلّمنا الصديق رضي الله عنه (لست تاركاً شيئاً كان رسول الله يعمل به إلّا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ).

كيف تتقرب إلى الله الحق

1-اعرف الحق: لذلك كان دعاء الصدّيق (اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه ولا تجعلهما متشابهين فنتبع الهوى) فليس الغايه فقط معرف الحق بل الأهم اتباعه لذلك لا يقصّر المؤمن في العمل بالحق ويتمسّك به لذلك اوصى الفاروق عمر (الزم الحق يُنزلك الحق في منازل أهل الحق يوم لا ينفع إلا الحق).

وكثيراً ما يلّبس إبليس على الناس فيعملون بعض الحق ويتركون بعضه يقرأون (يا أيها الذين آمنو كتب عليكم الصيام) ولا يقرأون (يا أيها الذين آمنو كتب عليكم القصاص) ويجهدون في تفسير (إذا قمتم إلى الصلاه فاغسلو وجوهكم وايديكم إلى المرافق) ويتركون غيرها.

2- لا يلتبس عليك الحق: أعظم الخذلان أن تظن نفسك على الحق وأنت على الباطل (قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالاً الّذين ضل سعيهم في الحياه الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً) يساعد على ذلك نشاط  أهل الباطل في تزيين الباطل ويزداد الوضع سوءا سكوت أهل الحق وتقاعسهم عن نشر الحق (وإذا قيل لهم لا تفسدو بالأرض قالوإنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) وأخطر شيء تلبيس الحق بالباطل (ولا تلبسو الحق بالباطل ) وكتمان الحق (وتكتموا الحق).

3- لزوم أهل الحق: فمن علامات اتباع الحق اتباع أهله لذلك أمرنا الله بالصبر معهم (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) وأمرنا بالتواصي به (والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنو وعملو الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

4- الثبات على الحق: كما قال النبي: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” لذلك قالوا: (لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغتر بكثرة الهالكين).

طائفه الحق لا يستلزم أن تكون في بلد واحد كما يقول الإمام النووي، إنما يتصفون جميعهم بهذه الصفة والثبات على الحق سبيل لانتصاره (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه).

5- النطق بكلمة الحق: يقول أبو ذر أوصاني خليلي بسبع وذكر منها (وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرّاً وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم)

دخل ابن أبي ذئب على أبو جعفر المنصور (السفّاح) فقال له إني اسألك عن نفسي فقال لا تسألني فقال أُنشدك بالله فكيف تراني؟ فقال اللهُم ما اعلمك إلا ظالما جائراً يقول الراوي فقام إليه أبو جعفر وبيده عامود فجمعت ثيابي مخافة أن يصيبني دمعه فقال له أتقول هذا لخليفة الله في أرضه فقال له أنك نشدتني بالله يا عبد الله.

ويروى أن السلطان العثماني أرسل الصدر الأعظم للشيخ بدر الدين الحسيني في الشام ليدعوه إلى زيارته فقال الشيخ: لا أرغب ومن شدة هيبته كان معناها انتهى الأمر فودّعه الصدر الأعظم وخرج من الشام لبيروت إلى انطاكية ليكمل إلى اسطنبول فلما وصل انطاكيه كبرت عليه نفسه أن يرفض له الشيخ طلبه فعاد الى بيروت الى الشام ليأخذه فوصل بعد ثلاثة أيام فلما دخل عليه كان الشيخ يصلي فلما فرغ نظر إليه تلك النظره وقال: لم رجعت قال لأقبّل يديك.

غير أن قول الحق للسلطان الجائر لا تعني الفظاظة والغلظة.

دخل أحد الأعراب على هارون الرشيد وقال له يا هارون فقال نعم قال إن عندي كلاماً شديداً قاسياً فاسمع له قال والله لا أسمع قال ولم قال لأن الله أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني وقال (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) (قصة سيدنا موسى وفرعون).

كلمة الحق في الغضب وأصعب منه قبول الحق عند الغضب

من الدعاء النبوي “أسألك كلمة الحق في الرضا والغضب” ولما رأى النبي في رحلة المعراج الجنه (قصوراً أصلها في أرض الجنة وأعلاها في جوف العرش  فقال يا جبريل من يصير إليه ومن يسكنها فقال يسكنها ويصير اليها من يقول الحق ويهدي الى الحق وإذا قيل له الحق لم يغضب ومات على الحق) (سيدنا عمر بن الخطاب).

ولا ندري متى كلمة الحق (أتؤتي أكلها كل حين باذن ربها)

الثقة بوعد الحق (ومن أصدق من الله حديثا) (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفره منه وفضلا).

وعدم الانقياد الى الوهم

التوكل والحق: هنالك ارتباط بين حقيقة التوكل والحق (فتوكل على الله إنك على الحق المبين)

الاستمتاع باليقين: حين تكون نسبة تكذيب الخبر أكبر من نسبة التصديق(وهم) وحين تتساوى نسبة التكذيب مع نسبة التصديق (شك) وحين تكون نسبة التصديق أكبر من التكذيب (الظن) واليقين حيث لا يكون هناك وهم ولا شك ولا ظن وهو الإيمان المطلوب)

(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا)

دعاء الرسول باسم الله الحق “اللهم لك الحمد أنت قيّم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت”.

الحكيم

لمّا عرّف الله تعالى كليمه موسى عن ذاته العلية قال: ((يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)).

ورد اسم الله الحكيم في القرآن الكريم 91 مرة، واقترن مع اسم الله العزيز 46 مرة.

للحكيم عدة معانٍ فهو:

الأول: من الحُكم، أي أنه سبحانه له الحكم دنيا وآخرة، حكام كونية، أحكام شرعية (حلال، حرام)، أحكام جزائية (ثواب، عقاب).

((مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا))

 الثاني: من الإحكام، أي الذي له حكمة بالغة في كل شيئ فلا يقول ولا يفعل إلّا الصواب ولا يأمر ولا ينهي إلا عن علم ومصلحة.

والحكيم من لديه علم دقيق وقدرة كاملة، لذلك يتصرّف بحكمة وكمال، لذلك يقترن اسم العزيز لأن العزة كمال القدرة.

والحكيم يتصرّف بمطلق الحكمة حتى لو لم نعرف نحن الحكمة.

صور ومجالات الحكمة

لله الحكمة البالغة في كل شيء

  • ففي… المشركين والمعاندين حكمة، فيظهر لنا ويعلمنا حلمه وصبره على المخالفين له ونشهد بره وإحسانه بمن خالفه فكيف بمن أطاعه.
  • “ما أحـدٌ أصبر على أذى سمعه من الله؛ يدَّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم”.
  • حكمة الله في بسط الرزق وقبضه، فبسط الرزق وقبضه للعبد ليس دليل محبة أو سخط إنما محض إبتلاء له لإظهار صبره أو سخطه وبالتالي ليعرف العبد (لا الله) إن كان يستحق الإكرام حقّاً في دار الكرامة ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)).
  • حكمة الله في ابتلاء المؤمنين، بقول ابن القيم رحمه الله: (ابتلاء المؤمن كالدواء له، يُستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته فتعلو درجته بالابتلاء).

بل إن الله … يبتلي عباده وصفوته فإنه يسوقهم بالابتلاء إلى أجلّ الغايات وأكمل النهايات التي لا تكون لولا جد الابتلاء والامتحان، فمن المحنة تكون المنحة.

وسُئل الإمام الشافعي: أيهما أفضل من يُمكّن الرجل أو يُبتلى؟

فقال: لا يُمكّن حتى يُبتلى، فإن الله ابتلى أنبياءه فلما صبروا (على الإبتلاء) مكّنهم.

وصدق من قال: أَتَرْجُو أَنْ تَسُودَ بِلَا عَنَاءٍ        وَكَيْفَ يَسُودُ ذُو الدَّعَةِ الْبَخِيلُ

ومن حكمته: تمحيص المؤمن وتخليصه من الشوائب ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)).

فالعوارض والمحن هي كالحر والبرد فإذا علم العبد أنه لا بدّ من ورودهما لا يغضب.

فما نوب الحوادث باقيات                                ولا البؤس تدوم ولا النعيم

كما يَمْضي سُرورٌ وَهْوَ جَمٌّ                                كذلك ما يَسُوْءُك لا يَدُومُ

فلا تهلك على ما فات وجداً                             وَلاَ تُفْرِدْك بالأَسَفِ الهُمُومُ

وإذا علم العبد أن هذه الابتلاءات من قِبَل حبيبه ومولاه فالأصل بالمحبة أن تخفف عنه آلامها.

لئن ساءني أنْ نلتني بمساءة                          لقد سرَّني أنّي خطرت ببالك

ونار الإبتلاء هي أعظم ما يصنع سبيكة العبودية فمن فوائد المحن: استخراج العبودية الحقة والذلّة الخالصة وتذيق لذّة الإنكسار والإفتقار على باب الله.

لذلك كان دعاء المظلوم والمبتلى دعاءً مستجاباً، كما قال سيدنا أبو الدرداء لأخيه سلمان وهو ينصحه (واغتنم دعوة المبتلى).

ويستكمل الإنسان عبودية الضرّاء مع عبودية السرّاء.

والإبتلاء حتم في هذه الدار ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ))، (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)).

حكمة الله في تأخير إجابة الدعاء، ففي تأخير إجابة الدعاء:

  • اختبار للصبر
  • إختبار وحسن الثقة بالله واليقين
  • برهان من الله هو مالك الملك وحده
  • وسيلة لتحقيق العبودية الكاملة في العطاء والمنع
  • إشارة أن لاحق للمخلوق على الخالق
  • قد يكون تحقق الدعاء ضرر بالغ ولرحمة الله لا يجيب
  • إختيار الله خير من اختيارنا لأنفسنا
  • هو يعلم عاقبة الأمور “لا تعلمنِ بما يصلحك”، ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ))، وصدق من قال:

 فكم فائت في فوته لك خيرة … وإدراكه لو نلته لك أعطب

وكم مدرك أمنية كان داؤه … بادراكها والغيب عنه محجب

  • حتى تنقطع الأسباب وتسلّم الأمر لله ((فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ))
  • أن ما تكره قد يأتي بما تحب
  • قد يكون الله عوّض لك بدعائك ما هو خير لك
  • قد يكون الدعاء أضعف من البلاء
  • قد نكون سددنا طريق إجابة الدعاء بأنفسنا “لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ”
  • وقد تكون لإدمان الدعاء (أخروا إجابة عبدي فلان فإني أحب أن أسمع صوته)

المطلوب منا

التسليم للحكيم، الرضا بقضائه وقدره، سؤال الله الحكمة ((وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا))، “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها”.

الحليم

ورد اسم الحليم في القرآن 11 مرة وفي الحديث “إن الله عز وجل حليم حييٌ ستّير).

والحليم في اللغة هو من اتصف بالحلم وهي الأناة ومعالجة الأمور بصبر وحكم عن علم وقدرة فالحليم يضع الأمور في نصابها لذلك اقترنت بالحكمة ولا يتصرف إلا عن علم لذا اقترنت بالعلم (وكان الله عليما حليما) ولا تكون إلا عن قدره, وأشرف الحلم على ما كان هو دونك مع قدرتك على البطش به لذلك قيل للأحنف بن قيس وهو مضرب المثل في الحلم (أأنت أحلم أم معاوية قال إن معاوية يقدر ويحلم أنا أحلم ولا أقدر فكيف أقارن به).

فالحليم يشاهد المعصية والمخالفة فلا يعتريه غيظ ولا يستفزّه غضب ولا يسارع الانتقام والبطش (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة) والحلم أبلغ من الصبر لأن الحلم يكون عن قدره ولا تشترط القدرة في الصبر فقد يكون الصابر عاجزاً والصابر قد يعاقب أما الحليم لا يعاقب لذلك وصف الله تعالى أنه  حليم (أعظم بركة).

من علامات حلم الله عز وجل

  • إمهال الكافرين: كما في الحديث (قال الله: يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له أما شتمه فيقول أن لي ولداً وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني ).

والله تعالى يعلم إساءة عباده ثم يدعوهم إلى التوبة كما في قوله (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق).

  • إمهال العصاة: فمن رحمة الله بعباده وحلمه عليهم أن لا يعاجلهم بالعقوبة بعد إساءتهم وهو الحليم فلا يعاجل عبده بعقوبة ليتوب من عصيانه.
  • امهال الطغاه: وهذا الإمهال ليبلو صبر الصابرين ويُملي للظالم  فتكون حجة على الظالم حين يعاقبه، بل تكون عاقبته في الآخرة أشد (ومرّ رجل صالح برجل مصلوب مظلوم، فرأى في منامه وكأن القيامة قامت ودخل الجنة ورأى المظلوم وإذا منادٍ ينادي: حلمي عن الظالمين أحلّ المظلومين في أعلى عليين) .

قال تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبه ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعه ولا يستقدمون)

بل ورد في الحديث (أن صاحب الشمال ليرفع القلم 6 ساعات عن العبد المسلم المخطئ فإن ندم واستغفر الله ألقاها وإلا سجلها واحدة).

بل إن السماوات والأرض تهم بعقوبه الكفار بسبب خيانتهم ويمنعهم الله من ذلك كما قال (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما أحد من بعده إنه كان حليما غفورا)

  • قبول الأعذار: كما في الحديث (ليس أحدٌ أكثر معاذيراً من الله ) أي يقبل عذرهم ويغفر زلّتهم مهما كبرت أو صغرت.

من صور العمل  على هذه الصفات

  • الحلم على الجاهلين (وأحسن كما أحسن الله إليك) (الراحمون يرحمهم الله) فينبغي أن نحلم ونتذكر حلم الله علينا.

والحلم لايعرف إلّا عند الغضب من يدّعي الحلم أغضبه لتعرفه، لا يعرف الحليم إلا ساعة الغضب وصفه الحلم صفة يحبها الله “إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى الحلم والأناة” وقال “إن الله يحب الغني الحليم المتعفف ويبغض البذيء الفاجر السائل المُلِّح”.

والحلم أرفع من العقل لأن الله تسمّى به وهو خصلة تكتسبه “إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحرّ الخير يُعطه ومن يتقّ الشر يوقه”.

بل الحلم أرفع من كظم الغيظ  إذا كظم الغيظ فهو متكلف وهو تحمّل لا حَلِم والحلم يقي من الذل قال معاوية لرجل شهد عنده: كذبت فقال الأعرابي إن الكاذب للملتزم في ثيابك فقال معاوية هذا جزاء من يعجل.

وكان عمر بن عبد العزيز إذا أراد معاقبة رجل حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه مخافة أن يعجل.

والحلم يكثّر أنصارك على من سفه عليك لأنك حين تردّ عليه تنزل إلى مستواه والحلم لا يأتي إلّا بخير كما قال معاوية ناصحاً قومه (قارعو قريشا بالحلم فوالله إني كنت لألقى الرجل فيوسعني شتماَ وأوسعه حلماَ فارجع وهو لي صديق استنجده فينجدني واثيره فيثور معي).

  • لاتغتر بحلمه
  • استغل حلمه عليك
  • التخلق باخلاقه
  • معامله الناس بحكمة وحلم ليحلم الله عليك

أنا عبدُكَ الجاني وأنتَ المالكُ

إن لم تُسامِحني فإني هالكُ

يا من تداركَ طول جهلي حِلمُهُ

ذُخري لحشري :عَفوكَ المُتداركُ

مولاي اسررتُ القَبيحَ وظاهِري

حسنٌ  وأنت مُحجِب سَتري مالكُ

حسْبي خساراُ أن تراني مُسرفاً

ويَظُنُ هذا الخلقُ أني ناسكُ

الحميد

اسم من أسماء الجمال ورد بالقرآن قرابة 16 مرة لقوله تعالى ((ان الله غني حميد)).

وهو من الحمد: والحمد أعمُّ وأصدق في الثناء والمدح لأن الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله، لكن المدح قد يكون إخبار دون محبة ومعنى الحميد بحق الله عز وجل لها ثمانية أوجه.

الأول: المحمود على كل الأحوال فالله هو المحمود بكل لسان ولا يُحمد على الأحوال كلها سواه، وفيه سمي الحميد وهو لأنه يستحق الحمد بكل الأحوال فيحمد في السراء والضراء والشدة والرخاء.

لذلك كان رسول الله إذا أتاه الأمر يسّره قال الحمد لله الذي بنعمته الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال الحمد لله على كل الأحوال.

الثاني: الحميد حمدُه ويستدعي حمدَه، قال رسول الله: (ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة فقال الحمد لله، إلا كان الذي أُعطي أفضل مما أخذ).

لأن الحمد لله نعمة يستحق عليها تتابع النعم كماورد (ما قال عبد قط: الحمد لله إلّا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول الحمد لله فلا تنفذ نعم الله عز وجل).

وأجمل من قوله (عجبت من قضاء الله عز وجل للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها الى فيّ امرأته) بل يصبح على يقين وحسن ظن. (عجبت للمؤمن: إن الله تعالى لم يقضى له قضاءً إلّا كان خيراً له).

الثالث: الحميد يضاعف ثواب حمدك أضعافاً لا نهائية، علمنا رسول الله: (من قال إذا أوى الى فراشه الحمد لله الذي كفاني وآواني، الحمد لله الذي أطعمني وسقاني، الحمد لله الذي منّ علي وأفضل اللهم إني أسألك بعزتك أن تنجيني من النار فقد حمد الله بجميع محامد الخلق كلهم).

وعلمنا فقال ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار، تقول: (الحمد لله عدد ماخلق الحمد لله ملء ما خلق الحمد لله عدد مافي السموات وما في الأرض الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمدلله عدد ما أحصى كتابه الحمد لله عدد كل شهر والحمد لله ملء كل شيءٍ وتسبح الله مثلهن تعلَّمهُنَ وعلِّمهن عقبك من بعدك).

وكما قال رجل الحمد لله كثيراَ فأعظمها الملك أن يكتبها فراجع فيها ربه فقال اكتبها كما قالها عبدي.

الرابع: يحمد عمل العبد ولو كان حقيراً، فالله يمنح الثواب الجزيل لأعمال نظنها صغيرة كما في الحديث (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخرّه فشكر الله له فغفر له)، و من العادات اليومية من أكل طعامًا ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطّعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه ومن لبس ثوبًا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول ولا قوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

الخامس: المحمود على كمال شرعه

فهو الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره فرتب لنا من أمور الشريعة ما فيه صلاحنا وحياتنا ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)).

السادس: المستحق للحمد ولم يحمده أحد.

فالحمد أبلغ من المحمود لأنه يستحق الحمد كما الحبيب أبلغ من المحبوب أن صارت له صفة لازمته.

السابع: حمد يتجاوز حدود الزمان والمكان.

فربنا علمنا فقال ((وله الحمد في السماوات والأرض عشية وحين تُظهرون)) وقال ((وله الحمد في الأولى والآخرة)).

حيث يحمده أهل الجنة ابتهاجا بفضله والتذاذًا بحمده ((الحمد لله الذي أذهب عنّا الحَزن)) ((الحمد لله الذي صدقنا وعده)) فيلهم أهل الجنة التحميد كما تلهمون النفس لأنه من أكثر الحمد هنا في كل الأحوال أنعم الله عليه الحمد هناك مشرف الأحوال.

الثامن: الذي لا يضاف الشر إليه بحال من الأحوال.

لذلك ورد في الحديث (والشر ليس إليك) فرغم أن الله خالق الخير والشر لكنه لا ينسب له الشر ولا يتقرب به إليه وليس مما نراه نحن شرًا إلا له حكمه عند رب العالمين.

فادعوه بها

كثرة حمد الله وشكره

(أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرّك بأيهِنَّ بدأت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)

لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.

وعلم النبي أم هانىء بنت عبد المطلب أن تقول : (سبحي الله مائة تسبيحة فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة تعدل لك مائة فرس مسرجَةٍ ملجمةٍ تحملين عليها في سبيل الله وكبري الله مائة تكبيرة فإنها تعدل لك مئة بدنة مقلّدة متقبلة وهللي مائة تهليلة تملأ ما بين السماء والأرض ولا يرفع يومئذٍ لأحد عمل إلا يأتيَ بمثل ما أتيتِ)

حب الله: فثمرة كثرة الحب الحمد

التواضع: فإذا سمع مدح الخلق له يحمد الله أن ستر عن عيونهم عيوبه، وأطلق ألسنتهم بحمد الله

شجّع غيرك: بأن تشكر للآخرين صنيعهم وتشجيعهم على الإحسان والإيجابية

الشكور

ورد اسم الله الشكور أربع مرات، و اسم الشاكر مرتين، و في ثلاث من أصل أربع مرات، إقترن مع اسم الغفور.

((و إنه غفور شكور))

((إنه لغفور شكور))

((إن الله غفور شكور))

وللشكر ثلاث معان:

المعنى الأول:

 الزيادة الظاهرة فيقال أشكر الضرع (أي امتلاء لبناً)، والله شكور الذي يرضى بليسر من الطاعة، ويجازي عليها الجزاء الكثير.

يضيع العمر عُشره في الطفولة، وثلثه في النوم، ونصفه في الطعام، والانتظار والواجبات، وما يبقى منه للطاعه يثيب عليه نعيمٌ خالد، فيعطي الثواب العظيم لعبادات بسيطة مثل صيام يوم عرفة يكفّر سنتين.

المعنى الثاني:

الشكر بمعنى الثناء، فهو يمدح من يطيعه ويثني عليه، ويعطيهم ابتلاء ثم يشكر لهم إذا اوّفوا.

قال تعالى ((الذين ينفقون من أموالهم بالليل والنهار….))

ستر عيوبهم عن الناس، وأطلق ألسنة الحلق يمدحهم، ألهم عباده ذكره ثم مدحهم وكافأهم عليه.

وهنالك أحاديث تشهد بذلك

اسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك في الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له)

(بينما كلب يطيف بركيه كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته فغفر لها به)

(جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ)

(دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في سبيلِ اللَّه، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في رقَبَةٍ، ودِينَارٌ تصدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذي أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ)

المعنى الثالث:

الشكر بمعنى الظهور.

فالشكور لا تخفى نِعَمه ولا تغيب جمائله، فهي حولنا و تحط بنا و تغمرنا

“*كانت صفة للنساء”

وترك الشكر تؤدي الى الهلاك* “و تكون العشير” فكانت سبب دخول النار.

ذلك قالوا “كل نعمة لم يُشكر الله عليها فهي بلية”

“هو المحسن قديماً وحديثاً إليك، وشكره أيسر من مكافأة عبده إذ رضي من العباد بلحمد شكراً”

والإعتراف بالعجز عن الشكر شكر، كما قالها موسى الكليم: يارب كيف أشكرك وأصغو نعمة أنعمت بها علي لا أستطيع شكرها، فقال اليه: الآن شكرتني، وفي رواية وشكرك نعمة تستوجب الشكر، وقال: ولو إنّ لي في كل منبت شعرة … لساناً يبث الشكر كنت مقصراً.

و شكرالله ليس مجازاة له، ففضله أعظم من أن يُحصى و رحم الله ابا الدر حين قال (كم من نعمة لله تعالى  في عرق ساكن)

ولهذا كان الإنسان يعتاد النعم فينسى قدرها فضلاً عن الشكر بنعمها.

وشهود النعمة فقط في الاكل و الشرب و دليل قلة الفقة.

(فإن من لم يرَ نعمة الله عليه إلا في مأكله ومشربه وعافية بدنه فليس له نصيب من العقل البتة)

ورحم من قال”كُنْ لِنِعْمة الله عليك في دينك، أشْكَرُ منك لنعمةِ الله عليك في دُنْياك”

والشكر انما يكون بالعمل ((واعملو آل داود شكراً))

كأن تنفق شكراً أو تصوم نفلاً  يوم نجّى الله فيه موسى من فرعون أمر بصيامه.

وأن لا نستعمل نعمه في معصية فيقول الامام الجنيد “أن لا يُستعان بشيءٍ من نعم الله على معاصيه”

وكان من دعاء عمر بن عبد العزيز:

(اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرًا، أو أكفرها بعد معرفتها، أو أنساها فلا أثني بها)

ولكل عضو و جارحة شكر بأن تستخدمها فيما خُلق لأجله، ومن الشكر التحدث بنعمة الله ((وأما بنعمة ربك فحدث)).

ومنه الحديث (من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره).

وقال النبي (التحدث بنعمة الله شكر و تركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير).

ولعطاء الله ميزات عن عظاء البشر، فعظاء الله لا لمصلحه له بل لنا، وعظاء الله لا يحتاج إليه ولا يُفقره ولا يعوزه وليس كالبشر.

ومن صور الشكر وأبوابه عدم استقلال العمل الصغير: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى اخاك بوجه طليق) وفي رواية (ولو ان تفرغ من دلوك في إناء المستقي).

وهذه الأمور التي قد لا نفعل بها كثيراً قد تدفع عنا مصائب كبيرة.

وعلمنا النبي ذلك حين ردّ حال ابن ربيعة المخزومي بعد حنين فقال له: (بارَكَ اللهُ لك في أهلِك ومالِك، إنما جزاءُ السَّلَفَ، الحمدُ والأداءُ)

وكم تنادي الادارة الحديثة اليوم ولو بدقيقة شكر واستعراض وإبراز للإنجازات والإشادة بها كل ييوم.

بل حتى مع البهائم أُمرنا أن نشكر لها كما في الحديث “بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا أَوْ بِئْسَمَا جَزَتْهَا إِنَّ اللَّهُ نَجَّاهَا لَتَنْحَرَنَّهَا”

و كما في الحديث: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء).

ومن صور الشكر المطلوب الاتصاف بهذه الصفة و شكر الناس لذلك كان للكلمة الطيبة أجر الصدقة.

وشكر أصحاب المعروف على معروفهم يُشرك بلأجر كما قال المهاجرون للنبي عن ذهاب الأنصار بلأجر فقال (لا ما دعوتم الله لهم و اثنيتم عليهم)

ومن صور القيام بحق الشكر: الشكر على قليل النعم لتكون بوابة للمزيد قال تعالى ((ولئن شكرتم لأزيدنكم)).

وعدم الإنصاف بلجحود كما وصف الله الإنسان في معرض الذم ((إن الإنسان لربه لكنود))

ومن صور الشكر الإنفاق من النعمة.

ومن صورها كثرة الشكر بللسان ودوام الحمد في السراء والضراء كما في الحديث (كَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا أَتَاهُ الأمْرُ يَسُرُّهُ، قَال (الحَمْدُ للـهِ الَّذِي بِنِعْمَتهِ تَتِمُّ الصَّالِـحَاتُ (وإذَا أتَاهُ الأمْرُ يَكْرَهُهُ، قَالَ: الـحَمْدُ للـهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)

ورحم الله من قال: “اذا كان الحمد خاتمة النعمة كانت فاتحة المزيد”.

وحين قال الله: (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد).

جعل الشكر بصيغة المضارع بدلالة على الحال والاستقبال فكان الشكر متجدداً ودائماً.

وجعل الكفر بصيغة الماضي اذا لا يرضى الله لعباده تجدد الكفر والجحود.

واجمل دعاء تعلّمناه.

((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ))

((اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك))

الغفور

((نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))

ورد اسم الغفور 91 مرة واسم الغفار 5 مرات

المعنى اللغوي: أصل الغفر التغطية والستر، ومنه المِغفر: حِلق يتقنّع به

فالغفّار هو الذي يستر ذنوب عباده ويسدل عليهم من رحمته وعطفه

فيستر خواطر العبد المذمومة، وسلوكاته عن أعين الخلق.

ومن لطائف الغفور أنه يستحسن عمل العبد ويُعجب به حين يخرج عن نظائره كما في الحديث “إن ربك ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي ذنوبي قال علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري”.

فيجعل لهذا العمل الثواب الجزيل، ساتراً ما كان من هذا العبد، قال تعالى: (من عَلِمَ أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرتُ له ولا أُبالي ما لم يُشرك بي شيئًا)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم وهوه المعصوم دائم الإستغفار وكان يقول “إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ”.

 وكانوا يعدون له في المجلس الواحد “ربِّ اغفر لي، وتُب عليَّ، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الغفور” مئة مرة ويقول “ربِّ اغفر لي، وتُب عليَّ، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ”

وعند النوم يقول “بسمِ اللهِ وضعتُ جنبي اللَّهمَّ اغفر لي ذنبي وأخسئ شيطاني، وفُكَّ رِهاني وثقِّل ميزاني واجعَلني في النَّديِّ الأعلَى”.

وهناك فرق بين الإستغفار والتوبة، فالإستغفار هو طلب المغفرة والمغفرة تتضمن الستر ثم إزالة أثر الذنب والوقاية منه

فمغفرة الذنب تعني وقاية شرّ الذنب فلا يُعاقب عليه.

الإستغفار طلب وقاية شر ما مضى من السيئات.

التوبة طلب وقاية شر ما يُستقبل منها لأن التوبة ندم وعزم على عدم العودة.

الاستغفار طلب إزالة آثار الذنوب من الله.

التوبة سعي العبد لإزالتها بالفعل.

فالمذنب مثل من يسلك طريقاً تؤدي الى ضلالته فمن أراد النجاة فإنه يتوقف عن المسير في طريق الهاوية وهذا هو الإستغفار ويرجع الى طريق غيره وهذه هي التوبة

لذلك يقول الله تعالى ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)).

وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ن نستغفر في كل حال … له

  1. عقب الخروج من الخلاء، “كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ اَلْغَائِطِ قَالَ: غُفْرَانَكَ”، [وكأنه رأى مدة لبثه من غير طاعة تقصير يلزمه استغفار] وكأنه تقصير في شكر هذه النعمة.
  2. بعد الوضوء، لحديث “من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقٍ، ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة”.
  3. في الركوع والسجود، فكان يقول: “سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي”.
  4. الجلوس بين السجدتين فكان يقول: “ربِّ اغفِرْ لي، ربِّ اغفِرْ لي” وكان يقول “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، وَارْفَعْنِي”.
  5. وعقب كل طاعة، (فإن العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع أن يقوم لله بالحق الذي أوجبه عليه فما يسعه إلا الاستغفار والتوبة عقيب كل طاعة).
  6. في الأسحار، مدح الله المؤمنين ((وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)).
  7. في ختام كل مجلس، مَنْ قال: “سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ، سبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ، فقالها في مجلسِ ذكرٍ كانَتْ كالطَّابعِ يُطبعُ عليهِ، ومَنْ قالها في مجلسِ لغوٍ كانَتْ كفارةً لهُ”.

ومن أسباب المغفرة

 رفع الأذان، لحديث “إنَّ اللهَ و ملائكتَهُ يُصلونَ على الصفِّ المقدَّمِ، والمؤذِّنُ يُغْفَرُ لهُ مَدَى صَوْتِه، ويُصَدِّقُهُ مَنْ سمِعَهُ من رطبٍ و يابسٍ، ولهُ أجرُ مَنْ صلَّى مَعَهُ”.

الصلاة، لحديث “إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة”.

ومن صور التيسير، “غَفَرَ اللهُ لِرَجُلٍ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ، كَانَ سَهْلًا إِذَا بَاعَ، سَهْلًا إِذَا اشْتَرَىٰ، سَهْلًا إِذَا قَضَىٰ”.

ومن موجبات المغفرة

الإكثار من الحسنات، ((إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ))، ((وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ)).

العفو من المسيء، ((وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)).

والستر على الناس، (فلولا سَتْرُ الله ما جالسنا أحد)

وعلّم الصديق دعاءً يقوله عقب التشهّد: “اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا، وَلا يَغْفِر الذُّنوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِر لي مغْفِرَةً مِن عِنْدِكَ، وَارحَمْني، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفور الرَّحِيم”.

ومما يغفر الذنوب ويوجبها، انظار المعسر، حيث يقول الله عز وجل: أنا أحق من يسر فغفر له.

من آداب الإستغفار

  • أن يكون جازماً واثقاً بالله لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث ” ‏إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ ‏ ‏لِيَعْزِمْ ‏‏الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا ‏ ‏يَتَعَاظَمُهُ ‏ ‏شَيْءٌ أَعْطَاهُ”.

وإلا فإن عدم الجزم فكنه ليس لذلك أهل، كما قال رجل لمعن بن زيد قال: فقال: اطلب لها رُجيلاً.

  • أن يكون شاملاً، فعلمنا النبي الكريم في دعائه “اللهمَّ اغفِرْ لي خطيئَتي وجَهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلمُ به مني، اللهمَّ اغفرْ لي خطَئي وعَمْدي، وهَزْلي وجِدِّي، وكلُّ ذلك عندي، اللهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، وأنت على كلِّ شيء قديرٌ”
  • إكثارٌ متعلّم، روى مكحول عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: (ما رأيت أكثر استغفارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وقال مكحول: ما رأيت أكثر استغفارًا من أبي هريرة رضى الله عنه، وكان مكحول كثير الاستغفار.

حتى قال سيدنا أبو هريره رحمه الله (إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر ذنبي).

  • إستغفار متواضع، إن رجلا قال: (والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك).
  • إستغفار وقائي، “اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم”.

لذلك الإستغفار العام يحتاط به العبد من الذنب مثل وقوعه، فيهذّب نفسه ويكبحها.

الإستغفار الخاص يبادر به العبد اذا وقع في المعصية وزلّ وتابع الشيطان، فيعتصم… به.

اللطيف

ورد اسم الله اللطيف في القرآن في 7 مواضع اقترن في خمس منها مع اسم الله الخبير لأن هناك ارتباط وثيقا بينهما.

من معاني اللطيف

الأول: العالم بدقائق الأمور فالشيء الدقيق الخفي الذي لا يُحسّ به يسمى في اللغه لطيفاً قال تعالى (يا بني انها إن تك مثقال حبه من خردل فتكن في صخره أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) وكلما ازداد علم المرء يصبح أكثر لطفاً مثل الأم التي تعرف أن ابنها لم ينم لمرض أو دراسه تكون لطيفه إذا دخلت غرفته وليس مثل أخوه.

هناك علم عام وعلم دقيق، هناك اشياء لا نراها بالعين المحسوسه لصغر حجمها، الخلايا العصبيه في الدماغ تبلغ 100 مليار خليه في الدماغ والحيوانات المنويه تبلغ 40 مليون حيوان منوي في القذفه الواحده والأوعيه الدمويه يبلغ طولها 20 ألف ميل. وهذه أشياء يعلمها الانسان فكم يبلغ علم الله فاللطف علم بدقائق الأمور فذلك لا يأتي إلا عن خبره لذلك فالله لطيف لا تخفى عليه خافيه بل يصل علمه الى كل خفي.

الثاني: لطف وجود الله فالله من لطفه لا تحسّ بوجوده فلا تراه ولا تسمعه لكنك تستشعر بوجوده كذلك الملائكه يراقبونك ويسجلون عليك  ولكنهم في غايه اللطف فلا تشعر بهم ولا تشتغل بوجودهم ومن لطفه أنك لا تسمع أنفاسك المتردده ولا ضربات قلبك ولو سمعتها لما طاب لك شيء.

الثالث: يوصل احسانه في رفق فهو يعلم دقائق المصالح وما دون منها ثم يسلك بك سبيل الرفق بالفعل فاجتماع لطف الدراك ولطف الفعل كمال لا ينبغي إلّا لله.

الطفل الصغير لو نبت اسنانه الدائمه منذ ولادته لكان شكله شنيعاً جدا فتكون الأسنان اللّبنيه لكان تبديلها يحتاج إلى عمليه جراحيه وآلام ومخدر لكن اللطيف يجعله يذوب في الفم حتى يخرج مع الطعام دون أن يشعر.

بعلم الله ما ينفعك وما يضرك ولا يأتي منه إلّا الخير أحياناً يريد الأحباب المنفعه فيسببون ضرراً غير مقصود (كم قد رأيت مساءه من حيث تطمع أن تُسرّا ولربما طلب الفتى لأخيه منفعه فضرّه) فالله وحده قادر على ايصال المصالح لك بل رتب قواعد شرعيه على اللطف بالعباد والتخفيف عنهم (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (يريد الله أن يخفف عنكم) وقرر العلماء قواعد أصوليه مثل المشقه تجلب التيسير (الضرورات تبيح المحظورات) يعطي الناس فوق ما يحتاجون ولا يكلفهم إلّا بما يطيقون، جعل العبادات في أقل حدودها صيام شهر من اصل 12 شهر وزكاه 2.5% وكله من لطف الله بعباده.

الرابع: اخفاء الإحسان فهو يلطف بعباده ويحقق لهم مصالحهم دون أن يشعرو حتى فكم من مظاهر حولنا لهذا الاحسان الخفي، كثير من الحشرات والطيور والزواحف من حولنا لها من الفوائد ما لا نعرفه الخفافيش تأكل ما مجموعه 20 طن من الحشرات الطائره خلال الليل الذباب والبعوض يزيدوا من مناعه الأنسان خاصه الأطفال النحل وغيره من الحشرات الطائره تساعد في تلقيح الزهور وكم حاول الإنسان التدخل في توازن البيئه، لما حاول القضاء على الفئران في قريه، هاجمتها لاحقاً الأفاعي التي كانت تتغدى على تلك الفئران، وحاولو نقل ضفادع الخيزران من أمريكا اللاتينيه إلى استراليا للقضاء على الخنافس التي كانت تهاجم محاصيلهم غير إنها تسبب بموت وتهديد وانقراض كائنات كثيره على رأسها التماسيح.

ومن خفيّ لطفه إخفاء العاقبه في الأخره فلا يتكسل أهل الجنه ولا يتصعد عن العمل أهل النار  ومنه إخفاء أجله فلا يستوحش القرب أجله ومن لطفه نسيان الإنسان لما اقترف من أعمال.

(وكم لله من لطف خفي* يدفع خفاه عن فهم الذكي* وكم من يسرٍ أتى من بعد عسر*ٍ فخرج كربه القلب الشجي *وكم  امر تُساء به صباحا *وتأتيك المسرّه بالعشي *اذا ضاقت بك الأحوال يوما* فثق بالواحد الفرد العليُّ) ومن لطفه ما يكتبه على عبده من ابتلاءات ومن لطفه تعريف عبده بالأجر ليصبر ويحتسب (من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف) حتى ورد بالحديث الشريف: (ليودّ اهل العافيه يوم القيامه أن جلودهم قرضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء).

ومن خفيّ لطفه أن يصرف عبده عن المعصيه مع وجود أسبابها وأن يوفّقه للطاعه مع غياب اسبابها وأن يجعله يستعصم بالدعاء عند الشدائد .

وكل صور اللطف هذه تجلت في قصه سيدنا يوسف عليه السلام وما أجملها وما أعجبها وما أعظمها من قصه  لذلك سمّاها الله (أحسن القصص). سوره بدأت بحلم وانتهت بتفسير الحلم فالشيء الجميل قد تكون نهايته سيئه، والشيء السيء قد تكون نهايته جميله فيوسف يحبه أبوه وهو شيء جميل فتكون النتيجه غيرهُ إخوته وهو شيء سيء فيُكرم ويصبح بمثابه ابن العزيز وهو شيء جميل بعد تلك الروعه يدخل السجن وهو شيء سيء ليخرج من السجن ويصبح عزيز مصر وهو شيء جميل.

يوسف تهيأت له ظروف المعصيه (وغلّقت الأبواب) لكنه بلطف الله لم يقع فيها وصرف عنه أسبابها رغم أنها كانت مهيأه متاحه فوُفّق للعفه رغم غياب أسبابها ثم اعتصم بالله بالدعاء فنجّاه الله مما كان فيه ويعلّق سيدنا يوسف في الختام (إن ربي لطيف لما يشاء) ورد اليأس في سوره يوسف 3 مرات (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيّا) (ولا تيأسو من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون) (حتى إذا استيأس الرسل وظنو أنهم قد كذّبوا حتى جائهم نصرنا).

فهذه سوره يوسف تعلمنا أن لا ييأس رغم كل الظروف لذلك قال عنها أهل العلم (ما سمع سوره يوسف محزون إلا استروح منها).

وكان يمكن أن يموت في البئر او يكون وحيدا طول عمره ولكن (إن ربي لطيف لما يشاء)

لولا تآمر إخوه يوسف لما ألقي في الجب، ولولا إلقاؤه في الجب لما أخذه السيّاره، ولولا أن السياره زهدوا به ما باعوه لعزيز مصر، ولولا بيعه لعزيز مصر ما راودته امرأته عن نفسه ,ولولا مراوده امرأه العزيز لما دخل السجن، ولولا دخول السجن لما التقى بصاحبيه، ولولا تأويله رؤياهما ما وصل إلى الملك، ولولا وصول الملك لما صار عزيز مصر.

فعندما يريد الله تيسير امر ييسر له أسبابه ولو خَفِيت عنا مثل قصه القاضي اللذي حاول تنفيذ حكم الاعدام بأشخاص لكن شاءت حكمه الله ولطفه أن يخرجوا براءه رغماً عنه.

أو شرطي المرور الذي أراد وأصرّ على كتابه مخالفه سير ثم لما نزع الورقه انتزعت معها المخالفه كلها، لطف متعلق بالمشيئه، ومشيئه مرتبه بالحكمه، وحكمه لا تنفك عن الرحمه.

والبلاء حسب قوه المبتلى فالبئر مناسب للطفل، والسجن لا يقوي عليه إلّا يوسف النبي والمُلك لا يفتن يوسف الصديق.

ورحم الله من قال: (نبي الله يعقوب * بكى أسفاً على ولدِ * وكان الله يرعاه * وكان الخير في البُعدِ * فأنفذ من مجاعاتٍ * وأطلعنا على كيدِ * وصار وزير أمهٍ * ولم يك في خلد * ابراهيم يسكنه بواد غير ذي زرع * فيرعاه له الله * تعالى خير مسترعٍ * وحين يريد ذبحه * يجيب اباه أن أطعٍ * ويرزق منه أمتنا * فأين قلوبنا لتعي * وموسى لم يطق صبرا * على خضر وما أمرا * فصوّر خَرقه إمَرا * وصوّر قتله نُكرا * وقال له ألم نأخذ * على بنياننا أجرا * فأطلعه على حكم * وكنت أود لو صبرا * لئن خُرقت لنا سفنا * لكي ننجو ألا نصبر * ولئن مالت لنا جُدرٌ * سيبنيها لنا الأكبر *  قضاء الله لنا خير * فهل من أعين تبصر * فلا تجعل لكي يُقضى * فإن الله لا يعجل).

فادعوه بها:

أولاً اللطف بالمسلمين والرفق بهم: (يا عائشه إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه).

ألا أخبركم عمن يحرم على النار ومن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهل (مثال على اللطف مع الخلق).

ثانياً المحاسبه والمراقبه: فمن يعلم أن الله مطلع على دقائق الأمور فالأولى به أن يديم التوبه والإستغفار والمحاسبه والمراقبه.

ثالثاً أن تحب الله: لما نشهد من لطفه كما حصل مع مجوسي واستضافته سيدنا ابراهيم فقال له إن اسلمت أُضيفك فأوحى الله إليه (يا ابراهيم منذ 90 سنه أطعمه على كفره، فأخبر المجوسي فأحب الله من لطفه فأسلم.

مثال على اللطف مع الخلق: دخل رجل إلى مسجد فأحدث ضجيجا وشوش على المسلمين لانه كان يريد اللحاق مع النبي بالركعه فلما انتهى قال له عليه السلام :(زادك الله حرصا لا تعد).

وصلى رجل مع النبي فسمع رجلا يعطس فقال له: يرحمك الله يقول: فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أميّاه ما شأنكم فجعلو يضربون بأيديهم على أفخادهم قال فلما رأيتهم يضمونني سكت فلما صلى رسول الله بأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وقال: (إن هذه الصلاه لا يصلح منها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءه القرآن).

رابعاً الرضا بقضائه والتوكل عليه: (من عرف خفي لطف الله  رضي بفعله على كل حال) فأنت حين تذكر فعل الله فيك فيما مضى فالأولى أن تسلّم له فيما سيأتي.

يقول الشعراوي: تستريح في الطائره ولا تعرف قائدها، وتستريح في السفينه ولا تعرف قبطانها، أفلا تستريح في حياتك وأنت تعلم أن الله يدبرها.

وقالو من صح تفويضه يصير بين العطف واللطف

خامساً الذل والإنكسار: تضاعف ما أمكنك فإن اللطف مع الضعف أكثر فكلما لطف الله فيك أظهر ضعفك إليه (إنما الصدقات للفقراء والمساكين).

الهادي

حين واجه كليم الله موسى عدوه فرعون وسأله عن الله قال: ((قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ)).

أي ان الله تعالى هو الموجد للبشر، الهادي لهم، أعطى كل شيئ، صورته وهيئته ثم هداه لما خلقه له.

فأول نعمه يمنحها الرب نعمة الإيجاد، ثم أعظم نعمة يعطيها نعمة الإمداد.

وقد ورد اسم الهادي في القرآن الكريم بقوله تعالى: ((وإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)) وقوله: ((وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)).

والهداية: هي دلالة بلطف، فالله الهادي هو من يهدي عباده إليه ويدلهم عليه وعلى أعمال الخير المُقرِّبة لهم منه.

أنواع الهداية

الهداية أربعة أنواع:

  • هداية عامة مشتركة بين الخلق، إيجاد ثم إمداد.
  • هداية البيان والتعريف بالخير والشر، وهذه لاتستلزم الهداية التامة. كما قال عن ثمود ((وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ)).
  • هداية التوفيق واللإلهام، المراد بقوله (( يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)).
  • غاية الهداية معرفة طريق الجنة لا النار

والهداية من أعظم مطالب سعادة الإنسان لذلك أمرنا الله تعالى أن نطلبها في كل صلاة ((إهدنا)) وأن نسأله الثبات بعد الهداية ((رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)) وأوضحها تماماً فقال: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم).

هنالك هداية دلالة وإرشاد، كما هي وظيفة النبي الأعظم وكل من سار على نهجه، ((إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)).

ودور القرآن الكريم في حياتنا ((إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)).

وفيها قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن القرآن: “مَنْ جَعَلَهُ إِمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ”.

وهنالك هداية التوفيق والسداد وهي الخاصة بالله تعالى ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)).

وقد إقترن اسم الهادي بالنصير((وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)) لأن الهداية تلتزم النصر والتوفيق والتأييد.

مفهوم الهداية الشاملة

والهداية تتفاوت في درجاتها ومراتبها إذ هي عشر مراتب تدخل كلها في دعاء (إهدنا)

الأولى: هداية العلم والبيان، بأن ندرك الحق (كالعلم بفريضة الصلاة)

الثانية: أن يُقّدره عليه، (أن يقَّدر ببدنه على القيام بواجب ربه)

الثالثة: أن يجعله مُريداً له، (أن يرزقه الرغبة فيها والعون عليها)

الرابعة: أن يجعله فاعلاً لها، (فيصلي فعلاً)

الخامسة : أن يثبّته عليها فيستمر بها، (فكثير من يصلي ولا يستمر)

السادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض، (فلا يشغله عنها)

السابعة: أن يهديه هداية أخص من الأولى (فيطلب الخشوع وال…)

الثامنة: أن يشهد المقصود منها فيذوق الحِكَم والأسرار

التاسعة: أن يشهده فقره إليه (فلولا الله ما اهتدى)

العاشرة: أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريق الهداية وهم أهل الغضب الذين عدلوا عن إتباع الحق قصداً وعناداَ، وأهل الضلال الذين عدلوا جهلاً وضلالاً.

مفاتيح الهداية

  • المجاهدة، بدليل ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) فالمجاهدة مفتاح الهداية. تكون المجاهدة بالصبر على الطاعات والبعد عن المحرمّات والمغريات.
  • التقوى، فالتقوى من مافاتيح الهداية بدليل ((هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)) فالمتقين يحصلون مراتب الهداية وثمراتها.
  • الأعتصام بالله، بدليل ((وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)) فمن لم يهده الله فمتى يعتصم بالله. وحقيقة الإعتصام صدق اللجوء إلى الله ودوام الفرار إليه ((وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ)).
  • التخلي عن موانع الهداية فتكون أعظم عقوبة لهم هي حرمان الهداية والعياذ بالله. والموانع أربعة:
  • الكفر، ((وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ))
  • الظلم، ففي القرآن 6 آيات ((وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) و4 إيات ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) فعقوبة الظالم لنفسة أو لغيره حرمان الهداية.
  • الفسق، ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)) ((وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)).

فالهداية تجرّ الهداية والضلال يجرّ الضلال، أعمال البر تثمر الهدى وأعمال الفجور بالضد كذلك.

  • الكذب، ((أن الله لا يهدي من هو كاذب كفّار)).
  • الدعوة إلى الله، حيث يجازي الله من اشتغل بخداية الناس بمزيد من الهداية له حيث ((هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)). لذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم “وجعلنا هداة مهدتدين”.

ومن مفاتيح الهداية الدعاء

الأول: ما نقرأ بالفاتحة ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) وجوابه ما يقول الله تعالى (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

الثاني: “اللَّهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلِفونَ اهدِني لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ”.

الثالث: “اللَّهمَّ اهدني لأحسنِ الأخلاقِ لا يَهدني لأحسنِها إلَّا أنتَ ، وقني سيِّئَ الأعمال والأخلاق لا يقي سيئَها إلا أنتَ”.

الرابع: دعاء القنوت “اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ…”.

الخامس: ما علّمه النبي لسيدنا علي قل:”اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ”. فالله هوه يهدي للطريق، والسداد المطلوب الأكيد الدقيق كالسهم.

السادس: “اللَّهُمَّ إِنِي أَسْأَلُكَ الهُدَى، وَالتُّقَى، وَالعفَافَ، والغنَى”.

السابع: “اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي وَاجْعَلْنِي هَادِياً مَهْدِيَّاً”.

الثامن: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ”.

وكما أن التوبة توبتان: سابقة ولاحقة، أولى وآخرة كما في قوله تعالى ((ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا))، كذلك الهداية هدايتان ((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)) فأنعم عليهم ففتح لهم باب الهداية ثم أنعم عليهم بها.

الودود

((وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ))

معنى الودود

الود: محبة الشيئ وتمنّي كونه.

المودة: المحبّة، ((وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)).

وتأتي بمعنى التعلق فالودود هو الوتد الذي يلازم الخيمة ويتعلق بها.

فالودود صيغة مبالغة على وزن فعول بمعنى فاعل، فهو الذي ودّ أهل الإيمان فلا يفعل بهم إلا الخير ولا يعطيهم إلا ما ينفعهم ولا يحرمهم إلا ما يضرهم.

المعنى الثاني، المحبوب على وزن فعول فالودود هو المودود الذي تحبه النفس لكثرة إحسانه، وليس أحد يستحق الحب الحقيقي لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته إلا الله فالودود هوه المحب المحبوب

والمعنى الثالث، الذي يضع محبة عباده في قلوب خلقه مصداق قوله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا)) وهم الذين ودّهم الله وحبهم حتى فاضت محبتهم على قلوب من حولهم كما قال النبي ﷺ ((إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)).

((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)): ليس العجيب من قوله ((ويحبونه))، إنما العجيب من قوله ((يحبهم)) فليس العجيب من فقير مسكين يحب محسنًا إليه، إنما العجيب من محسن يحب فقيرًا مسكينًا. وقالو: ليس الشأن أن تُحب، ولكن الشأن أن تُحَب.

فما هي ثمرات محبة الله تعالى لك

  • ان يدافع عنك، ((من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب))
  • أن لا يُعَذِّبُ أحبابه ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ)) والله لا يلقي حبيبه في النار.

كيف الوصول الى ودّ الودود

  • إتباع النبي، ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه)).
  • المداومة على النوافل بعد الفرائض، “وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ”.
  • “وَجَبَتْ محبتي للمُتَحابِّينَ فِيَّ، والمتجالسين فِيَّ، والمتزاورين فِيَّ، والمتباذِلين فِيَّ. وفي روايةٍ قال : يقولُ اللهُ – تعالى – : المتحابُّونَ في جلالي؛ لهم مَنابِرُ من نورٍ يَغْبِطُهم النبيونَ والشهداءُ”.
  • قوة الإيمان والأبدان، “المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”.
  • من خصال حُسن الخٌلق، “من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا أؤتمن، وليحسن جوار من جاوره”.
  • صفات يحبها الله، “إن الله يحب العبد التقيّ الغنيّ الخفيّ”
  • أن تؤثر الله على ما تحب، “ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله، ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه، والذي له امرأة حسنة، وفراش لين حسن فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوته فيذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر، وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في سراء وضراء”.

وما قيمة ان يضحك الله له، “وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه”.

مقياس واضح ((قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ))

علامات محبتك لله

  • حب لقائه، “مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ”.
  • كثرةُ ذكره، إذ قال الشاعر المحب، “وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ – مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي” فمن باب أولى أن نطّبق ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)).
  • أن يأنس بالخلوة به (أليس كل محب يخلو بحبيبه !).
  • أن يكون أسفه على ما فات من الله أعظم من أسفه على ما فات من دنياه.
  • التلذذ بالطاعة وعدم إستثقالها
  • أن يغصب لحبيبه
  • أن يُحِبَ ما يُحِبْ كما قال بعض المحبين : “حبُّ لحبها السودان حتى         أحبَّ لحبها سود الكلاب”، (ما زلت أحب الدباء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها).

والودود يفرق عن الرحيم إذ الرحيم يرحم المحتاج المضطر أما الودود فيمنح لمن يستحق ومن لا يستحق.

الرحمن الرحيم 

قال تعالى “وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة”

من أسماء الله تعالى وصفاته العلى: الرحمن الرحيم، ورد ذكرهما اكثر من 172 مرة والرحمة 286 مرة، واسم الرحمن معادل لاسم الجلالة (الله) كما في الآية “قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى”.

والرحمن الرحيم من صيغ المبالغة من الرحمة والفرق بينهما انه رحمن الدنيا رحمة عامة تشمل جميع المخلوقات حتى الكفار بينهم “وهم يكفرون بالرحمن”.

ورحيم الآخرة حيث تختص رحمته بالمؤمنين “وكان بالمؤمنين رحيما” فإذا كانت رحمته بالدنيا وهي التي وسعت كل شيء “ربنا وسعت كل شيءٍ رحمة وعلماً” فكيف برحمة الآخرة كما في الحديث: (إن لله تعالى مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخّر الله تعالى تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة).

خصائص رحمته

رحمته سبقت غضبه: الحديث (إن رحمتي سبقت غضبي) فالرحمة صفة غالبة والغضب صفة عارضة (غضب ربكم غضبا لن يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله).

يرحم ببلائه و يبتلي بنعمائه: فالمريض والمعسر والمبتلى مرحوم.

 فالرحمة الحقيقة في النجاح في الاختبار وليس في نتيجته.

كما قيل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت        ويبتلي الله بعض القوم بالنعم.

فالشدة في حقيقتها رحمة وإن خفيت عن صاحبها.

كما قيل: فقسا ليزدجروا ومن يك حازما            فليقس احيانا على من يرحم.

 لذلك عندما يدعو المبتلى او يدعى له: اللهم ارحمه.

يقول الرب: كيف ارحمه من شيء به ارحمه، كحال الاب او الطبيب يقسو على المريض ليرحمه.

 لذلك قال تعالى في تطبيق الحدود “ولا تأخدكم بهما رأفة في دين” لان الرحمه قوة تعفها مصلحة فالحدود رحمة اذ تصرف عذاب الآخرة.

رحمته تتجاوز الأجيال: “وكان ابوهما صالحاً فأراد ربك ان يبلغا اشدهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربك”.

سعة رحمته لا تخطر ببال ولا يحيط بها خيال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته ولو يعلم الكافر  ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد).

رحمته غير مقتصرة على مكان: “فأووا الى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته”.

فحتى البلاء رحمة والمحنة تصبح منحة كما في الحديث: (الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، فليس من أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد) وبالمقابل قد ياسف المرء على ما فوت  لعل السلامة في قوته.

موجبات رحمته

كان من دعاء النبي (اللهم اني أسالك موجبات رحمتك) وهي ما أوجب الرب الكريم على نفسه الرحمه لمن تعرض لها.

قيل حديث:

– (رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم).

– “وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون”.

– (رحم الله امرئاً صلى قبل العصر أربعاً).

– ( رحِمَ اللَّه رَجُلا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فصلىَّ وأيْقَظَ امرأَتهُ فصلت، فإنْ أَبَتْ نَضحَ في وجْهِهَا الماءَ،  رَحِمَ اللَّهُ امَرَأَةً قَامت مِن اللَّيْلِ فَصلَّتْ، وأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فإِن أَبي نَضَحَتْ فِي وجْهِهِ الماءَ)

– (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى).

– (رَحِمَ الِلَّهِ مَنْ سَمِعَ مِنِّي حَدِيثًا، فَبَلَّغَهُ، كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ).

– (من عاد مريضًا خاض في الرحمةِ، حتى إذا قعد استقرَّ فيها).

ثمرات الرحمة

  1. الحب كما في الحديث (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) فالرحمة تولد محبة متبادلة.
  2. الرجاء وحسن الظن بالله كما قال حماد وَاللَّهِ لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ مُحَاسَبَةِ اللَّهِ إِيَّايَ وَبَيْنَ مُحَاسَبَةِ أَبَوَيَّ، لاخْتَرْتُ مُحَاسَبَةَ الله لانه ارحم بي من ابوي.
  3. الحياء لأن المؤمن حيي يلحظ رحمة الله ينوب حياء من عصيانه.
  4. الرحمة في الخلق “الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء”.

لذلك فأقرب الناس من الله اعظمهم رحمة لذا قال تعالى “ان رحمت الله قريب من المحسنين”، فكان وساماً (ارحم امتي بامتي ابو بكر) وابعدهم من الله من اتصف بضدها (ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ).

القدوس

من معاني القدوس وهو من القدس:

الاول: البركة ومنه ((الارض المقدسة)) المباركة بدليل قوله تعالى “الذي باركنا له حوله”.

الثاني: الطهارة، التقديس التطهير، ومنه سمي سيدنا جبريل روح القدس لأنه طاهر من العيوب وبالاخص في أمانة التبليغ والوحي، والارض المقدسة: هي المطهرة، ومنه سميت الجنة حظيرة القدس.

وجاء في الحديث: (من ترك الخمر وهو يقدر عليه لاسقيناه منه في حظيرة القدس، ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكونه اياه في حظيرة القدس)

 (ان لله تعالى حول العرش موضعا يمسى خطيرة القدس وهو من النور، ملائكة لا يحصي عددهم الا الله تعالى  يعبدون الله عباده لا يفترون ساعة، فاذا كان ليالي رمضان استأذنوا ربهم ان ينزلوا الى الارض فيصلون مع بني ادم فينزلون كل ليلة الى الارض فكل من مسهم او مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها ابدا)

ومنه قول الملائكة لربهم ((ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)) اي نطهر انفسنا ابتغاء مرضاتك، لنكون أهلا لعبادتك وللاقبال عليك، وهو ثمن دخول الجنة للإنسان لقوله (طبتم فادخلوها خالدين)، فمن طاب من الدنس والخطايا تباح له الجنة فيدخلها.

وللوصول والتطهير المطلوب هناك المصاعب في الدنيا (ابتليتهم في المصائب لاطهرهم من المعايب) وهناك وسائل اضافية للتطهير

الثالث: انه منزه عن كل أوصاف (الكمال) البشري، لذلك لا يستطيع الانسان ان يثني على الله تعالى، إذ سيقيس على ما يقيسه على نفسه من اوصاف الكمال، لكن ذلك بحثق الله من سوء الأدب حتى لو قصد بها المدح فمن يقول للسلطان: إانك لست كاذبا، أيعقل هذا منك! فهذا لأي وجه، لأن نفي النقيصة توهم بإمكانية حصولها.

لذلك فالقاعدة تقول ((كل ما خطر ببالك فالله غير ذلك)) لذلك فهو منزه عن كل وصف يدركه البشر او يتصوره الخيال او يسبق اليه وهم “ليس كمثله شيء”.

الرابع: انه تقس عن الحاجات و العوز، فنحن البشر لو فقدنا شيء مما اعتدنا عليه او نحتاجه تعطلت الحياة، لكن الله القدوس لا يحتاج شيء ولا يعوزه شيء.

الخامس: من تقدس عن زمان يضعفه ويبليه فالانسان يجري عليه الزمن فتضعف قواه ويتراجع اداؤه لكن الله القدوس لا يجري عليه الزمن ولا يضعف.

السادس: انه يقدس عباده فيطهرهم من كل سوء كما ورد قي دعاء النبي: (اللهم طهر قلبي من النفاق ولساني من الكذب وعيني من الخيانة فانك تعلم خائنة الاعين و من تخفي الصدور). فمن طهر عباده ابعدهم عن الشهوات والسيئات كما دعا النبي لذلك الشاب (اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه)، من انجح الوسائل في تطهير النفوس ((الصلاة على النبي)) لأن الله يصلي عليك

فادعوه بها:

كان النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه (سبوح قدوس رب الملائكة والروح)

وكان بعد فراغه من الوتر يقول اذا سلم (سبحان الملك القدوس) ثلاث مرات.

وعلمنا النبي عدة دعوات ليطهر الله نفوسنا و يزكيها:

(اللهم اني أعوذ بك من منكرات الاخلاق و الاعمال والاهواء)

(اللهم طهرني بالثلج و البرد و الماء البارد ، اللهم طهرني من الذنوب كما يطهر الثوب الابيض من الدنس)

(اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)

انما معيار التقديس العمل، كما قالها سلمان الفارسي لاخيه ابي الدرداء (إان الارض لا تقدس أحدا، وانما يقدس الانسان عمله)، وقد تعلمها سلمان من غير فقيه، لما صلى اراد ان يصلي في بيت نصرانية جعل يبحث عن مكان طاهر ليصلي فيه، فقالت له: طهر قلبك ثم صل حيث شئت. خذها من غير فقيه.

وقد ورد عن النبي اسباب تنفي القادسة منها:

الظلم فقال صلى الله عليه وسلم (لا قدست امة لا ياخذ الضعيف فيها غير متعتع)

كيف يقدس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم فليس المطلوب ترك الظلم، بل حتى لا يجوز الركون للظلمة (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار).

ومن صور الركون للظالم أن لا تمنعه من ظلمه.

جميع الحقوق محفوظة 2024 © سبيلي